توماسو بوشيتا.. قصة العراب الذي خان رفاقه في المافيا الصقلية

فيلما "الخائن" و"أبونا الروحي" يجسدان الشخصية التراجيدية الغامضة لزعيم المافيا الشهير.
الأحد 2019/11/03
بوشيتا في "الخائن" كشاهد ضد رفاقه

فيلمان ظهرا هذا العام في وقت متقارب عن زعيم المافيا الشهير “توماسو بوشيتا”، الذي توفي قبل نحو عشرين عاما، الأول هو الفيلم الروائي “الخائن” للمخرج الإيطالي ماركو بيللوكيو، الذي عرض في مسابقة مهرجان كان ثم عرضه مهرجان لندن، والثاني الفيلم التسجيلي الطويل “أبونا الروحي”، الذي شهد مهرجان تورنتو عرضه العالمي الأول مؤخرا.

يرجع الاهتمام الكبير بشخصية توماسو بوشيتا إلى الرغبة في تذكير العالم بذلك الماضي العنيف، الذي اجتاح إيطاليا وانتقل منها الى الولايات المتحدة، وهو عنف يعيد إنتاج نفسه حاليا على مستويات كثيرة مختلفة في العالم، وبدوافع مماثلة أساسها الرغبة في الاستحواذ والسيطرة وجني المال ولو عن طريق الابتزاز، وهو ما نراه يحدث علانية على أعلى المستويات في السياسة الأميركية الحالية.

ربما يكون وراء إنتاج الفيلمين أيضا الولع السينمائي القديم بقصص المافيا وما يحيط بها من بريق يجذب مشاهدي السينما، خاصة بعد النجاح الكبير الذي حققته ثلاثية أفلام “الأب الروحي” (العراب) لفرنسيس فورد كوبولا، إلا أن الدافع الحقيقي ربما يكمن في جاذبية شخصية بوشيتا نفسه وغموضها باعتبارها شخصية تراجيدية، تحمل بذور دمارها في داخلها، وهو ما يغري أي فنان سينمائي بإعادة اكتشافها وتسليط الأضواء عليها من جميع الزوايا.

من المثير للدهشة ذلك التبادل المدهش بين الفيلمين، فبينما بدا الفيلم الروائي “الخائن” The Traitor لماركو بيللوكيو، وهو أحد عمالقة الإخراج في السينما الإيطالية، (80 سنة) أقرب في صياغته وأسلوبه في السرد، إلى الفيلم التسجيلي. بدا الفيلم التسجيلي “أبونا الروحي” Our Godfather أقرب إلى الفيلم الروائي. ويطلق على الفيلم أيضا “عراب العالمين”، كما كان يلقب بوشيتا كونه مارس عملياته القذرة في العالم القديم (إيطاليا) والعالم الجديد (البرازيل والولايات المتحدة). وقد اشترك في إخراج هذا الفيلم التسجيلي البريطانيان مارك فرانشيتي وأندرو ميير.

ربما يكون وراء إنتاج الفيلمين أيضا الولع السينمائي القديم بقصص المافيا وما يحيط بها من بريق يجذب مشاهدي السينما، خاصة بعد النجاح الكبير الذي حققته ثلاثية أفلام "الأب الروحي" "العراب" لفرنسيس فورد كوبولا
ربما يكون وراء إنتاج الفيلمين أيضا الولع السينمائي القديم بقصص المافيا وما يحيط بها من بريق يجذب مشاهدي السينما، خاصة بعد النجاح الكبير الذي حققته ثلاثية أفلام "الأب الروحي" "العراب" لفرنسيس فورد كوبولا

العراب والقاضي

“الخائن” دراسة بالكاميرا في شخصية رجل أخطأ مرتين في حياته، لذلك كان يتعين عليه أن يدفع الثمن أضعافا مضاعفة. لقد أخطأ عندما التحق بالمافيا (الكوسا نوسترا) وهو بعدُ صبي، أغوته فكرة الانتماء للجماعة القوية، والفكرة الرومانسية الأخرى الشائعة عن الصدق والإخلاص والولاء والشرف وعدم التفريط في “الأخوة” تحت أي ظرف. ثم أخطأ مرة ثانية عندما قرر بعد أكثر من ثلاثين عاما من التحاقه بالمافيا، أن يتحول من زعيم مرموق داخل تلك المنظمة الإجرامية، إلى شاهد ضدها، أدت شهادته أمام المحاكم إلى الحكم بالسجن على أكثر من 400 من قياداتها وأعضائها البارزين، منهم من لايزال يقضي عقوبة السجن مدى الحياة. كيف كان ذلك ممكنا، وما الذي غير هذه الشخصية التي مارست القتل والعنف (من الخمسينات إلى الثمانينات)، بحيث تنقلب تماما وتغير اتجاهها وتتنكر لماضيها؟ وما الذي ترتب على هذا التغير الدرامي؟ وكيف عاش توماسو بوشيتا؟

هذه التساؤلات هي محور الفيلمين ولكن على مستويات مختلفة، ومن خلال أسلوبين مختلفين.

سيناريو فيلم “الخائن”، الذي اشترك في كتابته ثلاثة من الكتاب الإيطاليين إلى جانب المخرج (سيرا على نهج السينما الإيطالية عموما)، يقوم على بناء متعرج، ينتقل بين الأزمنة، يبدأ من عام 1980، قبل أن يعود إلى الماضي، حيث بدأ الصبي توماسينو حياته عضوا في المافيا، ليقفز الفيلم بعد ذلك إلى المرحلة التالية في حياة بوشيتا.

وكما ينتقل الفيلم ويتأرجح بين الأزمنة، يظل ينتقل أيضا طوال الوقت، بين الأماكن المختلفة، من باليرمو في صقلية، إلى ريودي جانيرو في البرازيل، ومن روما، إلى نيويورك ثم إلى فلوريدا وغيرها من الأماكن التي انتقل بينها بوشيتا. فقد غادر صقلية بعد أن تفجّر الصراع العنيف بين أجنحة المافيا بسبب تجارة المخدرات، وأصبح مستهدفا من جانب زعيم الجناح المتطرف داخل المافيا “توتو رينا”، خاصة بعد أن يأمر رينا بقتل ولدي بوشيتا في مشهد شديد العنف. وسيتم تسليم بوشيتا إلى الولايات المتحدة، التي ستقوم بترحيله ليواجه المحاكمة والسجن في إيطاليا قبل أن يقرر أن يشهد ضد المافيا.

هذا البناء لم يكن يمثل مشكلة أمام المشاهد لولا أن الفيلم يحتشد بعشرات الشخصيات التي تظهر أسماؤها مكتوبة على الشاشة، كما تظهر التواريخ والشروح التي تشير إلى طبيعة تلك الشخصيات ودورها أو رتبتها في المافيا، وهو ما يسبب ارتباكا شديدا للمشاهد، مع اتساع المساحة الزمنية التي تشمل أكثر من ثلاثين عاما من الأحداث، وطغيان الحوار الذي لا يكاد يتوقف لحظة واحدة، خاصة في المشاهد الطويلة التي تدور داخل قاعات المحكمة، حيث تتم محاكمة قيادات المافيا، وهي مشاهد رئيسية في الفيلم، وفيها يدلي بوشيتا بشهادته للمرة الأولى في تاريخ تلك العصابة من جانب أحد زعمائها البارزين، في مواجهات مباشرة عاصفة، تحفل بالعديد من الشتائم القبيحة والتهديدات التي يوجهونها إليه، فقد أصبح في نظرهم “الخائن” بعد أن كسر “عهد الشرف” الذي أقسم عليه.

من أبرز معالم فيلم "الخائن" أداء الممثل الإيطالي الفذ بييرفرانشيسكو فافينو في دور بوشيتا، فهو يتمتع بقوة الشخصية والحضور الكبير، والكاريزما

كان من المنتظر أن يعيد ماركو بيللوكيو بناء فيلمه بحيث يضفي عليه لمساته الخاصة الساحرة، التي تبدت على سبيل المثال في معالجته لشخصية الابن غير الشرعي لديكتاتور إيطاليا موسوليني في فيلمه البديع “النصر” (2009)Vincere، الذي كان يتضمن الكثير من الجوانب الإنسانية سواء في تكوين شخصية الإبن الذي ظل الديكتاتور ينكر وجوده، أو أمه التي تم التنكيل بها، وهو ما يغيب بوضوح عن “الخائن” الذي يبدو هدفه الأساسي الالتزام بمسار الأحداث التاريخية دون أن يخلو تماما من بعض المشاهد المثيرة (ربما تكون متخيلة)، ولكنها لا تخرج أيضا عن الاهتمام بالوصف الخارجي، الذي يتعلق بعنف المافيا وقسوة رجالها.

في أوائل السبعينات ذهب بوشيتا إلى البرازيل، وهناك تزوج من كريستينا، زوجته الثالثة الجميلة التي تصغره باثنين وعشرين عاما، ولكن الشرطة البرازيلية تعتقله (في زمن الديكتاتورية العسكرية في الثمانينات)، وتتهمه بالاتجار في المخدرات، كما تعتقل زوجته، وفي مشهد شديد الإثارة يربطون كريستينا بحبل طويل يتدلى من طائرة مروحية تطير في الجو، ومن مروحية أخرى تطير إلى جوارها، يرغمون بوشيتا على مشاهدة زوجته وهي تتدلى في الجو من الطائرة لا حول لها ولا قوة، وذلك بغرض دفعه إلى تقديم ما يطلبونه من اعترافات.

ومن أفضل خيوط الفيلم علاقة الثقة التي تولد بين بوشيتا وقاضي التحقيق “جيوفاني فالكوني”، ثم تتحول إلى صداقة ورفقة إنسانية رائعة، بحيث لا يقبل بوشيتا قط بالإدلاء باعترافاته الغزيرة سوى لفالكوني وحده. ولأن فالكوني كان قاضيا نزيها حقيقيا رفض التستر على الشخصيات السياسية التي أدلى بوشيتا بأسمائها، مشيرا إلى علاقتها بالمافيا، كان مصيره الاغتيال بتفجير سيارته وهو مشهد مثير صوّره بيللوكيو في فيلمه من داخل السيارة قبل وأثناء انفجارها وتحولها إلى قطع وأشلاء.

عراب العالمين

"أبونا الروحي" لحظات نادرة من الهدوء
"أبونا الروحي" لحظات نادرة من الهدوء

أما الفيلم التسجيلي “أبونا الروحي” Our Godfather فهو نتاج جهد هائل من جانب مخرجيه اللذين حالفهما الحظ عندما تمكنا من إقناع أرملة بوشيتا “كريستينا” أن تتحدث للمرة الأولى أمام الكاميرا، كما أقنعا بالحديث أيضا ولديْ بوشيتا بعد أن كبرا الآن. ولكن رغم مرور كل تلك السنين، مازال أحدهما يرفض الظهور بوجهه أمام الكاميرا، ولذلك نشاهده وهو يتحدث من زاوية تخفي وجهه.

لقد قتلت المافيا 12 شخصا من عائلة بوشيتا، منهم ولديه من زوجته الثانية، وشقيقه وزوج شقيقته وعمه، ومعظم هؤلاء لم تكن لهم أي علاقة بالمافيا أصلا. وكل هذه التفاصيل موثقة بشكل أو آخر في الفيلم، سواء من خلال الصور الفوتوغرافية أو الشرائط التسجيلية الإخبارية، أو من خلال شهادات الشهود، وهم كثيرون من بينهم أيضا عدد من الشرطيين والمحققين وقضاة التحقيق الإيطاليين وعدد من ضباط المباحث الفيدرالية الأميركية ممن كلفوا بحماية بوشيتا وتأمينه على مدار الساعة داخل بيته، أو البيت الذي يقيم فيه (انتقلت أسرته في أميركا بين 20 منزلا) بعد أن منحته السلطات الأميركية حق الحماية بعد أن أصبح شاهدا رئيسيا مهما ساعدهم في فك طلاسم الكثير من عمليات المافيا، التي وقعت على الأراضي الأميركية، ومنها عملية استهداف سلسلة مطاعم البيتزا. وارتبط أحد هؤلاء الضباط بصداقة وثيقة مع بوشيتا، وهو يتحدث في الفيلم ويروي كيف أنه لايزال يحتفظ بوصف الخلطة التي كتبها له بوشيتا بخط يده وكان يستخدمها في عمل نوع معين من الطعام، وكان يطهو له ولمرافقيه يوميا.

كان من المنتظر أن يعيد ماركو بيللوكيو بناء فيلمه بحيث يضفي عليه لمساته الخاصة الساحرة، التي تبدت على سبيل المثال في معالجته لشخصية الابن غير الشرعي

ذكرت أنه من حسن حظ المخرجين أنهما عثرا على “كرستينا”، التي لم تظهر قط في أي شريط مصور من قبل بل ومازالت تعيش في الخفاء لأن حياتها مازالت مهددة حتى يومنا هذا، “فالمافيا لا تنسى قط” كما يتردد في الفيلم. لم توافق كريستينا فقط على الظهور وتقديم خلاصة السنين الطويلة التي قضتها مع بوشيتا، بل منحت مخرجي الفيلم أيضا 14 شريط فيديو منزلي كانت بمثابة كنز بصري، فهي تتضمن الكثير من اللقطات الخاصة في حياة بوشيتا في علاقة بأسرته؛ منها لقطات له في ملابس سانتا كلوز، وأخرى وهو يطهو الطعام، أو وهو يداعب أولاده أو وهو يتحدث تليفونيا، أو يجلس في المطاعم مع أفراد أسرته، ثم يضطرون للمغادرة فجأة بسرعة بعد أن تلاحظ ابنة بوشيتا أن هناك عينا غريبة تراقبهم.

أصبحت كريستينا الشخصية المحورية في الفيلم، وهي تروي وتقف أمام الكاميرا وتقود فريق الفيلم إلى المنازل التي عاشت فيها خفية مع بوشيتا وغير ذلك، إلا أن اهتمام بوشيتا يظل هو محور الاهتمام، وهو يروي بصوته في بداية الفيلم ويتكرر صوته على مقاطع كثيرة من الفيلم (ربما من خلال اعترافاته المسجلة للشرطة الأميركية) الكثير من التفاصيل من حياته وعلاقته بالمافيا. ومن يشاهد الفيلم وهو ينتقل بين مواد الأرشيف، والصور المباشرة، وشهادات الذين عاصروا الأحداث، بل والكثير من اللقطات المسجلة مباشرة من داخل قاعات المحكمة، والتسجيلات الصوتية، والأفلام المنزلية الخاصة، لابد أن يدرك مدى الجهد الكبير الذي بذل في جمع وترتيب تلك المادة وصياغتها في سياق درامي بديع، وكأنه يخضع لسيناريو خيالي، كما يشعر وكأن أسرة بوشيتا كانت تسجل بالصوت والصورة وعينها على التاريخ، وعلى المستقبل الذي سيصبح مطلوبا فيه تقديم وعرض تلك الوثائق المصورة.

 بوشيتا هو ذلك “البطل التراجيدي” الذي يفقد الكثير من أحبائه وأقاربه وأهله، بسببه وبسبب اختياراته، ويصبح بالتالي ممزقا بين الشعور بالذنب وفي الوقت نفسه، الرغبة في الاستمرار في تحقيق انتقامه الخاص من المافيا.. بعد أن “فقدت الشرف” كما يقول أثناء الإدلاء بشهادته أمام القضاة وأمام خصومه من المافيا. لكن رغم المطاردة وعمليات العنف التي طالت أفراد عائلته إلا أن بوشيتا نفسه توفي عام 2000 عن 71 عاما متأثرا بإصابته بالسرطان.

في قبضة الشرطة الإيطالية
في قبضة الشرطة الإيطالية

من أبرز معالم فيلم “الخائن” أداء الممثل الإيطالي الفذ بييرفرانشيسكو فافينو في دور بوشيتا، فهو يتمتع بقوة الشخصية والحضور الكبير، والكاريزما، يبدو حينا شديد القوة والصلابة والاعتزاز بالنفس، وحينا آخر، يميل إلى الصمت والغموض مع مسحة من الحزن الداخلي والكبرياء. ويمكنني القول أيضا إن تجسيد الممثل لشخصية بوشيتا جاء أفضل كثيرا من حضور بوشيتا الحقيقي في الفيلم التسجيلي!

ما يمكن أن يثير التساؤل حول الفيلمين، أنهما يُظهران بوشيتا “ضحية” على نحو ما، رغم أنه مارس القتل بيديه، ففي لحظة ما مع استمرار السرد يشعر المتفرج بنوع من التعاطف معه. ومن النقاط التي حظيت باهتمام الفيلمين، تحول بوشيتا الدرامي ضد المافيا، ففي حين يعتبر فيلم “الخائن” أن قرار بوشيتا بالشهادة ضد رفاقه القدامى جاء، لأنه أراد أن يحتفظ بصورة الشخصية القادرة المهيبة التي يخشاها الجميع بعد أن كان قد عاش طويلا في الظل، يميل الفيلم التسجيلي إلى أن تمرده جاء بعد مقتل ولديه ورغبته في حماية أسرته من الخطر، وهو ما تقوله زوجته. ولكن من يدري؟ فموقف بوشيتا سيظل يحيطه الكثير من الغموض.

15