تونس: أزمة "بتروفاك" تعكس فشل الحكومات المتعاقبة منذ 2011

تعكس أزمة شركة بتروفاك البريطانية في تونس، فشل الحكومات المتعاقبة على البلاد منذ العام 2011، والتي عمل كل منها على اتخاذ إجراءات تسكينية مؤقتة، كادت تنهي عمل الشركة، ويستبعد متابعون أن تغير الحكومة الحالية من نهج سابقاتها في التعاطي مع ملف التشغيل الأمر الذي ينذر بموجة إضرابات واعتصامات جديدة.
الأحد 2016/09/25
مشهد متكرر

تونس - أسدل الستار أخيرا على أزمة شركة بتروفاك البريطانية في تونس، بعد أن توصلت الحكومة التونسية إلى اتفاق مع محتجين عاطلين عن العمل، كانوا عرقلوا عمل الشركة الأمر الذي كاد يتسبب في خروجها وبالتالي خسارة المئات من العمال لمواطن شغل، في ظل ظرفية اقتصادية واجتماعية صعبة تعيش على وقعها البلاد.

وسحبت الشركة التي توفر نحو 13 بالمئة من احتياجات البلاد من الغاز، إعلانها بالخروج من تونس من بورصة لندن في وقت متأخر من ليل الجمعة.

وكان وزير الشؤون الاجتماعية التونسي محمد الطرابلسي قد أعلن في وقت سابق عن توقيع اتفاق يقضي بإنهاء جميع القضايا التي كانت تمثل عائقا في جزيرة قرقنة أمام إيجاد الحلول لاستئناف نشاط بتروفاك.

وقال الوزير الطرابلسي في تصريح للصحافيين إنه “تم الاتفاق على استيعاب 266 من طالبي الشغل وتسوية وضعيتهم على امتداد 3 سنوات وبالتدرج”.

ويعتصم العشرات من العاطلين عن العمل أمام مصنع بتروفاك في جزيرة قرقنة منذ ثمانية أشهر، للمطالبة بالتوظيف، وتسوية وضعية عدد من العمال ما أدّى إلى توقف الإنتاج نهائيا.

وكانت شركة بتروفاك البريطانية أبلغت تونس هذا الأسبوع أنها بدأت في إغلاق عملياتها المحلية بعد شهور من الاحتجاجات التي عطلت إنتاجها من الغاز. لكن رئيس الوزراء يوسف الشاهد أنشأ خلية أزمة لإيجاد حلّ للموضوع.

وتسبب هذا الاعتصام المفتوح الذي خاضه معطلون عن العمل، في خسائر كبيرة للشركة البريطانية، الأمر الذي دفعها إلى اتخاذ خطوة الخروج من البلاد.

ومعلوم أن الأوضاع المالية للشركات المنتجة للنفط والغاز، سيئة للغاية على مستوى العالم، نتيجة الانخفاض المستمر لأسعار النفط، وقد اضطرت العديد من الشركات العالمية إلى تقليص مشروعاتها الاستثمارية إلى النصف، في محاولة للتخفيف من نسب خسائرها.

ويقول مختصون إن شركات النفط والغاز اليوم لا تملك ترف التعاطي مع تحركات احتجاجية مثل تلك التي جرت مع بتروفاك، لأن ذلك سيكلفها خسائر مضاعفة.

وكان قرار مغادرة الشركة سيمثل ضربة مالية أخرى للبلاد في الوقت الذي تتعهد فيه حكومة يوسف الشاهد باتخاذ القرارات اللازمة لتوفير الوظائف والمضيّ قدما في إصلاحات اقتصادية وتعزيز النموّ الذي تضرر جراء هجمات شنها إسلاميون خلال العامين الماضيين.

وقال وزير الشؤون الاجتماعية محمد الطرابلسي إن “الوفد الوزاري الذي توجه إلى جزيرة قرقنة توصّل لاتفاق مع المعتصمين يقضي بتشغيل عاطلين عن العمل وإنشاء صندوق تنمية محلي بقيمة 2.5 مليون دينار” مضيفا أن الجميع وقعوا على الاتفاق الذي يقضي بإنهاء الاعتصام.

شركات النفط والغاز اليوم لا تملك ترف التعاطي مع تحركات احتجاجية مثل تلك التي جرت مع بتروفاك، لأن ذلك سيكلفها خسائر مضاعفة

وأثار الاتفاق ارتياحا في صفوف التونسيين، الذين بات الكثير منهم غير مقتنع بجدوى مثل هذه الاحتجاجات والإضرابات التي أدت إلى هروب العديد من المستثمرين إلى دول إقليمية.

وقال النائب عن كتلة حرة صلاح برقاوي “لا يمكن لأيّ تونسي يهمه خير البلد ألاّ يكون اليوم قد فرح بالنهاية السعيدة لماراطون المفاوضات التي آلت إلى الاتفاق على إيجاد حل مقبول من جميع الأطراف للأزمة التي عطلت إنتاج الغاز بجزيرة قرقنة على مدى أشهر طويلة”.

وأوضح النائب أن “هذا الاتفاق أوقف نزيف الخسائر وأعاد عجلة إنتاج الغاز بحقول قرقنة إلى الدوران مع ما يمثله ذلك بالنسبة إلى المجموعة الوطنية من موارد نحن في أشد الحاجة إليها في هذه الظروف الاقتصادية العصيبة”.

وأضاف النائب عن حرة في تدوينة له على موقع التواصل الاجتماعي فايسبوك “الآن وقد انتهت الأزمة، يجدر بنا جميعا أن نستخلص الدروس من هذا الذي جرى في قرقنة في الأشهر الأخيرة حتى يكون ذلك عونا لنا يهدينا إلى اجتناب تكراره في قرقنة وفي غيرها من جهات البلاد التي تعرف أو يمكن أن تعرف أزمات مماثلة”.

ورأى أن “أول هذه الدروس هو ضرورة الاقتناع بصورة نهائية بأن تعطيل الإنتاج ليس الوسيلة الاحتجاجية المناسبة أو المجدية للمطالبة بالتنمية والتشغيل. فمثل هذه الأعمال من شأنها أن تزيد في تعميق صعوباتنا ولا يمكن أبدا أن تنهيها فضلا عن أنها يمكن أن تكون سببا في تدمير حياة الكثيرين”.

ومنذ يناير 2011 علّقت أكثر من 2500 شركة نشاطها واتجه معظمها إلى المغرب، وفقا لأرقام غير رسمية، ما زاد من معاناة الدولة.

وكانت الاستثمارات الأجنبية في تونس تقدر بـ1.58 مليار دولار في 2010، لتنخفض إلى حوالي 900 مليون دولار العام الماضي.

ويرى كثيرون أنه لا بد على المواطن أن يدرك أن تعطيل الدورة الإنتاجية للشركات الاستثمارية التي توفر عائدات للدولة، ليس في صالحه، فمثلا لو تم إغلاق شركة بتروفاك فإن ذلك سينعكس مباشرة على الجميع باعتبار أنها توفر 13 بالمئة من الغاز للبلاد، وهنا ستضطر الدولة إلى التوريد وذلك بتكلفة عالية.

ويقول مختصون في علم الاجتماع إن المشكل الرئيسي في تونس هو غياب ثقافة العمل لدى المواطن، لافتين إلى وجود تقصير كبير من الدولة، في هذا الصدد.

ويلوم كثيرون الحكومات المتعاقبة منذ العام 2011، حيث لم تكن لها رؤية استراتيجية لحلّ ملف البطالة، وعملت كل منها على إعطاء جرعات تسكينية مؤقتة ما أدى إلى تفاقم الظاهرة.

وبدل التشجيع على الاستثمار الخاص وفتح المجال أمام القروض الصغيرة، انبرت الحكومات إلى اتخاذ إجراءات أثقلت كاهل الدولة، منها إغراق المؤسسات العمومية بالموظفين، فضلا عن اعتماد سياسة اليد المرتعشة التي شجعت البعض على التمادي وتعطيل العمل في أكثر من مؤسسة اقتصادية كبرى، بداعي طلب التشغيل.

ويعتبر هؤلاء أن أزمة بتروفاك تتحمل تلك الحكومات المسؤولية الكبرى عنها، حيث حرصت كل منها على ترك الملف مفتوحا، ما كاد يؤدي إلى خروج الشركة نهائيا من البلاد.

ويضيف هؤلاء أنه لا يمكن تجاهل عملية التوظيف السياسي للتحركات الاحتجاجية، فقد وجهت اتهامات لأطراف سياسية في قرقنة من بينها أن أنصار حزب التحرير السلفي والجبهة الشعبية كان لهم حضور بارز في قضية بتروفاك، وفي قضايا أخرى ممثالة بدعوى حق الإضراب الذي ينص عليه الدستور.

ويسعى كل منهما إلى تحصيل مكاسب سياسية وشعبية، وذلك دون مراعاة لوضع البلاد الدقيق، اقتصاديا واجتماعيا.

وجدير بالذكر أن نسبة النمو في تونس لم تتجاوز سقف 1.4 بالمئة خلال الربع الثاني من العام الجاري، وفق البيانات الرسمية. وقد استبعد رئيس الحكومة يوسف الشاهد أن تتجاوز نسبة النمو مع نهاية العام الحالي 1.5 بالمئة في ظل الظروف الحالية.

ولا تبدو المؤشرات مطمئنة حيال تغيّر في نهج الحكومة التونسية الحالية تجاه ملف البطالة، الأمر الذي يعني أن تونس ستشهد المزيد من الإضرابات والاعتصامات التي قد تكلف الكثير.

يشار هنا إلى أن عمال شركة ونستار للخدمات البترولية (كندية) قد دخلوا في إضراب عن العمل ابتداء من السبت ولمدة ثلاثة أيام في حقلي “الشويش” و”البرمة” بمحافظة قبلي الجنوبية، للمطالبة بتفعيل اتفاق ممضى بين الجهات المعنية منذ العام 2012 ويقضي بترسيم المتعاقدين.

2