توليفة جديدة لحل الأزمة السورية تحاكي اتفاق الطائف اللبناني

بدأت المفاوضات والنقاشات الدولية والإقليمية الدائرة حول الأزمة السورية، وآخرها ما تضمنه اجتماع الدوحة، تكشف عن ملامح استراتيجية جديدة أفرزها تغير موازين القوى على الأرض. استراتيجية نتجت عن التقاء للمصالح تؤكد على ضرورة رحيل الأسد وتوحي بتوليفة جديدة من الإجراءات والاتفاقات تحاكي اتفاق الطائف الذي كان بوابة الحل بالنسبة للحرب الأهلية اللبنانية، وفق دراسة صادرة عن مجموعة الشرق الاستشارية.
الأربعاء 2015/08/12
استماتة المعارضة على الأرض في الحفاظ على حظوظها بدأت تؤتي أكلها

واشنطن- توحي زيارة وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، ونظيره الروسي، سيرغي لافروف، الأخيرة إلى منطقة الخليج، بأنّ الولايات المتحدة قد قرّرت التخلي عن النهج الضيق لمفهوم محاربة “داعش أوّلا”، وتبني سياسة أوسع تتضمن تحركا شاملا لتغيير موازين القوى على الأرض في سوريا، بما في ذلك قتال داعش، للوصول “في النهاية”، إلى دفع للحل السياسي إلى الأمام.

ومن الناحية النظرية، يبدو أنّ إفساح المجال أمام تركيا كي تدعم المعارضة السورية بالأسلحة للبدء في تنفيذ خطة لإعادة هيكلة الفصائل المقاتلة على الأرض في الشمال، يتضمن ببساطة إعطاء مفاتيح شمال سوريا للأتراك بموجب صفقة من شأنها أن تضعف كل من داعش والأسد. وفي المقابل، سيتم منع حزب العمال الكردستاني من التواجد في المناطق التي لم يكن له فيها حضور تاريخي.

ويبدو أنّ التوليفة التي تجمع بين خيارات الولايات المتحدة الأميركية التي تسعى للقضاء على “داعش أولا”، وتركيا التي تريد إسقاط “الأسد أولا” هي أساس الاتفاق الثنائي الذي يبدو أنه بدأ يشهد تقدّما في تنفيذه؛ فبالنسبة للأتراك، يعتبر ظهور وحدات حماية الشعب التابعة لحزب العمال الكردستاني، الأمر الذي غير موقف أنقرة ليصبح هدفها “الأسد وحزب العمال الكردستاني قبل كل شيء”، ومن الممكن أن يلتقي هذا الخيار مع هدف الولايات المتحدة التي تولي العناية القصوى لمحاربة “داعش قبل كل شيء”، كما من شأنه أن يدفع الأتراك للقبول بإستراتيجية مشتركة.

وقد حقق الأتراك نصف إستراتيجيتهم المتعلق بالمبادرة العسكرية بوقف تقدم حزب العمال الكردستاني وبقي تعويلهم منصبا على الأميركيين من أجل تحقيق النصف الثاني، ويبدو، من خلال ما تضمنته محادثات كيري في الخليج، أنّ هنالك خطوات جادة هذه المرة للتقدم في تحقيق الشوط الثاني، وهو إسقاط نظام بشار الأسد.

ويمكن تلخيص جوهر التحول في الموقف العام تجاه سوريا في أنه لا يمكن تحقيق خطوات فعلية نحو الحل السياسي دون وضع خارطة طريق واضحة وبذل جهود جماعية لإجبار الأسد ومن ورائه إيران على القبول بقوانين اللعبة الجديدة وفق ما أفرزه تغيّر ميزان القوة على الأرض.

الرؤية بدأت تتضح بين الفاعلين الدوليين والإقليميين حول ملامح الحل في سوريا والذي يتضمن تنحية الأسد

وقد أعادت الولايات المتحدة المفهوم الأولي المتمثل في تغيير ميزان القوى لفرض حلّ سياسي على الأسد ومؤيديه. وعلى الرغم من أن واشنطن لم يسبق لها أن تخلّت تماما عن هذا المفهوم، إلاّ أنها بدت في الماضي القريب غير مهتمة بمتابعته بالقدر المطلوب.

أمّا الآن، وبعد انتهاء المفاوضات حول النووي الإيراني، يبدو أنّ واشنطن قرّرت التّحرك بقوة لتنفيذ المبدأ الأول، حيث أنه سوف يكون هناك تقسيم معقّد للعمل بين الحلفاء الإقليميين والدوليين من أجل إجبار الأسد على الجلوس إلى طاولة المفاوضات والحديث عن مستقبل سوريا من دونه ومن دون نظامه.

أسس محادثات الدوحة

توحي المحادثات التي جرت، مؤخرا، في الدوحة، بأنّ الرؤية قد بدأت تتضح أكثر فأكثر بين الفاعلين الدوليين ونظرائهم الإقليميين حول ملامح الحل السياسي في سوريا والذي يتضمن انسحاب الأسد من اللعبة والحؤول دون خطة التقسيم التي تريدها إيران على مقاييسها، وبالمقابل ترسيخ اتفاق يحاكي اتفاق الطائف الذي كان طريق الحل للأزمة اللبنانية في وقت سابق، وهو أساس الخطة العربية التي لطالما دافعت عنها المملكة السعودية ودعت جميع الأطراف إلى الاتفاق حولها منذ بداية الأزمة.

وتفيد العديد من التكهنات بأنّ طهران، من جهتها، أدركت أنّها تواجه، في ظلّ هذه المستجدات، مأزقا إستراتيجيا في سوريا، وأنّها تناقش من أجل التوصل إلى اتفاق جوهره هو تنظيم عملية انتقال للسلطة وفق المقترح الرّوسي، الذي يتمثل في رحيل الأسد، بالتزامن مع مواصلة القتال ضدّ داعش والحفاظ على حقوق العلويين في المنطقة، لكن ليس هناك أي علامة على أنّ طهران قد توصلت إلى قرار نهائي في هذا الصدد.

وتتمثل الركائز الأساسية التي قامت عليها محادثات الدوحة في:

* أولا رفض سيناريو تقسيم سوريا، لأنه سوف يخلق مزيدا من عدم الاستقرار.

* ثانيا اعتماد المعايير التي وضعها المبعوث الخاص الأمم المتحدة، ستيفان دي ميستورا، بالإضافة إلى تلك التي وضعتها موسكو.

* ثالثا العمل على ترسيم الحدود بشكل غير رسمي وفق مناطق النفوذ.

تنظيم عملية انتقال للسلطة وفق المقترح الرّوسي أهم مناقشات اجتماع الدوحة

* رابعا التفاوض بشكل منفصل لأول مرة، مع الفاعلين الرئيسيين لتحديد الوضع النهائي لمناطق النفوذ، في ما يشبه اتفاق الطائف، في حين ترك الباب مفتوحا أمام المحادثات المباشرة إلى وقت لاحق.

* خامسا إجراء انتخابات عامة في سوريا مع تفاهم مسبق بأنّ الأسد لن يشارك فيها وأنّ الحكومة الجديدة سوف تشمل ممثلين عن جميع مكونات المجتمع السوري.

* سادسا السير حذو اتفاق الطائف الذي أنهى الحرب الأهلية اللبنانية، والذي يقوم على تقسيم غير رسمي للبلاد إلى مناطق سيطرة طائفية وسياسية “طبيعية” في ظل حكومة مركزية مُطعمة بجرعات طائفية.

ولكن تبقى مثل هذه الإستراتيجية بحاجة إلى موافقة نهائية من كل الأطراف المعنية بالأزمة السورية. ومفهوم أنّ اتفاق الطائف يمكن أن يكون مفيدا في هذا السياق، وما حدث في الدوحة هو في الواقع خطوة أولى نحو مناقشة جادّة لتفاصيل هذا الاتفاق.

ويستند مفهوم مُوسكو إلى إقامة تفاهم إقليمي من شأنه أن يُساعد على مواجهة الإرهاب، على أنّ هذه الخطة إن نجحت، فسوف تمهد لعقد مؤتمر إقليمي يجمع كل الأطراف ذات الصلة بما في ذلك المملكة العربية السعودية وإيران وتركيا والأمم المتحدة وكل من الولايات المتحدة وروسيا حول جوهر الجهود الروسية الجارية.

وتبدو تركيا متحمسة لهذا المسار، حيث سبق للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أن قال وهو في طريق عودته من الصين “موقف بوتين الحالي تجاه سوريا هو أكثر تشجيعا من ذي قبل. وقد أجرينا محادثات هاتفية تركت لي انطباعا بأن بوتين سوف يغير موقفه، وأنه لم يعد يرى أن روسيا ستدعم الأسد حتى النهاية، ولذلك أعتقد أنه يمكن أن يتخلى عن الأسد”. وتوحي هذه المواقف بأنّ هنالك التقاء واضحا للمصالح بين الفاعلين الدوليين والإقليميين يضع الأسد ومن ورائه إيران التي بدأت تستشعر الخطر في مأزق.

خيارات محدودة أمام إيران

قبل توجهه إلى الشرق الأوسط منذ أيام، قال جون كيري خلال خطاب ألقاه في نيويورك، إنه يأمل أن تنضم إيران إلى المجموعة الدولية والإقليمية التي تحدد الآن مستقبل سوريا “في مرحلة لاحقة”. ولكن إيران التي بدأت تفهم جيدا أنّ خسارتها لحليفها الأسد قد أصبحت وشيكة، بقي أمامها نوعان من الخيارات المتاحة؛ الأول يتعلق بمحاولة منع الاتفاق العربي الأميركي الروسي.

والثاني يتعلق بموافقتها على أن تكون اليد الثانية التي تصفق لهذا الاتفاق. وأغلب الظنّ، في نظر المحللين، أنها سوف تحاول باستعمال أذرعها في سوريا وفي المنطقة عموما أن تعرقل الاتّفاق قبل أن تذعن له لاحقا.

ويحاول النظام السوري ومؤيدوه تحقيق المزيد من المكاسب على ساحة المعركة والمماطلة لفترة زمنية أطول. وفي الأسابيع الأخيرة كثفت قوات الأسد المدعومة بعناصر من حزب الله من شنّ هجمات مضادة في العديد من الجبهات في وقت واحد، شملت مناطق في حلب، الغاب، جسر الشغور وحتى تدمر.

وبهذا يبدو جليا أنّ معسكر طهران والأسد يسعى إلى تحسين حصته في اتفاق الطائف. وأنه سوف يتخلى عن القتال ويتوجه إلى طاولة المفاوضات. لكن متى يحدث ذلك؟

الاتفاق يقوم على تقسيم غير رسمي إلى مناطق سيطرة طائفية وسياسية "طبيعية" في ظل حكومة مركزية

الثابت أنّ ذلك سيحدث في اللحظة التي تستقر فيها خطوط التماس، التي تجري مناقشتها، وفقا لنوع من التشكل “الطبيعي” والتي بدأت ملامحها في الظهور. ولكن هذا الأمر سوف يستغرق قدرا كبيرا من الوقت وسوف يدور قتال كبير من أجل التوصل إلى خطوط تماس شبه مستقرة، ولذلك وحتى وفق هذه الإستراتيجية الجديدة فإنّ الأمور مرجحة لتزداد سوءا قبل أن تتحسّن.

وسوف تتحوط كل من إيران ونظام الأسد من خلال تعزيز سيطرتهم على المناطق العلوية أو التي تعتبر مناطق إستراتيجية بالنسبة لحزب الله، مثل الزبداني، في الوقت الذي يضغط فيه “أحرار الشام” على قرى شيعية في إدلب من أجل إجبار حزب الله على تخفيف الضغط على الزبداني التي تعتبر مهمة لحزب الله وإيران، وقد قررت طهران وفق ذلك التفاوض مع أحرار الشام.

وقد طالب الوفد الإيراني مسبقا بأن يتخلى السنة عن الزبداني بشكل تام وتقديم مقابل جغرافي لهذه المدينة الإستراتيجية في أماكن أخرى، لكن أحرار الشام رفضوا. ويظهر هذا المثال بوضوح أن هدف إيران يتعلق أساسا بالعمل على خيار التقسيم كخط افتراضي في حال إصرار العرب على خطة لا ترغب فيها طهران.

ولكن الإيرانيين قد أغفلوا على ما يبدو أنّ المعركة الآن أصبحت بين خطتهم البديلة التي يريدون من خلالها تحصيل أكبر قدر من المنافع حفاظا على بعض النفوذ في سوريا بعد رحيل الأسد، وبين الخطة الرئيسية للمعارضة السورية، التي تقضي بتخليص أراضيهم من الوجود الإيراني والحفاظ عليها موحدة. وهو ما سوف يساعد المعارضة على تعديل خطابها السياسي بالاستناد إلى الوحدة الوطنية والتعددية التي كانت دائما سمة من سمات الثقافة السورية.

6