توماس مودلي.. قائد قوات ما وراء البحار الأميركية وكبح جماح إيران

أي مهمّات للجيش العظيم بعد تكبيل يدي ترامب ومنعه من خوض حرب ضدّ إيران.
السبت 2020/01/11
فهم عميق لاستراتيجيات النظام الإيراني

رغم تصويت مجلس النواب الأميركي، الخميس الماضي، بالموافقة على قرار يهدف إلى تقييد قدرة الرئيس دونالد ترامب على شن عمل عسكري ضد إيران دون موافقة الكونغرس، إلا أن صدى كلمات ترامب التي علق بها على التوتر العسكري المندلع ما بين الولايات المتحدة ودولة الملالي، في الأيام الأخيرة، ما يزال يتردد هنا في العاصمة واشنطن.

“لن أسمح لإيران بامتلاك سلاح نووي طالما أنا في موقع رئاسة الولايات المتحدة الأميركية”؛ كانت تلك هي الجملة الافتتاحية لخطاب ترامب التي توجّه به إلى الشعب الأميركي وإيران والعالم إثر الضربات المحدودة التي شنتها إيران على قاعدة الأسد الأميركية في العراق كرد انتقامي على قيام الجيش الأميركي بقتل قاسم سليماني، رجلها الثاني في السلطة، وصاحب ملف ميليشياتها العابرة للحدود. وكان الرئيس ترامب يقف في البيت الأبيض محاطا بكبار جنرالات الجيش الأميركي وأفراد إدارته في البيت الأبيض.

وإثر مقتل سليماني، قائد “فيلق القدس” التابع للحرس الثوري الإيراني، إلى جانب عدد من المسؤولين العسكريين الإيرانيين وشخصيات موالية لإيران في العراق، وفي مقدمتهم، أبومهدي المهندس، نائب رئيس هيئة “الحشد الشعبي”، بهجمة أميركية نوعية ودقيقة بطائرة درون مسيرة عن بعد على السيارتين اللتين كانتا تقلهم مغادرين مطار بغداد الأسبوع الماضي، قام البنتاغون باستنفار قواعده في منطقة الشرق الأوسط، وكذا بتعزيز قواته البحرية في مضيق هرمز، استعداداً لأيّ رد فعل إيراني على القوات الأميركية في المنطقة.

قائد البحرية

وسط هذه الأجواء الصاخبة يبرز اسم توماس بي مودلي الذي تسلم منصبه وزيراً للبحرية قبيل أيام فقط من تلك الضربة الأميركية، كوزير قائم بالأعمال إلى حين تثبيته. والقوات البحرية التي يقودها مودلي الآن هي واحدة من فروع القوات المسلحة للولايات المتحدة، وهي المسؤولة عن العمليات العسكرية البحرية. وتصنف في المرتبة الأولى في العالم كأكبر بحرية وأقواها وأكثرها تقدماً بالعتاد والعديد.

يبلغ عدد العاملين في البحرية الأميركية ممن هم على رأس عملهم ما يزيد على 340 ألف موظف، بينما يصل عدد الاحتياطي إلى أكثر من 128 ألف عنصر احتياطي. وتتوفر في خدمة البحرية 278 سفينة وما يزيد على 4 آلاف طائرة. ومن مميزات تلك القوات أنها الوحيدة في العالم التي يمكن أن تهبط طائراتها على سطح حاملات الطائرات ليلاً، والوحيدة التي تستطيع قيادة وتوجيه طائرتين في الوقت نفسه.

تمتلك قوات مودلي حضوراً عسكرياً عالمياً واسعاً ما وراء البحار، في شرق آسيا والبحر الأبيض المتوسط والشرق الأوسط بعامة، وهي مهيّأة للاستجابة السريعة للأزمات الإقليمية في حالتي الحرب والسلم في آن، ما يجعل فعاليتها عالية في السياسات الدفاعية للولايات المتحدة خارج حدودها. وتتم إدارتها من قبل إدارة البحرية المركزية التي يرأسها شخص مدني.

هاجس مضيق هرمز

القوات التي يترأسها مودلي تصنف في المرتبة الأولى في العالم كأكبر بحرية وأقواها وأكثرها تقدماً بالعتاد والعدد
القوات التي يترأسها مودلي تصنف في المرتبة الأولى في العالم كأكبر بحرية وأقواها وأكثرها تقدماً بالعتاد والعدد

فور تسلّمه منصبه، أدلى الوزير مودلي بتصريح قويّ مفاده أن إيران يمكن أن تقوم  بشن “أعمال استفزازية” في مضيق هرمز وأماكن أخرى في منطقة الشرق الأوسط في المستقبل القريب على الرغم من الهدوء النسبي الحالي.

وقد قال مودلي إنه “لا يوجد ما يشير إلى أن هناك تغيراً منتظراً في أداء القادة الإيرانيين بما يشي بأنهم سيتوقفون عما كانوا يفعلونه، إلا إذا تغير النظام هناك”.

تحوّلت منطقة الخليج بخاصة والشرق الأوسط بعامة في الأشهر الأخيرة إلى منطقة عالية التوتر، يغيب عنها الاستقرار بسبب الأداء الإيراني العدائي على دول الجوار وأمن المضائق الأهم في العالم كمضيق هرمز ومضيق باب المندب.

وقد دلت التحقيقات التي جرت حول العمليات الإرهابية، الصيف الماضي، على ناقلات النفط قبالة سواحل الإمارات، والهجوم الضخم على منشأتين نفطيتين على الأراضي السعودية في منطقة أرامكو، أن إيران متورطة في هذه الأعمال التخريبية العدوانية المزعزعة للسلم والأمن الإقليمي والدولي في آن.

وكانت وزارة الدفاع الأميركية قد أبدت استعداداً لدعم أمن المنطقة ومشاركة دولها في الدفاع ورد الهجمات الإيرانية على أراضيها ومجالها البحري السيادي. وأرسل البنتاغون لهذا الغرض ما يقترب من 14 ألف جندي أميركي إضافي على فترات متعاقبة إلى الشرق الأوسط، كما عزز البنتاغون تواجد تلك القوات بإرسال حاملة طائرات
إلى المنطقة.

مارست واشنطن المزيد من الضغوط الاقتصادية على إيران، أثقلتها بالضغط العسكري غير المسبوق الذي أدى إلى مقتل قيادات التدخل الميليشياوي الإيراني بدول المنطقة وعلى رأسهم سليماني والمهندس، ما دعا إيران للجوء إلى الصين وروسيا  لتنفيذ تدريبات بحرية مشتركة في المحيط الهندي وخليج عمان، ما حوّل المياه المحيطة بإيران إلى مركز للتوترات الدولية بالتوازي مع ممارسة الولايات المتحدة الضغوط الاستثنائية لتصفير مبيعات النفط الإيراني، وقطع علاقات طهران التجارية من خلال فرض عقوبات مشددة عليها.

مستقبل التصعيد

يتسم وضع خليج عمان بحساسية خاصة، إذ أنه يتصل بمضيق هرمز، الذي يمرّ عبره خُمس إمدادات النفط العالمية، والذي يتصل بدوره بالخليج. وعندما سئل مودلي عما إذا كان يتوقع من إيران أن تثير المزيد من الاضطراب في المنطقة في محاولة منها لإزاحة الضوء عن الاحتجاجات الشعبية التي تشهدها مدنها والتي وصلت مؤخراً إلى العاصمة طهران، قال مودلي “ليست لديّ معلومات كافية تشير إلى ذلك”.

المجتمع الإيراني يغلي، وينتفض، ويتداعى، مطالبا حكومته بوضع الخطط لتأمين الحياة المعيشية للمواطنين، ومحاربة الغلاء وارتفاع الأسعار الذي نتج عن العقوبات الأميركية المتصاعدة على حكومة الملالي في طهران، من أجل إرغامها على الانصياع إلى المعايير الدولية للتعامل مع الجوار خارج إطار العنف وإثارة الاضطرابات والتغول بواسطة وكلائها وميليشياتها العابرة للحدود.

وقد انقلبت المظاهرات المطلبية في إيران إلى حشود ترفع مطالب سياسية، ما استدعى قوات الباسيج إلى الرد بصورة عنيفة وغير مسبوقة على المتظاهرين العزّل، وكانت الحملة هي الأعنف منذ استيلاء الملالي على السلطة في إيران العام 1979، ووقع ضحيتها ما لا يقل عن 1500 ضحية مدنية خلال أسبوعين فقط.

هذا هو الوضع في الداخل الإيراني قبيل مقتل سليماني، وما تلاه بعد يومين من مقتله ورفاقه من الحشد الشعبي وأفراد الميليشيات الإيرانية، من انتقام الحرس الثوري الإيراني بإطلاق عشرة صواريخ بالستية من أراضيه نحو قاعدة الأسد الأميركية بالقرب من العاصمة بغداد.

قائد القوات البحرية الأميركية يرى أن الخطر الإيراني يتعاظم باطراد، وهو يقول إنه لا يوجد ما يشير إلى أن هناك "تغيراً منتظراً في أداء القادة الإيرانيين بما يشي بأنهم سيتوقفون عما كانوا يفعلونه، إلا إذا تغير النظام هناك"

لم يسفر القصف الإيراني الانتقامي عن وقوع أيّ إصابات أو قتلى أميركيين ولا عراقيين. وتسربت معلومات عن أن البنتاغون وكبار الضباط الأميركيين كانوا يراقبون عن كثب تحركات جرت في قواعد انطلاق الصواريخ الإيرانية ويتوقعون بل ويتخذون التدابير الحمائية اللازمة لوقاية جنودهم ومواطنيهم في القاعدة من الضربة.

وحين ظهر ترامب في اليوم التالي للهجوم  ليخاطب العالم كان واضحاً في قوله إنه و”بانتهائنا من سليماني فإننا نرسل رسالة للإرهابيين بأنكم لن تهددوا حياة الأميركيين، وسوف نفرض عقوبات مستمرة على إيران حتى تغير سلوكها، كما أن إيران هددت الأراضي السعودية باستهداف منشآتها بطائرة مسيّرة”.

بدأت إدارة الرئيس ترامب تدرك تماماً أن العقوبات الاقتصادية على إيران، مهما تعاظمت، لن تفي بالغرض لتكبح جماح إيران التوسعي وتحدّ من مساعيها لامتلاك السلاح النووي؛ وبالتالي لا بد من اللجوء إلى عمل استباقي عسكري لاسيما أن المعلومات الاستخبارية التي توفرت للإدارة الأميركية إثر الهجوم على السفارة الأميركية في بغداد من طرف الحشد الشعبي وأنصاره، أن طهران تخطط لهجمات أوسع وأكثر

إيلاماً للولايات المتحدة ومواطنيها ومصالحها في المنطقة، ومن هنا جاء القرار بقتل سليماني. وكان العديد من المسؤولين الإيرانيين قد أفصح عن نية إيران بتوجيه هجمات على الولايات المتحدة لإعطاء واشنطن درساً، حسب لغة التهديدات، وأن العقوبات الأميركية لن تمر بلا ثمن، وأن إيران لديها من الخيارات والإمكانات ما يسمح لها بالرد القاسي.

إيران ترصد مودلي

تركيز مودلي على مضيق هرمز يعود إلى تحول منطقة الخليج بخاصة والشرق الأوسط بعامة إلى منطقة عالية التوتر
تركيز مودلي على مضيق هرمز يعود إلى تحول منطقة الخليج بخاصة والشرق الأوسط بعامة إلى منطقة عالية التوتر

رد الفعل الإيراني على تعيين مودلي جاء سريعا، ليصف تصريحات مودلي بأنها نوع من “الهذيان” والذي أتى “كرد فعل أميركي على المناورات المشتركة التي تجريها إيران في المحيط الهندي مع الصين وروسيا”، وذلك حسب قناة العالم الإيرانية الناطقة باللغة العربية.

وجاء في الخبر الذي نشرته قناة العالم الإيرانية أن “ما جعل مودلي يهذي بهذه الشدة هو أن إيران ورغم أنف سيده ترامب، تمكنت من أن تكسر العزلة التي كانت تعتقد أميركا أنها فرضتها على إيران. وما زاد من هذيان الرجل أن المناورات التي تشهدها منطقة بحر عمان والمحيط الهندي، تمهّد لاحتمال ظهور تحالف عسكري بين قوى عظمى دولية وإقليمية”. ويضيف المحرر الإيراني في القناة إن “مسألة تغيير النظام الاسلامي في إيران حلم حوّله الشعب الايراني إلى كابوس ينغص حياة كل من دخل البيت الأبيض منذ أربعة عقود بعد أن قبره الشعب الإيراني وإلى الأبد”.

ومن نافل القول إن المفترقات بين العاصمتين، واشنطن وطهران، لا تنحصر في الاتفاق النووي، وإنما تمتد إلى الملفات الأخرى على غرار التدخلات الإقليمية، ودعم الإرهاب العابر للحدود، وبرنامج الصواريخ الباليستية، والنشاط النووي العسكري، إلى جانب قمع الحريات وانتهاكات حقوق الإنسان، وهي ملفات يضطلع بها الحرس الثوري مستعملاً كل أشكال البطش والإرهاب والعنف المؤدلج.

12