تونس: آن أوان الخروج من "عنق الزجاجة"

السبت 2013/10/26

الاحتقان السياسي في تونس غير قابل للإخفاء بعبارات التوفيق والوفاق. فهذا الاحتقان ناجم عن أزمة حادة تجد أوضح تعبيراتها في سقوط رمزين سياسيين في عمليتي اغتيال لم تشهد البلاد مثيلا لهما من قبل. ومؤخرا بدأ سقوط عدد من رجال الشرطة والجنود في مواجهات مع جماعات سلفية متشددة. هذه الجماعات ظهرت بعد تولي النهضة الحكم، بما يدلل أن هذا الحزب الذي فاز في الانتخابات في ظروف استثنائية يتحمل مسؤولية ظهور هذه الجماعات، فقد وفّر لها بيئة وأشاع مناخا سمح لها بالظهور، وهاهو هذا الحزب ومعه الدولة والبلاد والعباد يدفعون ثمن أدلجة الحكم والتوجيه السياسي والسعي للإمساك بمفاصل الدولة وتطهيرها من غير الإسلاميين وإحلال إسلاميين محلهم.

ورغم أن الحركة السياسية المدنية عمدت إلى المرونة، وتخلت عمليا عن مطلب حل مجلس النواب واستبدلته بحل الحكومة وتشكيل حكومة إنقاذ غير حزبية، تشرف على مرحلة انتقالية يتم فيها وضع الدستور والقانون الانتخابي والتحضير للانتخابات، إلا أن حكومة علي العريض (وزير الداخلية في حكومة حمادي الجبالي السابقة) تسعى لكسب الوقت لإطالة عمرها من جهة، ولتمكينها من الإشراف على هذه الاستحقاقات وهي الحكومة التي توصف بأنها فئوية، وقد أخفقت في إشاعة الأمن وحل المعضلة الاقتصادية.

أجل ثمة وجه شبه أساسي بين الوضع في تونس، وذاك الوضع الذي كان قائما في مصر في عهد الدكتور محمد مرسي، وهو تنامي تذمر شعبي من ملامح حكم شمولي يقفز عن مبدأ المواطنة ومدنية الدولة في البلدين، والخشية من استبدال حزب سبق له أن سيطر على مفاصل الدولة وتحكّم في أقدار الناس، بحزب آخر ذي نزعة تسلطية وتحت يافطة الثورة وبذريعتها.

من الواضح أن استمرار وجود الحكومة الحالية لا يشجع على انطلاق الحوار الوطني، رغم نبرة التهدئة التي اتّسم خطاب رئيسها العريض. ذلك أن الحوار يتطلب بيئة سياسية مواتية، وعوامل تحفيز، وتنازلات فعلية من الحزب الحاكم باتجاه تشكيل حكومة وطنية غير حزبية وغير محسوبة على تيار بعينه حتى وإن ضمت فرقاء آخرين كحال الحكومة الحالية، بما يشيع أجواء الأمل بالعودة إلى التعددية بدلاً من الأحادية، التعددية التي تعكس واقع الشعب والمجتمع، وبما يقطع الطريق عمليا على بؤر التطرف التي اقترعت للنهضة في الانتخابات.

لم يكن ممكنا أن تنمو ظاهرة التطرف لولا البيئة «الفكرية» التي وفرتها النهضة، ولولا الممالأة التي لقيتها هذه الجماعات على مدى عشرين شهرا، بما سمح لها باستعراض قواها على مرأى من أعوان الدولة، وتهديد الجامعات ومقار الأحزاب والمراكز الثقافية وصولا إلى استهداف رموز سياسية. والآن فإن الدولة تشن عليها حملات دهم ومطاردة وتخوض معها مواجهات مسلحة كما في المواجهة الأخيرة في سيدي بوزيد الأربعاء الماضي 23 أكتوبر الجاري التي أسفرت عن استشهاد ثمانية من رجال الشرطة، بعد أن أخذت هذه الجماعات تنازع السلطة على النفوذ.

وما جرى هو بعض ثمرات الحصاد المر، لممالأة قوى لا تكتم عداءها للتعددية، واعتناقها خيار العنف والتهديد به واللجوء إليه. والنتيجة أن الدولة ذاتها باتت مهددة إلى جانب المجتمع، بما يعيد للأذهان الوقائع السوداء في جزائر التسعينات، وإن اختلفت الظروف والمقدمات في الحالين.

الخشية الآن أن يرتسم خطاب سياسي وإعلامي صريح أو مضمر، يقوم على تخيير التونسيين بين حكم النهضة القائم، وبين نفوذ الجماعات المتشددة. والإيحاء بما تحوزه النهضة من اعتدال ومرونة، مقارنة بتطرف الجماعات المسلحة. فذلك من شأنه إغلاق الأفق السياسي، والحؤول دون بناء عقد اجتماعي دستوري جديد، فالتونسيون ثاروا على استبداد الحكم السابق وفساده، ولم يثوروا على مدنية الدولة، التي تشكل مكسبا وطنيا تاريخيا صنعه التونسيون على مدى عقود، ولم يكن هبة من أحد، هذا دون تبخيس فضل رواد العمل الوطني والحركة الوطنية.

إن البقاء في الدائرة ذاتها من إطلاق الوعود والتعهدات من طرف الحكومة، والتي تقوم عمليا على التأجيل وترحيل الأزمة، سوف يؤدي إلى تأزيم متزايد، وإلى تآكل الثقة بالالتزام بخريطة الطريق التي قبلتها النهضة بعد تردد وممانعة، والبديل من ذلك هو ملاقاة التطلعات الشعبية التي تعبر عنها المنظمات الاجتماعية والنواب المقاطعون والاتحاد العام التونسي للشغل وغالبية الأحزاب والتيارات السياسية، التي تتجه إلى وضع دستور مدني وقانون انتخابي عصري يضمن أوسع تمثيل للتعددية الثقافية، ويكفل عدم هدر المكتسبات التي حققتها النساء وبلغها المجتمع، وإذ يتحدث سلفيون وسواهم عن الهوية فواقع الأمر أن هوية المجتمع والشعب مرتبطة بالتطور الذي أصاب المجتمع وبالتفاعل مع الخارج، وتندرج الاعتبارات الدينية والروحية ضمن هذه الهوية المتفتحة والمركبة، التي تضمن استقرار البلاد وتطورها، وسيادة القانون ونبذ العنف والفصل بين السلطات وإفساح المجال أمام التنافس السياسي الحر، وعدم تسخير المجال الديني لأغراض سياسية، أو ما هو أسوأ في تشريع النزاع الأهلي.

مازال هناك هامش من الوقت لتدارك الاحتقان السائد، ولمنح التونسيين الأمل بحاضرهم ومستقبلهم، وذلك بأن تقبل النهضة وجودها كحزب بين الأحزاب، وكطيف من الأطياف الاجتماعية والسياسية، لا أن تكون وليّ أمر الشعب والقيّمة على يومه وغده، والوارثة للحزب الدستوري المحلول، وأن تفسح المجال لائتلاف سياسي واجتماعي عريض وحقيقي، يعبر بالديار التونسية إلى بر الأمان، ويضع حداً لظاهرة التسلط على المجتمع والتهديد بإعادة هندسته وهيكلته، كما هو دأب الأنظمة الشمولية.


كاتب وإعلامي أردني

8