تونس: أزمة اقتصادية خانقة وفشل حكومي ذريع

الجمعة 2016/01/29

تعيش تونس حالة أزمة تزداد تعمّقا يوما بعد آخر. فكل الأحزاب سواء منها المشاركة في الائتلاف الحاكم، أو المساندة أو المعارضة وكل المنظمات والرأي العام الإعلامي والثقافي والأكاديمي وعموم التونسيين، يقرّون بهذه الأزمة باعتبار أن علاماتها ومظاهرها تطفو على السطح باستمرار، ولا يمكن إخفاؤها أو التستّر عليها.

من أشدّ مظاهر هذه الأزمة هو استمرار الاحتجاجات الشعبية التي لم تتوقف منذ 17 ديسمبر 2010 وإن كانت تخفت من حين إلى آخر. ومنها كذلك الاعتصامات الشبابية المطالبة بالعمل والتي يتمّ تنفيذها في مقرّات الحكم الجهوية والمحلية غالبا. ومن هذه العلامات أيضا استمرار حالات الانتحار بإضرام النار في الجسد من قبل اليائسين الذين فقدوا الأمل في وعود الحكومة ومسؤوليها.

ومن بين القرائن على هذه الأزمة استمرار عمل الخلايا الناشطة في استقطاب الشباب وتجنيده لفائدة تيّارات الإرهاب في الداخل والخارج. والدليل على ذلك ارتفاع عدد الشباب التونسي الملتحق بالتنظيمات الإرهابية والإعلانات المتكرّرة لأجهزة الأمن التونسية عن تفكيكها لخلايا جديدة كلّ مرّة.

والحقيقة أنّ سؤالا جوهريّا يطرح نفسه بقوّة كل مرة تعلق الأمر فيها بمناقشة مثل هذا الموضوع ألا وهو؛ لماذا يقدم أحد على مسؤولية حكم شعب يعرف أزمة بطالة حادة دون أن يحمل بين يديه حلا لهذه الأزمة؟

لا أعتقد أن نية الأحزاب المتقدمة للانتخابات كانت حل أزمة الشعب التونسي، ولا أعتقد أن أغلبها كان يملك حلولا ولا اقتراحات أصلا.

وإنما كان الغالب على السياسيين إمّا استغلال فسحة الحرية التي وفّرتها الثورة لممارسة الحق الدستوري في الترشح للانتخابات، وإمّا توظيف الدعم الأجنبي للوصول إلى حكم التونسيين لا لتحقيق مطالبهم. كما يبدو أنّه لم يكن لدى أغلب الأحزاب السياسية إلمام حقيقي بمشاكل التونسيين ومطالبهم.

المهم أن أزمة تونس استفحلت بشكل مهول بعد خمس سنوات على ثورة الحرية والكرامة. كما لم تختلف الحكومات المتعاقبة في حصد الفشل في التعاطي مع هذه الأزمة والتي تتلخص اليوم في 4 أرقام: صفر بالمئة تنمية. 700 ألف عاطل عن العمل. 18 بالمئة نسبة الفقر. كما بلغت نسبة الدين الأجنبي 55 بالمئة من ميزانيّة 2016.

لا بدّ من التنبيه إلى أن هذه الأرقام هي أرقام خام ما يعني أن تحليلها سيكشف عن أنها ملطفة وتخفي واقعا مريرا. من ذلك أنّ التنمية كلمة لا معنى لها في مجتمع يتآكل من الداخل. فالتنمية تعني إنتاج الثروة وتوفير فرص العمل والأمل. وإذا غابت الثروة والعمل حضرت اللصوصية والجريمة والمافيا. فنسبة الصفر بالمئة تنمية تعني أنه لم يتوفر أيّ موطن شغل جديد في دولة ثار شعبها من أجل الشغل!

هذا الواقع سيولّد مظاهر خطيرة تنمّي الحقد الاجتماعي وتحرّض فئات المجتمع بعضها على بعض. وإذا غاب العمل المشروع الذي توفره الدولة أو شركاؤها، حضر العمل غير المشروع مثل ترويج المخدرات والسرقة والتهريب. وهو ما يهدد السلم الاجتماعية ويجعل القوانين والقيم لا معنى لها أمام شعب جائع عاطل.

وهذا أمر خطير لا يبدو أن منظومة الحكم القائمة تقدره جيدا، إذ كان من المفروض أن تستقيل الحكومة بسبب هذه الحصيلة الضحلة لا أن يقوم رئيسها بتحوير وزاري. فأن تفشل الحكومة في المهمة التي جاءت من أجلها، ألا وهي التشغيل فشلا ذريعا بشكل أسوأ من كل سابقاتها وتستمر في عملها، فهذا يعني أن ذلك ليس من مظاهر الديمقراطية ولا يمكن تبريره وتفسيره بالصعوبات والعوائق. وإنما هي مسؤولية فشل حاملوها في أدائها.

عدد العاطلين عن العمل بلغ حسب الإحصائيات الرسمية 700 ألف عاطل بنسبة بلغت حوالي 16 بالمئة من القوى الحية. ولكن قيمة هذا الرقم تزداد إذا وضعنا في الاعتبار أن مجموع سكّان تونس لا يتجاوز 11 مليون نسمة بينهم 2.5 مليون طالب في مختلف مستويات الدراسة سيلتحقون قريبا بطالبي الشغل.

ومن بين العاطلين عن العمل معطّلون من أصحاب الشهائد العليا من خريجي الجامعات يبلغ عددهم حوالي 300 ألف. هؤلاء المعطلون يمثلون معضلة حقيقية تعطل نمو المجتمع التونسي وتهدد قيما رئيسية فيه مثل قيم التربية والعلم. وهذا خطر حقيقي في دولة تفتقر للثروات الطبيعية وتراهن على الثروة البشرية إذ صارت هذه الثروة البشرية مهددة بالإتلاف.

ولا بد من الإشارة إلى أن ارتفاع نسبة العاطلين عن العمل من أصحاب الشهائد العليا كان نتيجة لخيارات فاسدة تورط فيها نظام زين العابدين بن علي، بسبب خضوعه لإملاءات أجنبية مقابل عمولات وقروض مازال الشعب التونسي يدفعها إلى اليوم وترفض الحكومات المتعاقبة مراجعتها أو حتى إجراء تدقيق لها.

وتتمثل هذه الخيارات في تغيير أنظمة التدريس الجامعية ومحتوياتها وتفريخ المعاهد العليا بالمئات في مختلف جهات تونس دون حاجة السوق التونسية إليها.

وهو ما أفرز خرّيجين يحملون دبلومات جامعية لا معنى لها ولا يمكن استيعابها في تونس ولا خارجها. هذه السياسات ولّدت خرابا طال أجيالا من شباب تونس ومن طاقاتها الحية دون مساءلة ولا محاسبة إلى اليوم. ولم تجد الحكومات المتعاقبة أجوبة عن أسئلة هذه الفئة من المعطلين وعجزت عن استعادة هذه الطاقات الشبابية وإعادة إدماجها ضمن القوى المنتجة للثروة. وظلت قطاعات وطنية، دون غيرها، تتحمل ضغط هذه القوى المعطلة مثل قطاع التربية الذي تضرر كثيرا من توظيف مدرّسين من غير أهل الاختصاص.

أما نسبة الفقر التي بلغت حسب إحصائيات رسمية 18 بالمئة فإنها لا تعكس الواقع بالنظر في مثال واحد هو إقليم تونس الكبرى المتكون من 4 محافظات محاطة بأحياء شعبية ضخمة. ويبلغ سكان إقليم تونس الكبرى 2 مليون نسمة منهم نصف مليون في حي التضامن المفتقر للتهيئة والبنية التحتية والتجهيز غربي العاصمة، وهو من أكبر الأحياء في أفريقيا. فنسبة الفقر التي أعلنت عنها وزارة الشؤون الاجتماعية لا تبدو واقعية إذا نظرنا في حال محافظات القصرين وسيدي بوزيد وقفصة والقيروان وتطاوين وجندوبة والكاف المفقرة، والتي تشتعل فيها الاحتجاجات بسبب استمرار التهميش والبطالة وغياب التنمية.

أما نسبة الدَّيْن التي بلغت 55 بالمئة في ميزانية 2016 الأخيرة فإنها تهدد أمن تونس وسيادتها واستقلالها.

ولا شيء في الأفق يحمل شعلة أمل للتونسيين مع انهيار حزب نداء تونس الحاكم والذي منحه التونسيون ثقتهم في الانتخابات التشريعية والرئاسية. فأين يكمن الحلّ؟ لا بد من تغيير الاتجاه اليميني.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

9