تونسيات يتحدين ظروفهن: لا حياة بلا عمل

فتيات تونسيات قضين سنوات طويلة على مقاعد الدراسة يكتبن أحلامهن في الدفاتر، وفي كل سنة تكبر أحلام الشابات بأن يصبحن مدرسات ومحاميات، لقد سهرن الليالي ونجحن، وعدن بشهادات جامعية فرح بها الأهل، ثم بدأت رحلة انتظار الوظيفة التي طالت، حتى أجبرتهن ظروف الحياة على العمل في مهن مهمشة ليحفظن ماء الوجه ويكسبن قوتهن بعرق جبينهن.
الخميس 2017/03/09
الأغنام لا تفهم الرياضيات

تونس - ربما ليس لديهن الوقت أو الإمكانيات لمتابعة احتفالات المرأة بعيدها في العالم، فكل أيامهن كد وعمل من أجل تأمين لقمة العيش التي أصبحت عسيرة بالنسبة إليهن، وهن اللاتي كابدن سنوات طويلة في التحصيل العلمي لعلهن يخرجن من دائرة الفقر التي كن يعشنها وهن صغيرات.

بعد سنوات من الدراسة والحلم، انتظرت شابات تونسيات طويلا الحصول على وظيفة تليق بقيمة ما حصلن عليه من علم وتعليم في اختصاصات متنوعة؛ علوم صحيحة وحقوق وعلوم إنسانية وأدب وفنون، لكن فرصهن تضاءلت ومطالب الحياة تجبرهن كل يوم على التنازل عن بعض من أحلامهن التي راودتهن طيلة فترة الطفولة والشباب.

أحلام منظفة

زينب 32 سنة درست اختصاص صيانة الأجهزة الطبية، هو اختصاص لم تكن تعرف عنه شيئا، لكنها وجدت نفسها مجبرة على الانخراط في دراسته، فعلاماتها في البكالوريا وظروفها الاجتماعية لم تسمح لها بدراسة الطب أو الصيدلة التي حلمت بهما كثيرا.

جامعيات يضعن شهاداتهن على الرف

بعد أن تحصلت على شهادتها الجامعية دقت أبواب مؤسسات عديدة، لكنها لم تحصل حتى على الوعود إلى أن توفي والدها الذي كان يؤمن القليل لعائلة تتكون من أم وثلاثة إخوة مازالوا على مقاعد الدراسة، فوجدت نفسها تبحث عن أي شغل إلى أن حصلت على مهنة تنظيف عمارة سكنية بأجر زهيد، لكنه يحفظ ماء الوجه.

تقول زينب التي بدت تجاعيد الأيام ترتسم على وجهها، لكنها مازالت صامدة أمام غوائل الدهر، “أعيش بأحلامي، فأنا لا أستطيع أن أواصل دون أمل بأن ينهي إخوتي دراستهم للحصول على وظائف محترمة تمكنهم من فتح بيوت وتكوين أسر، هذا الحلم الذي لم أحققه أنا، سأجعلهم يحققونه، لم يبق الكثير، كلها سنوات وأرتاح من التعب.. لي ثقة بأن إخوتي سيعوضونني عن أيام الشقاء.. هم يعدونني بذلك كل يوم، وإن لم يفعلوا، فمتعتي أن أراهم مرتاحين”.

قصص الخريجات من الجامعات التونسية كثيرة ومتنوعة رغم أنها تتشابه في الدوافع والظروف وعدم اهتمام الحكومات المتعاقبة على تونس منذ الثورة بهن لتوفير وظيفة تتلاءم مع تكوينهن الذي حصلن عليه طيلة سنوات على مقاعد الدراسة وفي مخابر التجارب.

على جانب الطريق الحزامية بمدينة القيروان تقف هدى الدلهومي داخل كوخها الصغير الذي لا يحميها من أشعة الشمس الحارقة في الصيف ولا من برد ورياح الشتاء، وبابتسامة لا تفارق وجهها تبيع هدى الخبز التقليدي وبعض الوجبات السريعة من جبن وبيض إلى المسافرين عبر الطريق.

هدى الدلهومي هي شابة تونسية في العقد الثالث من عمرها تحصلت على شهادة الماجستير في الحقوق غير أنها رفضت البقاء في البيت ورفضت البطالة وقررت النزول للعمل في بيع الخبز التقليدي حتى تحصل على قوت يومها وتساعد عائلتها.

هدى التي لم تجد وظيفة في مجال القانون والحقوق تقول، إنها تحترم كثيرا هذه المهنة وتعتبرها مشروعا كأي مشروع، مضيفة أنها اختارت هذه المهنة حتى لا تجد نفسها في حالة خصاصة، رافعة شعار الشقاء أفضل من الاحتياج، بل أصبحت تفكر في توسيع مشروعها الصغير هذا إلى مطعم بوسط المدينة.

لعل فرص العمل التي تتوفر لخريجات الجامعة في المدينة أفضل بكثير من اللاتي حصلن على شهاداتهن ورجعن إلى بلداتهن الصغيرة أو إلى أريافهن، فهناك لا مجال للاختيار، ولا يمكن لمن اختار عدم انتظار الحكومة بأن تجود عليه بوظيفة ضمن اختصاصه إلا أن يعمل بالقطاع الفلاحي، فهناك لا توجد فرص للعمل إلا في الزراعة أو رعي الأغنام.

ويبدو رعي الأغنام مهمة شاقة وعسيرة على الفتيات لما فيها من أخطار، إلا أن من تعلمت الصبر والمكابدة لإتمام الدراسة في ظروف قاسية لن تثنيها المخاطر عن العمل في رعي الأغنام حتى ولو كانت توفر المال القليل.

زينة الكعبي من محافظة زغوان أجبرتها الظروف على رعي الأغنام بعد أن تحصلت على شهادة جامعية في الرياضيات تقول، إن “المهنة شاقة ولا تخلو من صعوبات، ففي البرد نتحمل قساوة المناخ، وفي الصيف نعاني من ارتفاع درجات الحرارة، وعيشة البراري والتنقل في الجبال لا تخلو من مخاطر”.

وتضيف زينة “تخرجت في الجامعة منذ 2006 وفضلت عدم الانتظار، وبخاصة أنني أحب رعي الأغنام، وهي المهنة التي نشأت عليها، وترتزق منها عائلتي”.

يُذكر أن زينة كسبت تعاطف التونسيين، وقد أطلق البعض حملات عدة لمنحها لقب سيدة تونس الأولى، خصوصاً أنها مدرّسة لم تجد حرجا في رعي الأغنام، ولم تخجل من الحديث عن عملها الذي تحبّه وتجلّه.

زينة ليست وحدها من الشابات اللاتي حصلن على شهادة جامعية وتعمل في رعي الأغنام، فسمية قويسم حصلت على إجازة في التاريخ وأجبرتها الظروف على العمل في رعي الأغنام، فليس لها مورد رزق يجعلها تنتظر فرصة عمل في وظيفة نظيفة، ولها من الإخوة ثمانية منهم من هو عاطل عن العمل ومنهم من لا يزال يزاول دراسته.

تقول زينة إنها كابدت كثيرا لمواصلة دراستها في الجامعة، فهي التي خرجت من كوخ إلى الجامعة وجاهدت كثيرا لتعود بشهادتها وتعلقها في نفس الكوخ، هي اليوم تحكي قصص التاريخ لأغنامها التي تعيش معها منذ الفجر حتى غروب الشمس، في انتظار أن تحمل محفظتها وتتوجه إلى المدارس الثانوية للتدريس.

حاصلة على ماجستير في القانون اختارت بيع الخبز التقليدي حتى لا تجد نفسها في حالة خصاصة، رافعة شعار الشقاء أفضل من الاحتياج

مزارعات بفخر

بسواعدهن الناعمة اخترن العمل في الحقول دون التقيد بمستواهن التعليمي والبحث عن فرصة عمل قد يطول انتظارها.

جامعيات رفضن الركون إلى المنزل والبطالة، فلم تثنهن الشهادات في الفلسفة واللغات والعلوم عن امتهان عمل ارتبط بمعاني الشقاء والصبر مقابل أجر زهيد وحقوق مهضومة.

كان مقصها في يدها وسلتها تعتلي ظهرها في إحدى مزارع القوارص بمحافظة نابل، يشرئب رأسها إلى الأعلى وهي تجتهد في البحث عن حبات البرتقال المتخفية بين الأوراق لتقطفها.

أميرة الماجري التي لم يتعدّ عمرها 28 سنة متحصلة على شهادة جامعية في اللغة العربية لكنها قررت بعد أن طالت رحلة بحثها عن عمل، التوجه إلى الميدان الفلاحي كحل مؤقت يبعد عنها وعن عائلتها الفاقة والحاجة.

تتحدث أميرة عن تجربتها بابتسامة عريضة رغم سمات التعب البادية على قسمات وجهها الجميل، فتقول “إن العمل بالحقول مكنني من تحصيل قوتي وقوت عائلتي بعرق الجبين ومن فرصة الالتقاء بالآخرين. عملي هذا ليس عيبا أو عارا كما يراه البعض الذين خيروا البقاء مكتوفي الأيدي في انتظار عمل يتلاءم مع مستواهم الدراسي”.

عاملات منذ الصغر

من جانبها روت فاطمة بن ساسي المتحصلة على الأستاذية في التاريخ وقد جاوز عمرها 30 سنة، أنها تعودت النشاط الفلاحي منذ الصغر عندما كانت أمها تصطحبها إلى مزارع القوارص خلال العطل، مضيفة أن فترة انتظارها للحصول على عمل قار طالت أكثر من اللزوم وأن الحاجة الماسة إلى المال اضطرتها لتنصرف إلى العمل الفلاحي ومساعدة أبويها على أعباء المصاريف اليومية.

وذكرت أن عددا هاما من الطالبات اللائي ينتمين إلى مناطق فلاحية عادة ما يعملن خلال العطل الصيفية في الحقول لتوفير مصاريف العودة إلى الدراسة فعلاقتهن بالأرض والحقول بمثابة ارتباط روحي يذكرهن بأيام الطفولة الجميلة.

مهنة لا تدرس

موقف أيدته سارة العلاقي التي تقول إنها لم تنتظر فرصة للعمل بل اختارت الخروج من البيت وسلك أقرب طريق للحياة في انتظار أن يتحقق حلمها وهو الحصول على عمل قار يضمن حياة كريمة لها ولوالديها الطاعنين في السن.

وتقول سارة التي تحصلت منذ سنوات على الإجازة في اللغات التطبيقية إنها لم تفقد الأمل في تحقيق حلم العمل ضمن الاختصاص الذي درست به وهي تجد نفسها مكرهة على هذا العمل الشاق الذي يمتد لساعات طويلة ولا يلبي طموحاتها الكبيرة.

تقول صفاء الحكيري (29 سنة) “درست اللغة الإنكليزية وحصلت على شهادة الأستاذية منذ سنوات، لكن رحلتي في البحث عن عمل في اختصاصي طالت وطال معها تحقيق حلمي وإعالة والديّ الكبيرين في السن.. فقررت أن أعمل في الحقول كحل مؤقت يبعد عني وعن عائلتي شبح الفاقة والفقر”. وتضيف “العمل في الحقول حقق لي استقرارا نفسيا نسبيا ولا أرى أي عار أو عيب في أن تعمل فتاة جامعية في القطاع الفلاحي لتحفظ كرامتها وإعالة نفسها، بل بالعكس نحن نعمل ونتسلّى ونتكلم ونضحك وأحيانا نتكلم لغات أجنبية، والمهم أننا لم نيأس من الحياة”.

فاطمة محمدي (32 عاما) حاصلة على شهادة في الأدب الفرنسي من كلية الآداب بتونس العاصمة، تقول “تعودت على العمل في القطاع الفلاحي منذ دراستي الثانوية، فقد كنت أرافق والدتي إلى الحقول القريبة أعمل معها طيلة فترة الصيف لأحصل على بعض المال الذي أشتري به أدواتي المدرسية وبعض الملابس التي تشتهيها كل صبية.. وفي الجامعة كنت اعمل أيضا في موسم الصيف لأدخر بعض المال حتى يساعدني على مجابهة مصاريف السنة الدراسية”.

وتضيف “أدخلتني أمي إلى الجامعة بكدها وعرقها ومن ثم تخرجت. ولأن عملية إيجاد وظيفة في تونس تعد من المعجزات السبع قررت أن أجعل والدتي ترتاح وأعمل بدلاً منها، إلى حين يتحقق حلمي وحلمها في إيجاد وظيفة رسمية. وها أنا أتجول بين أشجار الليمون أشم رائحة الزهر المنعشة مقبلة على الحياة بكل أمل وحب. بدل الجلوس في المنزل أعد أيام الانتظار”.

هن كفاءات جامعية، لكنهن يضربن الأرض ويزرعن ويقطفن الثمار بأياد متورمة. وفي امتزاج الألم بالتعب ينبع من ذواتهن مع تنفس كل صبح وإشراقة شمس يوم جديد تفاؤل بأن هذه الأجساد المتعبة ستلقى خلاصا ذات غد أفضل.

20