توماس سراسينو يطلق العنان لممارساته الإيكولوجية الجديدة

فنان أرجنتيني يصنع من الهندسة جماليات صديقة للبيئة، ومشاريع تهدف إلى الإشعاع على الأرض وما وراءها.
الاثنين 2018/10/15
من المجهري إلى الكوني

بعد فيليب بارينو عام 2013 وتينو سيغال عام 2016 وكميل هنرو السنة الماضية، يفتح “قصر طوكيو” بباريس أروقته لفنان آخر هو الأرجنتيني توماس سَراسينو كي يؤثث فضاءه على هواه، تأسيسا لتقليد درج عليه هذا المتحف عنوانه “مطلق الحرية”.

ولد توماس سَراسينو عام 1973 في توكومان شمال غرب الأرجنتين، وبعد أن حاز شهادة ماستر في الهندسة المعمارية من المعهد الأعلى للفنون الجميلة ببوينس أيرس، واصل دراسة الفنون في مدرسة ستادل بفرانكفورت، ثم في جامعة يواف بفينيسيا حيث أحرز ماستر في الفنون التشكيلية والهندسية، استقر بعدها في برلين، ليصوغ “مشاريع تهدف إلى الإشعاع على الأرض وما وراءها”، على حدّ تعبيره.

ومعرضه الأخير بـ”قصر طوكيو” الباريسي هو أضخم مشروع أنجزه حتى الآن، ويحتوي على منتخبات من أعماله السابقة وأعمال جديدة طموحة، تميزت كلها بتقاطعات بين الفن والعلم والهندسة، وحولت القصر إلى فضاء حسي لا نظير له، إذ أضحى غشاوة تدور فيها كوريغرافيا عَرَضية متحولة، حيث التعدد والثراء وتشابك عناصر الكون، مرئية كانت أم غير مرئية، آدمية أم غير آدمية، سواء أدركتها حواسنا أم لم تدركها، عبارة عن أصوات لا تحصى لائتلاف الكائنات الحية.

وسراسينو، في حرصه على تجاوز إدراكنا واستكشاف إدراك الكائنات الأخرى واستلهام عناصرها، يجعل العالم أكثر حساسية من البشر، وأوسع من حقل آفاقنا الوحيدة، ويحوله إلى بوليفونيا تحضر فيها أصوات الأجناس وحركاتها وذبذباتها، من المجهري إلى الكونيّ.

يكشف عمل سراسينو عن ذلك التشابك في أكثر الأحجام صغرا وأوفرها كبرا، كما يكشف عن الروابط التي نسجها الفنان بين ذرة تراب وشبكة عنكبوت وهندسته لمدن سحابية وإعادة امتلاكه للجو عن طريق مشروع الأيروسين Aerocene، وهو مشروع يشمل التخصصات التي تعرض الاستكشاف الفني والعلمي للقضايا البيئية، ويهدف إلى إعادة التفكير شعريا وبطريقة مشتركة في الكيفية التي نقيم بها في العالم، بالاستفادة من الأشكال الحاضرة في شسوع النظام البيئي للكون.

والمعلوم أن أعمال توماس سراسينو هي ثمرة تضافر جهود عدة أطراف، وكان قد جمع بمناسبة هذه التظاهرة عددا ممّن اعتاد التعامل معهم من أعضاء في مؤسسات علمية أو مجموعات بحث وناشطين، وهيئات محلية، وموسيقيين وفلاسفة، إضافة إلى الزوار، للمشاركة في وضع تصور لـ”ائتلاف كوني”، ومساندة ثقافة تضامن، متصلة في ما بينها بشكل يسمح بخلق خطابات وأنماط عيش جديدة كأجوبة ممكنة على التحديات الشاملة التي يطرحها الأنتروبوسين Anthropocène.

توماس سراسينو تركزت أعماله على احترام البيئة، والدعوة إلى النظر إليها نظرة مغايرة

والأنتروبوسين مصطلح اقترحه بول كروتزن الفائز بجائزة نوبل للكيمياء عام 2002، ويستعمل للدلالة على عصر جيولوجي جديد، متأت من أفعال الإنسان ضد البيئة العالمية كضياع التنوع الحيوي، والتغير المناخي، وتعرية الأراضي..

وقد رافق الافتتاح بعث ورشات، وأعمال رتيلاء، وارتجالات حولت “قصر طوكيو” إلى مكان تتبدى فيه ممارسات إيكولوجية جديدة، وتشكيلات متكاملة، وتشابك ذبذبات بين الكائنات.

ونلمس ذلك مثلا في “مجرات” التي تشغل فضاء العرض بشكل يجعل الزوار يتلمسون سبيلهم وسط الكبلات كأنهم يجتازون طريقا محفوفا بالحواجز، وكذلك في “بيت العنكبوت” تلك الشبكة العملاقة التي توهم من يقربها بأنه واقع لا محالة بين خيوطها، وكلها دعوة إلى تغيير نظرتنا إلى الظواهر الطبيعية.رؤية العالم من زاوية جديدة، والدخول في ثوب كائن حي آخر، والإحساس بالبيئة من حولنا، تلك هي الحالات التي يروم الفن المعاصر أن نغوص فيها، وقد كانت مساحة “قصر طوكيو” (ثلاثة عشر ألف متر مربع) ملائمة لتوماس سراسينو كي يستغل “حريته المطلقة” كما يهوى، ويمضي بها إلى منتهاها، من خلال أنصاب عملاقة تبهر الزائرين وتثير أحاسيسهم، ذلك أن الفنان الأرجنتيني ماهر في التلاعب بالأشياء، صغيرة كانت أم كبيرة، ليشد انتباه الزائر ويؤنسه بالفن البيئي، كأن يملأ غرفة كاملة بشبكة عنكبوت عملاقة، أو يضخم قطرات ماء إلى حدود خيالية ليجعلها تنسكب على عنكبوت.

والغاية كما بينت مفوضة المعرض ريبيكا لامارش فاديل حمل الزائر على تغيير زاوية النظر، والوقوف من ناحية ما هو مَيْكروسْكوبيّ، فالكائن البالغ الصغر إذا ما نظرنا إليه كغشاء تتجمع الأنواع والحركات والأصوات، سواء في سلم صغير أو كبير، يصبح كونيا، واللاشيء متصلا بالكل، ما يزيد الأحاسيس ويضاعفها، وهي طريقة شاعرية لجعل الكائنات كلها في حالة تناسق وتنافذ.

وصفوة القول إن توماس سراسينو تركزت أعماله على احترام البيئة، والدعوة إلى النظر إليها نظرة مغايرة، قد يبدو تفكيره طوباويا نوعا ما، ولكنه ينجح دائما في جمع كل العناصر الممكنة ليشكل أثرا فنيا حقيقيا، يخيل لمن يراه في بدايته أنه غير قابل للتجسيد.

ولئن كانت أعماله سلسلة تمجيد للطبيعة، فإن تأملاته تتركز أساسا على نمط الحياة في المدن، والكيفية التي يمكن أن تصاغ بها بشكل مختلف، لذلك دعته المنظمة اللندنية “محفّز الفنون” The Arts Catalyst، التي أوصتها به الوكالة الفضائية الأوروبية للنظر في إمكانية استعمال المحطة الفضائية الدولية لأغراض ثقافية، وقد اتفق معها على مشروع تربوي لفهم العالم ومجرياته.

16