توم هانكس جنرال وكاتب سيناريو

فيلم "غراي هاوند" كرّس البطولة الفردية والكاريزما والمظهر الحربي لتوم هانكس بما يصعب تجاهل حضوره في البناء الدرامي.
الأحد 2020/07/26
جنرال يخوض مهمة معقدة للغاية

أعدت الكثير من الأفلام عن الحرب العالمية الثانية، أفلام تصور المواجهة بين متخاصميْن وتنتهي بانتصار أحدهما، فتظهره في مظهر البطل المنتصر الإنساني. جل الأفلام عن هذه الحرب تتغير بتغير الأمكنة، فأفلام الحرب على الأرض مختلفة عن غيرها في السماء وبين الطائرات، وكذلك عن تلك التي تجري في عباب البحر بين الغواصات والسفن وطواقم كل منها. هذه الأخيرة تكرس لشخصية القبطان القائد الذي يتبعه الجميع، والذي ينتهي إما بالانتصار وإما بالهزيمة.

تعود يوميّات الحرب العالمية الثانية إلى السينما مجدّدا وكالمعتاد في قصص متوالية لا تريد أن تنتهي وفي كلّ مرّة هنالك مقاربة مختلفة، وهنالك قصة تروى عن واقعة من وقائع تلك الحرب الكونية الدامية.

وإذا كنا قد شاهدنا الكثير من تلك الوقائع على الأرض وفي السماء من خلال الجنود وسلاح الطيران، فإن البحر هو الآخر صار مسرحا مهمّا من مسارح تلك المواجهات القاتلة. وإذا عدنا قليلا بذاكرتنا إلى الوراء فكما شهدنا أفلاما جسّدت الصراع على الأرض أو في السماء فكذلك هنالك العديد من الأفلام التي صوّرت في عرض البحر.

في فيلم “غراي هاوند” للمخرج آرون شنايدر والمأخوذ عن كتاب للمؤلف سي.أس فوريستر تحت عنوان شيفرد الجيد، سوف يتوّج الممثل توم هانكس بوصفه الجنرال إيرنست كراوس قائد الحملة البحرية والأسطول الأميركي، وبوصفه من جهة أخرى كاتبا للسيناريو ضمن تجربته السابعة في الكتابة للشاشة، مقابل أكثر من 40 فيلما ظهر فيها ممثلا منذ بداياته في مطلع الثمانينات.

ولعل السؤال الذي يطرح قبل المواجهة المرتقبة أننا إذا كنا على اليابسة أو في السماء سوف يظهر العدوّان أو الخصمان وهما يخوضان الصراع الذي ينتهي بموت أحدهما وانتصار الآخر، فماذا عن الصراع على سطح الماء؟

فيلم "غراي هاوند" استعراضات للبطولة في عرض البحر
فيلم "غراي هاوند" استعراضات للبطولة في عرض البحر

يستيقظ الجنرال وفي لقطة قريبة وهو داخل السفينة الحربية، لننتقل معه في استذكار للماضي لملاقاة حبيبته قبل عام، اللقاء وبناء المشاهد لا جديد فيهما بل هما عاديان تماما ولو افترضنا أنه تم حذفهما من الفيلم برمّته فلن يؤثّر في شيء سوى أن حبيبة الجنرال لا تملك غير الدعاء له وإهداءه خفّين يلبسهما وقت الاستراحة، فيما هي ترفض الانضمام إليه وطلبها للزواج.

ما عدا ذلك فلا حياة اجتماعية للجنرال ولا نفهم من سيرته هو أنه ليس محظوظا في الترقية وأنه إنسان مؤمن يردد عبارات الإنجيل منذ الصباح ومع كل وجبة طعام.

الجنرال المتدين سوف يمضي الزمن الفيلمي وهو في حالة من الانشداد والقلق لأن الأحداث تتوالى ولا يستطيع التقاط أنفاسه فلا يكاد يخرج من فخ بحري نازي حتى يقع في التالي، وفيما تكون مهمته معقدة للغاية، فهو يقود عدة سفن وبوارج حربية ومئات الجنود وعليه أيضا تأمين طريق للسفن الحربية.

كنا قد شاهدنا من قبل أفلاما كان البحر ميدانها وكانت الحرب العالمية الثانية موضوعها ومن ذلك فيلم حركة في شمال الأطلسي الذي يُعدّ من بواكير الأفلام التي عالجت ثيمة الصراع البحري إبّان تلك الحرب، وأخرجه المخرج الرائد رؤول والش بالإضافة إلى مخرجيْن آخرين وأنتج الفيلم بالأبيض والأسود في العام 1943، وكان من بطولة الممثل الشهير همفري بوغارت. ثم يأتي فيلم “رحلة عودة طويلة إلى البيت” من إخراج جون فورد وبطولة جون واين وفيلم “ذئاب البحر” وهو من إخراج أندرو مكلاغين وتمثيل نخبة من ألمع الممثلين غريغوري بيك وروجر مور وديفيد نيفين وأفلام أخرى عديدة. الأمر الذي يمكننا الانطلاق منه لعرض هذه الأمثلة الفيلمية وغيرها في ما يتعلق بخواص هذا النوع الفيلمي، والشكلية المتكرّرة في عرض الأحداث لجهة رصد سفن وبوارج وغواصات الأعداء والمعارك البحرية وتفاني طواقم البحار واستبسالهم، ثم ومن خلال ذلك تمجيد المبادرة الفردية وصولا إلى تقديم البطل الاستثنائي أو السوبر هيرو.

في هذا الفيلم يتجه الممثل توم هنكس إلى كتابة السيناريو وهو يعلم أن أمامه إرثا سينمائيا ضخما اشتغل على الثيمة نفسها مما يفرض عليه أن يحاول الخروج عن النمطية السائدة في الفيلم الحربي – البحري المعتاد، فهل نجح في ذلك؟

أسلوب اليوميات

صراع على سطح الماء
صراع على سطح الماء

لا شك أن التحدّي الرئيسي كان تحدّي الإخراج والكيفية التي بإمكان المخرج شنايدر أن يخرج بها من فيلم ذي إنتاجية ضخمة تزيد على 50 مليون دولار ومن خلال ائتلاف من قرابة سبع شركات إنتاج عالمية في صدارتها سوني وتوزيع أبل تي.في بلاس وفريق عمل عالي الاحتراف، لا شك أنه تحدّ كبير. صيغ السيناريو والمعالجة السينمائية بشكل يقارب شكل اليوميات، أي يوميات بارجة حربية وقائدها الذي هو قائد الأسطول في مواجهة الغواصات والبوارج والطوربيدات النازية لكن على أساس العد الزمني التنازلي للتاريخ الذي سوف يتحقق فيه الدعم الجوي، وخلال ذلك وإلى حين الوصول إلى تلك المرحلة لا بد من خوض المحيط الأطلسي وصولا إلى بحر الشمال فالموانئ البريطانية.

على هذا شاهدنا أن في كل تحوّل زماني كانت هنالك مواجهة، وكانت هنالك غواصة تُكتشف أو طوربيد أو غير ذلك وغالبا ما كان القبطان كراوس وفريقه ومساعدوه يؤخذون على حين غرّة حيث يكتشفون أن العدو يزحف أو يعوم من تحتهم أو بالقرب منهم من دون أن يشعروا وهنا تظهر مهارات كراوس في الالتفاف والمناورة والتفلّت من الإصابة وصولا إلى النجاة.

كانت كل مواجهة مفاجئة بمثابة حبكة ثانوية، أو هكذا أريد لها من أجل تصعيد الدراما فكلما حاول القبطان التقاط أنفاسه تمت المناداة عليه بوجود خطر محدق جديد وهكذا تتوالى تلك الدراما.

لكن في المقابل لم تكن تلك الانتقالات والمواجهات الجديدة مع سفن العدو وغواصاته لتكتسب شكل الحبكة الثانوية وقوّتها، ولهذا وجد المخرج في إظهار التواريخ بشكل متتابع بين حين وآخر حلا مناسبا لكي لا يبقى الفيلم أسير حبكات مفقودة أو في أحسن الأحوال حبكات لا تمتلك من عناصر القوة والتأثير المباشر ما يصعّد الدراما.

وكما ذكرنا من قبل فإن أسلوب اليوميات التي تسبق سيطرة الطيران كان هو الحل الأمثل في نظر المخرج لغرض تلافي الثغرات في البناء الدرامي ذلك أن المواجهة تظهر للمشاهد من طرف واحد ومن وجهة نظر واحدة وهي وجهة نظر القبطان وبالتالي وجهة نظر القيادة البحرية الأميركية، بينما لا يظهر شخص من الطرف الآخر أي من الخصم النازي وتلك إشكالية أخرى ليس مبررا لماذا تم التغاضي عنها. وإذا انتقلنا إلى البناء المكاني فالملاحظ أن الأحداث مجتمعة تقع في نطاق حيز مكاني رئيسي ألا وهو البارجة الحربية الأميركية، التي يقودها القبطان، ومن خلفه قطع حربية أخرى تتبع له وتستند إلى أوامره، وكثير منها سوف يصاب من طرف الألمان ويغرق.

الحاصل أن الأحداث الرئيسية تقع في نطاق ذلك الحيز المكاني وفي أجزائه ومنها جناح القبطان وكابينة القيادة وغرف الرصد والتنصت والسونار والرادار ومناطق الرمي، وهكذا صرنا ننتقل ما بين هذه الوحدات المكانية لا أكثر.

في المقابل تم إظهار الغواصات النازية والطوربيدات وهي تشق طريقها وسط البحار لكي تصيب أهدافها ثم لتصاب بواسطة الهجمات التي تشنها البحرية الأميركية بقيادة القبطان.

ولغرض الخروج على نمطية المكان الواحد كما ذكرنا لجأ المخرج إلى استخدام القدرات الصورية إلى أقصى حد ممكن لجهة القطع المونتاجي السريع واللقطات القريبة والزوايا المتنوعة التي جعل لها إيقاعا مرتبطا بما سوف تؤول إليه كل مواجهة من خلال تجذير الإيقاع السريع واللحظي، إذ في كل مرة كان القبطان في مواجهة كان الاشتغال على التنويع الصوري على أشده، بما في ذلك الوصول إلى حافة الهاوية في كل مرحلة من مراحل المواجهة ثم وقوع انفراج ما.

في موازاة ذلك كانت هنالك مهارة أخرى تتعلق بالصوت وخاصة الموسيقى التصويرية التي برع فيها بليك نيلي، وهو الذي سبق وأن أنجز الموسيقى التصويرية للعديد من الأفلام زادت على الثلاثين فيلما، وهنا استخدم الموسيقى التصويرية المتسارعة والتوزيع الأوركسترالي بشكل ناجح وأعاد هيبة وقوة وحضور موسيقى الملاحم والمواجهات الكبرى وحيث تكون الموسيقى هي الشاهد على جميع تلك التحولات.

توم هانكس

 تمجيد لقدرات وبطولات هانكس الفردية
 تمجيد لقدرات وبطولات هانكس الفردية

أما على صعيد الشخصيات فقد بدا واضحا أن هذا الفيلم قد كُتب خصيصا لصالح توم هانكس من أجل تمجيد قدراته وبطولاته الفردية، أي إنه هو الذي كتبه لنفسه، ولهذا بدا واضحا التسيد الذي منحه لنفسه أمام تضاؤل أو لنقل محدودية قدرات الآخرين، ولعل من أبسط ما يلفت النظر هو عدم وجود اسم كبير من وزن توم هانكس لكي يكون مكافئا له في هذه المواجهة سواء من جهة كونه خصما فعليا أو من جهة كونه ضمن فريقه ولكنه ندّ له، كل ذلك لم يتم إعطاؤه أهمية تذكر وهي ثغرة واضحة من دون شك في المسار الدرامي للفيلم.

وأما من جهة توم هانكس، الممثل المخضرم وغزير الأعمال حيث إن رصيده يمتد منذ ثمانينات القرن الماضي بما يزيد على أربعين فيلما، فإن تقييمه يتباين وجمهوره لا يتفق على جميع أدواره، فثمة أدوار له بمجرد أن تنتهي من مشاهدة الفيلم سوف تنساها وتنسى دور هانكس فيها، لكنه في هذه المرة كرّس البطولة الفردية والكاريزما والمظهر الحربي بما يصعب تجاهل حضوره مع أن دراما الفيلم ضمن فصيلة النوع الحربي – البحري لا تحمل استثناءات مهمة وذات تميز خاص رغم المجهود الكبير الذي بذل في إنتاج الفيلم.

والملاحظ في الفيلم هو التركيز على الوجوه الشابة تماما والتي لم يألفها المشاهد من قبل بما فيه الكفاية وهم المساعدون المحيطون بالقبطان ومسؤول الرصد والرادار وغيرهم من الشخصيات التي بدت وكأنها في صيغة التلاميذ أمام أستاذهم وكلّ منهم يشعر بذلك ومطالب بأن يؤدي ما عليه وينصرف وصولا إلى لحظة الانتصار الجماعي.

ولأننا بصدد يوميات هذا القبطان الشجاع وفريقه فإننا نحتاج إلى التعرف عليه عن قرب أكثر، فليس كافيا أنه متديّن ويردد كلمة آمين في كل وجبة طعام ولكن لا بد من تفاصيل أخرى تتعلق بجذور الشخصية وخلفياتها ولهذا لم يجد كاتب السيناريو سوى إحالتنا على بضعة مشاهد فلاش باك سوف يتم الزج بها في ذهن القبطان ومنها مثلا لقاؤه الوحيد مع صديقته التي تدعو له بالنجاح في مهمته قبل انطلاقه لمهمة قيادة الأسطول ورفضها الالتحاق به وهو ما طلبه منها بشكل مباشر مع بداية الفيلم.

تقديم البطل الاستثنائي أو السوبر هيرو
تقديم البطل الاستثنائي أو السوبر هيرو

 

15