تونس.. أرض يمتزج فيها حج اليهود بشعائر رمضان

وزير السياحة التونسي روني الطرابلسي يشدّد على أنّ تزامن حجّ الغريبة مع شهر رمضان سيكون رسالة هامة للتّعايش السّلمي بين مختلف الدّيانات والأطياف في تونس.
الخميس 2019/05/09
مسلمون يشاركون اليهود احتفالاتهم الموسمية

يبدأ موسم حج اليهود إلى كنيس الغريبة بتونس هذا العام على غير العادة بالتزامن مع أفضل الأشهر وأكثرها قداسة لدى المسلمين. حدثان بارزان سيكوّنان ملمحا جميلا عن تعايش الأديان في تونس، خاصة وأن احتفالات اليهود ستحظى كالعادة باهتمام دولي متزايد.

تونس – تحتضن جزيرة جربة التونسية (جنوب شرق البلاد) من 19 إلى 26 مايو الاحتفالات السنوية في كنيس “الغريبة” اليهودي أحد أقدم المعابد اليهودية في العالم والذي يحج إليه اليهود من التونسيين أو من الخارج بالآلاف في كل عام.

ويتزامن حج اليهود إلى الغريبة في هذا العام مع شهر رمضان، ما سيجعل، وفق الملاحظين، من تونس خلال الأسابيع القادمة محط أنظار العالم وأرض تسامح تجتمع فيها شعائر المسلمين مع طقوس اليهود الذين يتوافدون من كل أصقاع العالم في كل عام على البلاد لإحياء طقوسهم الدينية ومن بينها إشعال الشموع وكتابة الأماني على قشور البيض ووضعها في قبو المعبد وشرب نبيذ “البوخا” المستخرج من ثمار التين.

حج اليهود في رمضان

في هذا الصدد، أكد وزير السياحة والصناعة التقليدية روني الطرابلسي (تونسي يهودي) خلال ندوة صحافية سعي سلطة الإشراف لإزاحة كل العراقيل التي تحول دون جعل تونس منارة للسياحة العالمية وأرضا لتحابب الأديان.

وأوضح بخصوص الزيارة السنوية لمعبد الغريبة اليهودي بجربة أنه من المتوقع أن يشارك فيها هذا العام نحو 7 آلاف زائر من مختلف أنحاء العالم من ضمنهم شخصيات سياسية وثقافية ودينية.

روني الطرابلسي: 7 آلاف يهودي سيتوافدون على الغريبة في رمضان
روني الطرابلسي: 7 آلاف يهودي سيتوافدون على الغريبة في رمضان

وأضاف الطرابلسي أنّ جميع نزل جزيرة جربة تمّ حجزها من طرف السّياح القادمين وخاصة من الوافدين إلى معبد الغريبة كما أنّ مطار جربة سيستقبل عددا كبيرا من الرّحلات، كما سيكون هناك إقبال كبير من الإعلام العالمي وهو ما سيخدم السياحة التونسية. 

وشدّد على أنّ تزامن حجّ الغريبة مع شهر رمضان سيكون رسالة هامة للتّعايش السّلمي بين مختلف الدّيانات والأطياف في تونس.

أمّا في ما يتعلّق بالجانب الأمني فقد أوضح وزير السّياحة التونسي أنّ التنسيق مستمرّ مع وزارتي الدّاخلية والدّفاع لتأمين موسم حجّ الغريبة الذي سيكون نجاحه، وفق تعبيره، من نجاح الإنجازات الأمنيّة.

من الناحية التاريخية والدينية، إن كنيس الغريبة هو أقدم معبد يهودي في القارة الأفريقية ويقع في جزيرة جربة التاعبة لمحافظة مدنين في جنوب شرق تونس وتحديدا في قرية صغيرة كانت في السابق ذات غالبية يهودية وتسمي “الحارة الصغيرة” حاليا ويطلق عليها “الرياض”، وهي تبعد عدة كيلومترات جنوب غرب حومة السوق وهي عاصمة جربة.

ومنذ سنوات، تتميز احتفالات اليهود بالحج إلى معبد الغريبة بمشاركة وتوافد المئات من التونسيين المسلمين من مختلف محافظات البلاد لمشاركة اليهود احتفالاتهم لبعث رسائل تعايش وسلام بين الأديان.

ويفضّل الكثير من التونسيين المسلمين الحضور في هذه الاحتفالات من منطلق حب الاطلاع على طقوس اليهود، فأبرز ما يميز شعائر اليهود في هذه المناسبة الموسمية، أنهم يزورون كنيس الغريبة ويحضر أغلبهم البيض معه ليكتب عليه أمانيه ويخبئها فيه لتتحقق باعتباره مكانا مباركا.

وهذه العادة الأخيرة، يشارك فيها تونسيون مسلمون أحيانا، حيث ترسّخت في جزيرة جربة على وجه الخصوص عادات وتقاليد من أهمها أن من كانت لديه أمنية عليه أن يزور معبد “الغريبة” ويكتب أمنيته على بيضة ويتبرك بالمقام.

كما يقوم حجاج كنيس الغريبة أيضا بإقامة صلوات وإشعال شموع داخل الكنيس والحصول على بركة حاخاماته وذبح الخرفان والقرابين.

وتدعّم هذا التلاحم بين التونسيين اليهود والمسلمين، خاصة بعد شهر أبريل 2002 وتحديدا عقب الهجوم الانتحاري الذي تعرض له المعبد اليهودي بشاحنة محملة بالغاز ومفخخة بالمتفجرات، ما أسفر عن مقتل 21 شخصا آنذاك، أغلبهم من السياح الألمان وجرح أكثر من 30 شخصا، علاوة على أضرار وخسائر لحقت بالمعبد على مستوى واجهته الأمامية.

ومنذ ذلك الحين، تلاحم التونسيون من المسلمين واليهود لنشر رسائل سلام، خاصة أن الحادثة المذكورة كانت قد أثارت جدلا دوليا خصوصا أنها جاءت بعد خمسة أشهر فقط من تفجيرات 11 سبتمبر 2001.

ويسعى التونسيون، بتزامن هذه المناسبة اليهودية مع شهر رمضان، لإنجاح المناسبتين على حد السواء، حيث ستمتزج في جزيرة جربة رائحة رمضان برائحة الطقوس اليهودية طيلة أسبوع كامل انطلاقا من 19 مايو إلى حدود 23 مايو.

وفي هذا السياق، يقول رئيس هيئة تنظيم هذه الزيارة، بيريز الطرابلسي، في تصريحات إعلامية إن زيارة اليهود لكنيس الغريبة بجربة هذا العام ستعرف نجاحا كبيرا من شأنه أن يحدد نجاح الموسم السياحي الذي تعتبر مؤشراته هامة، كاشفا ارتفاع عدد الحجوزات الفندقية بأكثر من 30 بالمئة مقارنة بسنة 2018.

الغريبة محط أنظار العالم

حجاج كنيس الغريبة يشعلون الشموع للحصول على بركة حاخاماته
حجاج كنيس الغريبة يشعلون الشموع للحصول على بركة حاخاماته

يؤكّد بيريز الطرابلسي أن تزامن احتفالات اليهود مع رمضان يعد فرصة هامة للترويج لصورة تونس المتسامحة والقابلة للاختلاف في الأديان.

ونجحت تونس في السنوات الأخيرة في البرهنة على أنها ماضية في تحقيق انتقال ديمقراطي يحترم الجميع على قاعدة المواطنة وليس على قاعدة الدين أو العرق؛ وخير دليل على ذلك تسمية روني الطرابلسي وهو تونسي يهودي وزيرا للسياحة.

وتراهن السلطات التونسية على إنجاح حج اليهود لكنيس الغريبة، حيث يحضر مراسم الاحتفالات في كل عام مسؤولون من أعلى مستوى يكون عادة في مقدّمتهم رئيس الحكومة ووزير الشؤون الدينية ووزير السياحة ووزير الثقافة.

وتستعد البلاد لهذا الموعد من الناحية اللوجستية والأمنية بنفس الطريقة تقريبا التي سبقت شهر رمضان، حيث تم اتخاذ العديد من الإجراءات لتأمين هذا الشهر لتلافي حدوث أي تطورات أمنية خطيرة خاصة من خلال تجهيز كل الوحدات الأمنية والعسكرية لتجنب أي مخاطر إرهابية، وهو ما أكّد عليه مؤخرا وزير الداخلية التونسي هشام الفوراتي.

وأعدّت وزارة الداخلية التونسية خططا أمنية “خاصة”، لضمان سير أكبر تظاهرة دينية تستقطب اليهود من شتى دول العالم، ومن المنتظر أن تشارك مختلف الأسلاك الأمنية في تونس في تأمين هذه المناسبة التي تبلغ ذروتها خلال يومين يتم فيهما ما يُعرف بـ”الخرجة بالمنارة”، وهو خروج جماعي لليهود الوافدين على جزيرة جربة برفقة قنديل كبير الحجم.

وتعد زيارة المعبد اليهودي بالغريبة من المناسبات التي تستأثر باهتمام سياسي وإعلامي، حيث يُعتبر نجاح موسم الحج إلى معبد الغريبة من المؤشرات التي يُقاس بها مدى نجاح الموسم السياحي ومدى استقرار الوضع الأمني في البلاد، وما يزيد من أهمية هذه المناسبة هذا العام هو تزامنها مع أهم الأشهر وأكثرها قداسة لدى المسلمين وهو شهر رمضان.

اهتمام دولي متزايد باحتفالات اليهود
اهتمام دولي متزايد باحتفالات اليهود

 

13