تونسة حركة النهضة هل هي قطيعة بين المرشد والشيخ

لا يمكن الحديث عن تَونسة حركة النهضة دون الحديث عن فك الارتباط بين المرشد والشيخ، أي فك الارتباط بين إسلاميي تونس والتنظيم الدولي للإخوان المسلمين وهو ما تحاول النهضة إقناع التونسيين به، عبر انتهاج سياسة براغماتية لإعادة التموقع في المشهد السياسي.
السبت 2015/11/07
راشد الغنوشي بين الانضباط الإخواني وإكراهات الواقع السياسي

تونس – دفعت أزمة نداء تونس حركة النهضة الإسلامية إلى البروز بقوة في الساحة السياسية حيث استغل قادتها الخلافات المتصاعدة والانقسام الحاد للحزب الأغلبي لطرح الحركة كبديل، وقد أكد راشد الغنوشي، أمس الجمعة، أن النهضة التي قادت الحكم بعد الثورة تراجعت لصالح المشروع الديمقراطي، وأصبحت اليوم جزءًا من حكم يقوده النداء.

وتشير كل المعطيات الراهنة إلى أن الخلافات المتصاعدة بين قادة حزب نداء تونس القائد للائتلاف الحكومي وصلت إلى مرحلة اللاعودة وهو ما يعزز حظوظ حركة النهضة في إعادة كسب ثقة شقّ واسع من التونسيين ممن اتضح لهم اتجارها بالدين ومحاولتها ضرب مكتسباتهم الحقوقية.

النهضة هي المستفيد الوحيد من هذه الخلافات رغم ما تعانيه هي الأخرى من تصدّع داخلي بسبب تحالفها مع النداء، لكنها نجحت إلى حدّ ما في ترميمه بإقناع قواعدها الغاضبة وقادتها الراديكاليين بأن خصمها في تقهقر ملحوظ بسبب الأزمة بين الأمين العام محسن مرزوق ونجل الرئيس التونسي حافظ قائد السبسي.

هذا الإقرار بأن حركة النهضة “تراجعت لصالح الديمقراطية” يأتي ضمن التسويق لما يُسمى “تونسة” الحركة الإسلامية المرتبطة بالتنظيم الدولي للإخوان المسلمين. والتونسة تقوم أساسا على فك الارتباط بالأجندات الخارجية.

يشار إلى أنه بعد تصنيف بعض دول الخليج للإخوان جماعة إرهابية (الإمارات والسعودية) سارع راشد الغنوشي بنفي ارتباط حزبه التنظيمي بالإخوان مؤكدا أن النهضة “حزب تونسي يعمل ضمن قانون الأحزاب في تونس ويعمل وفق ما تمليه عليه مؤسساته ولا يتبع أحدا خارج البلاد”، مضيفا “أنا رئيس النهضة المنتخب ولست رئيس أي حزب أو تنظيم خارج بلادي، والإخوان في مصر لهم حزبهم وتنظيمهم المستقل عنا”.

وتساءل مراقبون عن مدى مصداقية هذه التصريحات المتعلقة بفك الارتباط بين إسلاميي تونس والتنظيم الدولي للإخوان وعمّا إذا كانت مناورة سياسية يتّبعها حزب النهضة للتموقع في المشهد السياسي أم هو خيار استراتيجي فرضته التحولات الإقليمية والدولية حيث أصبح تنظيم الإخوان محل ملاحقة من قبل دول عربية وأوروبية.

تنكر الغنوشي الضمني للإخوان مردّه خوفه من تكرار السيناريو المصري، وقد مكّن خروج حركة النهضة الآمن من الحكم بعد موجة الاتهامات التي طالتها إثر اغتيال المناضل البارز محمد البراهمي وقبله المناضل اليساري شكري بلعيد، الحفاظ على موقع هام في الخارطة الحزبية.

وعلى عكس إخوان مصر الذين انتهجوا سياسة راديكالية في التعاطي مع السلطة وهو ما قُوبل بالرفض فعُزل التنظيم، اتّبعت حركة النهضة سياسة المواربة حيث وافقت على ترجيح كفّة الشرعية التوافقية على حساب الشرعية الانتخابية لإعادة إدماج الحركة الإسلامية وكسب ثقة الناخبين وهو ما مكّنها فعلا من احتلال المرتبة الثانية في الانتخابات التشريعية الأخيرة.

وتعود العلاقة التنظيمية والفكرية بين حركة النهضة التونسية وجماعة الإخوان في مصر إلى سنوات عديدة، حين كانت تسمى الجماعة الإسلامية في أواخر الستينات. وبعد أن أقرّ المؤتمر الثاني للحركة تغيير الاسم ليصبح “الاتجاه الإسلامي” وتعرضها للتضييق في الثمانينات، انخرط راشد الغنوشي كعضو ناشط في تنظيم الإخوان المسلمين بعد تأسيسه رسميا على يد المرشد الخامس للجماعة مصطفى مشهور.

يذكر أن عبدالكريم مطيع الحمداوي، مؤسس الحركة الإسلامية بالمغرب، قدّم شهادة أكد فيها أن الغنوشي اضطلع بدور جوهري لصالح التنظيم حيث اتهمه في مقال نشرته يومية هسبريس “بالعمل على اختراق الحركة الإسلامية في المغرب بتكليف من جماعة الإخوان المسلمين نهاية السبعينات، من القرن الماضي والتجسس لفائدة التنظيم العالمي للجماعة”. وقال الحمداوي “إن جماعة الإخوان المسلمين كانت ترسل الغنوشي في رحلات تفقدية من أجل استجلاء الأوضاع بكل من الجزائر والمغرب، واقتراح الحلول والخطط الخاصة بالتعرف على الفصائل الإسلامية القائمة بها ومحاولة استقطابها”.

وكشف الغنوشي عن العلاقة الأدبية بين الإخوان وإسلاميي تونس ففي إحدى مقالاته بعنوان “العناصر الفكرية المكونة للحركة الإسلامية بتونس” أكد على أن “التدين السلفي الإخواني وخاصة الفكر السياسي والاجتماعي الإخواني القائم على تأكيد شمولية الإسلام، ومبدأ حاكمية الله سبحانه، ومبدأ العدالة الاجتماعية” تعد أهم مكونات التيار الإسلامي التونسي. أما في ما يخص العلاقة التنظيمية فتنفي قيادات النهضة وجود أي ارتباط تنظيمي بالإخوان، وتشدد على أن حركة النهضة حركة تونسية غير منبتّة.

وانتقد راشد الغنوشي في كتابه “من تجربة الحركة الإسلامية في تونس” المدونة الفكرية الإخوانية ومناهج التنظيم التي تغلّب العقائديّ على السياسيّ، وهذا النقد للفكر الإخواني بدأ إبّان الثورة الإيرانية التي كانت مناقضة في تصوراتها لأدبيات الإخوان.

وتعالت الأصوات المنادية بضرورة تونسة حركة النهضة وفك ارتباطها بالتنظيم الدولي للإخوان، وقد استجابت النهضة نسبيا لهذه الدعوات التي مثّلت نوعا من الضغط عليها وورقة رابحة لخصومها، وذلك بالتحالف مع العلمانيين والترويج لما يُسمى بـ”النموذج المعتدل للإسلام”، غير أن محللين سياسيين اعتبروا أن النهضة لم تقم حقا بمراجعات فكرية للتشبّع بالتربة التونسية والواقع التونسي والمسار الحداثي الذي تخوض غماره البلاد، باعتبار أن القطيعة بين المرشد والشيخ لم تحصل، فالإكراهات السياسية هي التي فرضت على الحزب الإسلامي في تونس تغيير استراتيجيته الدفاعية للحفاظ على موقعه وليست المراجعات الفكرية والانخراط في عملية التونسة.

4