توماس روبرت مالتوس من نظرية السكان إلى لعنة الإبادة

السبت 2015/05/09
الأزمة الغذائية في العالم توقظ الشيطان من قبره بعد قرون

“لعنة مالتوس” يمكن لنا أن نطلق هذه التسمية على حصيلة الهواجس والأفكار التي يُسرع إلى تكرارها المحللون الاقتصاديون حين يتم الحديث عن مشكلة النمو السكاني، حين لا يقابلها نمو مواز في الموارد الغذائية، وبما يكفل تأمين الطعام للأعداد الجديدة من البشر. ما سيؤدي في المحصلة إلى حدوث المجاعة.

مالتوسية وكوارث

رغم أن مصطلح “المالتوسية”، قد تمت صياغته ليكون مناسباً للتعبير عن حملة فكرية مخيفة ومرعبة ستتضمن حلولاً لا إنسانية لمشكلة الزيادة السكانية، حلول من نوع الحروب والفيضانات والأوبئة، إلا أن مراجعة أفكار مالتوس في نسخته الأولى، لا تقدم صورة مرعبة عن شخصيته، بل إنما تظهر اجتهادات علمية لرجل اقتصادي، بنيت على معادلات زمكانية محددة، أي أنه استخدم الحيثيات العلمية التي عاشها ليقدم تصوراته عن حل المشكلة، ولم تتح له الإمكانات لأن يرى معطيات تقوده إلى تصورات مختلفة.

فالمحفزات التي دفعت الرجل إلى النظر في وضع السكان على الأرض أتت من واقعه، حيث عاشت إنكلترا في نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر تحولاً في طبيعة اقتصادها من الرأسمالية التجارية إلى الرأسمالية الصناعية، ما أدى إلى تقلص إنتاج المواد الغذائية، وارتفاع أسعار المنتجات الزراعية، وتضخم الكثافة السكانية في المدن التي احتوت المناطق الصناعية الناشئة، والتي لم تقابل بسياسة توفير المساكن للوافدين إلى هذه المناطق، ما أفرز ازدحاماً بشرياً في المساكن، وسوء حال للطبقة العاملة حيث انتشر الفقر والبطالة، حتى باتت ظواهر التسول والتشرد والسرقة حالة يومية في المجتمع.

أما تعمقُ مالتوس في قراءة الأفكار الاقتصادية والسكانية التي رافقت هذه التحولات، فقد قاده لأن يقدم تصوراً غريباً بعض الشيء عن القيم الأخلاقية التي يحملها هو ذاته، وخاصة تلك المرتبطة بعقيدته الدينية.

الكاهن يقرأ التاريخ

ولد توماس روبرت مالتوس عام 1766 م، في إنكلترا لعائلة ميسورة دفعته إلى دراسة اللاهوت في جامعة كمبردج، فأمسى كاهناً بكنيسة إنكلترا في سنة 1798، وفي عام 1805 عين أستاذاً للتاريخ العام، والسياسة، والتجارة والتمويل في كلية شرق الهند الجديدة، التي تم إنشاؤها بالقرب من لندن، واستمر في عمله حتى وفاته في سنة 1834.

رؤية مالتوس أو نظريته في علم السكان والتي نشرها سنة 1798 حين كان في الثانية والثلاثين من عمره تحت عنوان “مقال عن مبدأ العام للسكان كما يؤثر في تقدم المجتمع في المستقبل” تقول “إن قوة السكان في التكاثر أعظم من قوة الأرض في إنتاج الغذاء”، فالبشر يتزايدون كل خمسة وعشرين عاما بحسب متتالية هندسية (4-8-16-32-64-128)، في الوقت الذي يتزايد فيه الإنتاج الغذائي وفق متتالية حسابية فقط (10-20-30-40-50)، يقول مالتوس “ولما كان الإنسان لا يستطيع الحياة دون غذاء فإن هاتين القوتين غير المتساويتين في النمو، لا بد لهما من موانع تدفع بهما إلى التكافؤ، وبما يعني تقليل نسبة التزايد السكاني، لتتعادل مع نسبة الإنتاج الغذائي”، وهذه الموانع بحسب رؤية مالتوس عوامل سلبية أو إيجابية تحول بين الناس وبين التناسل. فالعوامل السلبية الوقائية تتمثل في عدم الزواج بسبب الفقر أو غيره من الأسباب، وبالرذيلة (العلاقات الجنسية خارج نطاق الزوجية والعلاقات غير الطبيعية كالشذوذ الجنسي) واستخدام وسائل منع الحمل.

المستشارة الألمانية ميركل تقول إن الناس في الهند صاروا يأكلون مرتين في اليوم. وإذا كان ثلث الشعب الهندي البالغ تعداده مليار نسمة يفعل ذلك، فهؤلاء عددهم 300 مليون نسمة، وإذا استهكلوا فجأة طعاما يعادل مثلي ما كانوا يستهلكونه، فإن هذا سينعكس علينا، وإذا بدأ 100 مليون صيني في شرب الحليب أيضا، فإن حصص الحليب لدينا ستقل
أما العوامل الإيجابية فيأتي دورها حال فشل العوامل السلبية في حفظ التوازن بين السكان والطعام المتاح، حيث تتكفل الطبيعة وكذلك التاريخ بقتل المواليد الجدد بسبب الأمراض، والمجاعات، والحروب. وبناء على ما سبق ينصح مالتوس الحكومات بعددٍ من النصائح، مثل عدم زيادة أجور العمال، لأن هذا إن حصل فإنه سيدفعهم إلى الزواج المبكّر أو إنجاب عدد أكبر من الأطفال، كما يوصي بعدم الإنفاق على العاطلين عن العمل لأن هذا سيحولهم إلى كسالى.

أفكار مالتوس وبحسب المراجعات الفكرية لم تكن أفكاره هو ذاته، بل كانت امتداداً لأفكار عدد من الاقتصاديين الذين سبقوه، فبحسب الدكتور رمزي زكي مؤلف كتاب “المشكلة السكانية وخرافة المالتوسية الجديدة” فإن “ثمة تشابهاً كبيراً بين الأفكار التي طرحها مالتوس وبين الأفكار التي ذكرها من قبله ريتشارد كانتيلون وجيمس ستيوارت. حيث رأى الأول في عام 1755 أن قدرة السكان على الزيادة هي قدرة لا نهائية.

غير أن العامل الوحيد الذي يحد من فاعلية هذه الزيادة هو مدى توافر الموارد الغذائية. أما الثاني فقد تعرض في كتابه “مبادئ الاقتصاد السياسي” المنشور عام 1767 إلى المسألة السكانية، ووصل في تحليله إلى النواة الأساسية لدى نظرية مالتوس. فهو يرى أن العامل الوحيد المحدد لزيادة السكان هو مدى توافر الموارد الغذائية. غير أن هذه الموارد لا تزيد بنفس نسبة زيادة السكان، وهو الأمر الذي يحد من إمكانيات النمو السكاني لأي بلد. كما أنه في تحليله توصّل إلى صياغة تكاد تكون تامة لقانون تناقص الغلة. وهو القانون الذي بنى عليه مالتوس من بعده أسس تحليله في موضوع المستقبل القاتم للبشرية.

جذور فكر الإبادة

صحيح أن الأفكار الرئيسية في النظرية قد تمت مراجعتها لاحقاً من قبل صاحبها، ومن قبل من تمت تسميتهم بـ”المالتوسيين الجدد” مثل فرانسيس بليس الذي وافق على المبدأ الذي وضعه مالتوس، ولكنه رأى بضرورة “وضع قيود على الزواج لكن ليس بتأجيله وإنما الأفضل قبول منع الحمل كبديل شرعي ومقبول – نسبياً – من الناحية الأخلاقية لمواجهة الخصوبة الطبيعية العمياء (غير الموجهة) والتدمير الجماعي الذي تسببه الحروب”.

رغم أن الاشتراكية وقفت على تضاد كامل مع المالتوسية إلا أن انتهاء الصين الشيوعية إلى تطبيق سياسة الطفل الواحد في الأسرة مثل استجابة واقعية لأفكار مالتوس قبل سبع سنوات من الآن، حين أعلنت المؤسسات الدولية عن (أزمة الغذاء العالمية)

إلا أن الوقائع الاقتصادية والتقنية التي شهدها العالم مثّلت الرد الأهم على نظرية مالتوس، حيث ترافق النمو السكاني مع تطور تقنيات الزراعة ما أدى إلى تنامي معدلات الإنتاج الزراعي، في العديد من البلدان التي تشهد نمواً سكانياً مضطرداً.

بقيت “لعنة مالتوس” تتردد في ممرات الصراع بين الشمال الغني والجنوب الفقير على كوكب الأرض، وفي سياسات الأنظمة النازية والفاشية والشيوعية والرأسمالية، فكل هذه الأنظمة قامت بممارسات الإبادة الجماعية للشعوب، وفي وقائع باتت من الأحداث الراسخة في تاريخ البشرية عبر حربين عالميتين وعشرات الحروب الاستعمارية. ورغم أن الأفكار الاشتراكية وقفت على

تضاد كامل مع المالتوسية إلا أن انتهاء الصين الشيوعية إلى تطبيق سياسة الطفل الواحد في الأسرة مثّل استجابة واقعية لأفكار مالتوس التي عادت إلى الواجهة قبل سبع سنوات

من الآن، حينما أعلنت مؤسسات دولية عن “أزمة الغذاء العالمية” حيث كثُرَت الاحتمالات وتعدَّدت التفسيرات حولها، فبعد أن أمسى وجودها غير قابل للنقاش، على اعتبار أنها واقعٌ راهنٌ لا يمكن تجاهله، ولا يمكن الحديث عن المستقبل القريب لأيّ شعب من الشعوب دون التفكير فيه. بعد أن بات من المثبت لدى الكثير من الاقتصاديين، أنَّ المتضرّر الأكبر من هذه الأزمة هم شعوب العالم الثالث، وكذلك جزء كبير من شعوب الدول، التي أمست ناهضة اقتصادياً، أي تلك التي تزداد معدلات النمو فيها، ما يجعلها قابلة للانضمام إلى نادي الكبار في هذا العالم.

شمال الكوكب وجنوبه

وقد عزا الكثيرون الأزمة إلى ارتفاع معدلات إنتاج “الوقود الحيوي” لدى الدول المتطورة، التي أمست ترى في ارتفاع سعر النفط عدواً قد يخرّب استقرار صناعاتها، مما جعلها تبحث عن مصادر للطاقة البديلة، فكان توجهها صوب “الوقود الحيوي” الذي يقوم على استخلاص العناصر الصالحة للاستخدام كوقود من المنتجات الزراعية ذاتها. وقد عبَّر آنذاك مدير صندوق النقد الدولي دومينيك شتراوس عن الكوامن في هذا التوجه، فقال إنَّ الوقود الحيوي يمثل مشكلة أخلاقية؛ “فعندما ننتج الوقود الحيوي من منتجات زراعية لا تستخدم في الغذاء لا تكون هناك مشكلة. لكن عندما ينتج من منتجات غذائية فإن ذلك يمثل مشكلة أخلاقية”.

مالتوس يرى بما أن الإنسان لا يستطيع الحياة دون غذاء فإن هاتين القوتين غير المتساويتين في النمو، إنتاج الغذاء وتزايد السكان، لا بد لهما من موانع تدفع بهما إلى التكافؤ، وهذا يعني تقليل نسبة التزايد السكاني، لتتعادل مع نسبة الإنتاج الغذائي

وعلى النقيض من فكرة أنَّ الشعوب المعدمة هي المتضررة من الأزمة، روجت منتديات الدول الكبرى لفكرة تقول بأنَّ سبب الأزمة يكمن في عدم قيام الحكومات في العالم الثالث بما هو مطلوب منها، كي تصلح واقعها الزراعي. وبالتوازي مع هذه الفرضية، راجت فكرة أشدّ خطورة وأشدّ خبثاً، تقول إنَّ الاستهلاك لدى الشعوب الفقيرة، ولدى شعوب الدول الناهضة وبسبب زيادة مواردها هو سبب الأزمة. وهذا ما صرَّحت به المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، حين ادَّعت بأن السياسات الزراعية السيئة، وتغيّر العادات الغذائية في البلدان النامية هي المسؤولة أساساً عن ارتفاع أسعار الغذاء، وليس إنتاج “الوقود الحيوي”. والطريف في ما قالته ميركل، يكمن حقيقة في شروحاتها للفكرة، فهي ترى أنَّ من يسافر إلى الهند، سيلاحظ أنَّ النقاش الرئيسي يدورُ حول الوجبة الثانية. “فالناسُ باتوا يأكلون مرتين في اليوم. وإذا كانَ ثلثُ الشعب الهندي البالغ تعداده مليار نسمة يفعلُ ذلك، فهؤلاء عددهم 300 مليون نسمة؛ فإذا استهلكوا فجأة طعاماً يعادل مثلي ما كانوا يستهلكونه، فإن هذا سينعكس علينا، وإذا بدأ 100 مليون صيني في شرب الحليب أيضاً، فإنَّ حصص الحليب لدينا ستقلّ”.

كلام ميركل في عمقه هو صدى لأفكار مالتوس، الذي كتب في كتابه “بحث في مبدأ السكان”: إنَّ الرجل الذي ليس له من يعيله ولا يستطيع أن يجد عملاً في المجتمع، سوف يجد أن ليس له نصيب من الغذاء على أرضه، وبالتالي فهو عضو زائد في وليمة الطبيعة، حيث لا صحن له بين الصحون. وعليه فإنَّ الطبيعة تأمره بمغادرة الزمن.

فالمبدأ هو ذاته، ولكنه مقلوبٌ، فميركل، تقرأ الأزمة من خلال واقع الأمم المتقدمة، التي يجب أن يبقى أفرادها أصحاء وبعافية، بينما على الشعوب الأخرى أن تحافظ على عاداتها الغذائية ذاتها، وإن أدَّت بها إلى البقاء رهينة التناقض بين معدلات النمو السريعة وبين الواقع الصحي المتردي.

مبعوث الأمم المتحدة المكلف بشؤون الغذاء جان زيجلر، وفي سياق تحليله للأزمة، ردَّ على وجهات النظر السابقة، حين صرَّح بأنَّ “الوقود الحيوي”، الذي يحرم الملايين من قوتهم، يعدّ “جريمة ضدَّ الإنسانية”، معتبراً أنَّ هذا الوقود، وكذلك المضاربة في الأسواق والمساعدات التي يمنحها الاتحاد الأوروبي للصادرات مسؤولة عن تجويع جماعي للبلدان الفقيرة، سيؤديان إلى وقوع “مذبحة جماعية صامتة”. زيجلر اتهم العولمة وسياسة “احتكار الثراء في الأرض” بالمسؤولية عما سماه “العنف البنيوي”. وقال “لدينا قطيع من متعاملي البورصات ومن المضاربين ومجرمي المال، الذين ازدادوا شراسة وأنشأوا عالماً من اللا مساواة والفظاعة، وعلينا أن نضع حداً لهذا”.

15