تونسية تتخلى عن الوظيفة وتطلق مشروعا لتربية الحلزون

مشروع غير مألوف ولا يتطلب الكثير من الموارد المالية والبشرية، وقد لقي إقبالًا كبيرًا من أهم المطاعم والفنادق في تونس.
الثلاثاء 2019/12/03
كائن مطلوب للاستهلاك

يجد العديد من الشبان التونسيين ملاذهم في المشاريع الخاصة لتوفير مورد رزق يضمن لهم التخلص من البطالة التي تعطل مستقبل الكثير منهم، ويستعين أصحاب المبادرات الخاصة بما تتيحه الدولة من تكوين وتدريب متخصص يضمن لهم الحصول على المؤهلات التي تخول لهم دخول مجال العمل المستقل. ويظل حسن اختيار فكرة المشروع ومجال التخصص لمنتجات أو خدمات مطلوبة في السوق المحلية أو الدولية هو الضامن الأكبر للنجاح.

تونس - تحدّت الشابة التونسية هدى بن رمضان الكراي السائد في المجتمع التونسي واختارت تخصصا غير متداول كثيرا يتمثل في تربية الحلزون الرخوي، وأقامت مشروعها الخاص في العام 2014. الأمر لم يكن هيّنًا في البداية، حسب رأي بن رمضان، فمشروع كهذا غير مألوف لدى التونسيين، لأن أغلبهم اعتاد على تربية الأغنام والبقر والدواجن، وغيرها من الحيوانات الأليفة.

وبين الحقول الممتدة غرب العاصمة تونس، يجد الحلزون الرخوي الصغير ملاذه، فيقتات على أوراق الخس والسبانخ والقنارية (الخرشوف). وقد أثبتت العديد من البحوث العلمية فوائد الحلزون الغذائية والتجميلية التي لا تحصى، ولعل ذلك ما جعل هدى (39 عامًا) تُقبل على مشروع تربية الحلزون في تونس.

هدى بن رمضان الكراي: الأمر لم يكن هيّنا في البداية، لأن المشروع غير مألوف في تونس
هدى بن رمضان الكراي: الأمر لم يكن هيّنا في البداية، لأن المشروع غير مألوف في تونس

ولإطلاق مشروعها اختارت الشابة الحاصلة على شهادة جامعية في “الإلكترونيات”، إحدى قرى منطقة البَطّان، التابعة لمدينة الجديْدة من محافظة منوبة (غرب العاصمة).

وكانت هدى عملت طيلة اثنتي عشرة سنة في شركة خاصة للاتصالات في تونس، ثم قررت، خلال ثلاثة أيام، ترك عملها وراتبها المستقر، والاستقالة منه لإنجاز مشروعها الحالي الذي تطلب منها ثلاثة أشهر من التفكير، وتلقت دورة تدريبية تقدمها وزارة الفلاحة في مجال تربية الحلزون.

لكنها لم تتوقف عند هذا التدريب، وما زالت تتلقى دورات أخرى حتى تكون ملمّة أكثر بمجالات عديدة مفيدة لمشروعها غير المألوف في تونس.

وتقول هدى “منذ البداية كانت الفكرة الأساسية هي ألّا أنجز مشروعًا مألوفًا أو معروفًا أو موجودًا بكثرة في السوق، كتربية الدواجن والبقر وغيرها.. أردت أن يكون لي مشروع غير معهود… حتى أُعرف به أكثر”.

وأضافت “ومن بين الأسباب التي جعلتني أُقبل على مشروع تربية الحلزون هو أنه لا يتطلب مساحة كبيرة ولا عملة كثرا ولا مصاريف كثيرة”. وتابعت “وجدت أنّ الاستثمار في هذا المجال غير مكلف، ولن يتطلب الكثير من الموارد المالية والبشرية، حتى أنّه لن يخطر ببال أحد اليوم أن يسرق حلزونًا كما يحدث بكثرة مع المواشي والأبقار.. كما أن التدريب في تربية هذا الحيوان الصغير كان متاحًا”.

ورغم مرور خمس سنوات على إطلاق المشروع، ورغم الخبرة التي اكتسبتها، فإن المستثمرة الشابة تعتبر أنها لا تزال في بداياتها، ويرافقها طموح كبير في أن تعرّف أكثر بهذا المجال، وبأن يكبر المشروع أكثر.

وتؤكد هدى أن العديد من العراقيل والصعوبات اعترضت مشوارها وتتمثل أساسًا في غياب التعاون الإداري معها، كما أن التمويل لم يكن سهلًا خاصة في البداية، فجل المؤسسات البنكية ترفض أن تمول مشروعًا لا يبدو لها نجاحه مضمونا.

مزرعة خاصة
مزرعة خاصة

وتتحدث صاحبة مشروع تربية الحلزون موضحة “يوضع الحلزون في غرفة مغلقة يجد فيها كل الظروف الملائمة للتزاوج والتكاثر، ومن ثم يتم نقله إلى الطبيعة، فيبقى بين الزرع مدة ثمانية أشهر ليتغذى فيها على ما يتم غرسه خصيصًا له من خضروات ورقية، كالسلق والسبانخ والخس، ليكبر شيئًا فشيئًا، ويصبح حجمه صالحًا للبيع والاستهلاك”.

وتمتد المساحة التي خصصتها هدى لتربية الحلزون على هكتار واحد تنتج فيها ما بين 15 و20 طنًا في السّنة.

ويجد الحلزون، الذّي تربيه هدى، إقبالًا كبيرًا من أهم المطاعم والفنادق في تونس، كما تقبل عليه عائلات كثيرة لطبخه كطبق لذيذ مفيد صحّيا، لما يتمتع به من فوائد غذائية جمة.

وتبيع هدى العلبة الواحدة، المكونة من 12 حلزونًا جاهزة للطبخ، بعشرة دنانير تونسية (3.5 دولار أميركي)، بعد أن تضفي عليها نسوة يشتغلن معها لمساتهن من تنظيف وتحضير وإعداد البهارات اللازمة.

وقبل بيعه للمطاعم والفنادق، يتم استخراج مادة “لعاب الحلزون” الغنية “بالكولاجين وفيتامين E والإيلاستين”، وهي تستخدم لصنع مستحضرات طبية هامة، وأصبحت كنزًا ثمينًا للتجميل وللبشرة، بحسب هدى.

مشروع فريد من نوعه
مشروع فريد من نوعه

وتشتغل أبرز مصانع التجميل في العالم اليوم على تحويل المادة اللزجة (اللعاب)، التي يفرزها الحلزون، إلى مراهم تخلص الإنسان من آثار الجروح، وتقضي على عيوب البشرة بشكل أسرع، بجانب مستحضرات أخرى لتجميل البشرة وشدّها أكثر، والتخلص من البثور، وتنظيف الوجه من الأعماق.

يشار إلى أن الحلزون منتج مطلوب وحسبما أثبتت التحاليل والدراسات العلمية فإنه يعد مصدرًا لمنافع غذائية كبيرة، إذ يحتوي لحمه على نسبة من البروتين تتراوح بين 18.6 بالمئة و20.6 بالمئة، ونسبة معادن بين 1.3 بالمئة و1.4 بالمئة، كما يحتوي على نسب عالية من الحديد، المغنيسيوم، الكالسيوم، الفسفور والبوتاسيوم.

وأشادت هدى بقدرة المرأة التونسية على اقتحام جميع مجالات العمل، بل التميز فيها، مشددة على أن “أغلب نساء تونس يشتغلن في الفلاحة، وكلهن تحدّين الصعاب، وأبرزن جدارتهن في هذا المجال”.

20