تونس.. أزمة تشخيص الوضع السياسي

اقتصار التغيير على الرمي بتجربة سابقة عرض الحائط وبداية تجربة جديدة دون استخلاص الدرس مما سبق هو فشل في حد ذاته.
الجمعة 2018/03/23
ألم يحن الوقت بعد لتحوّل الأقوال إلى أفعال

 “فسّخ (أشطب) وعاود من جديد”. مقولة شعبية تونسية متداولة في زمننا هذا، يتخذها البعض تعلة للهروب من الفشل في تجربة ما، وترتكز هذه المقولة على حذف كل ما سبق من دون الاستفادة منه والعودة إلى مربع الصفر وكأن شيئا لم يكن.

يبدو أن ساسة اليوم في تونس ما بعد الثورة، باتت تروق لهم كثيرا هذه المقولة التي يقفون عندها في كل فشل ونكبة تصيب تونس لتكون محطة نهاية لرحلة ما وبداية رحلة أخرى غير مضمونة العواقب ولا واضحة الملامح والمعالم، وهم يرددون في قرارة أنفسهم وفي ما بينهم “لنجرب لم لا؟ وإن فشلت فسخ وعاود من جديد”.

حكومات كثيرة تعاقبت على تونس منذ أحداث 14 يناير 2011، بدءا بحكومة محمد الغنوشي مرورا بحكومتي الترويكا، فالمهدي جمعة وأخيرا وليس آخرا حكومة يوسف الشاهد التي تتهيأ لجمع حقائبها والخروج من الباب الصغير كسابقاتها.

لم تأخذ تونس من كل هذه الحكومات سوى الوعود والبرامج التي لا تتعدى حدود الكلام وبيع الوهم لشعب يتحرق شوقا لقطف ثمار ما طالب به عند الخروج ضد نظام زين العابدين بن علي.

التجربة تعيد نفسها مع كل حكومة، فبمجرد التيقن من أن الوضع الاقتصادي والسياسي في البلاد يراوح مكانه تتعالى الأصوات المنادية بالتغيير، والتي لا تعي معناه الحقيقي أصلا، لتقديم حكومة ما كبش فداء أمام الشعب التونسي وتحميلها المسؤولية والعودة من جديد إلى المربع الأول، وكأننا ثابتون لم نبارح مكاننا.

نحن لا ننتظر المستحيل، ولكن نطالب ساستنا بترجمة محاضراتهم في حب الوطن وخدمته على أرض الواقع

لم يجلب تعاقب الحكومات على البلاد سوى تراكم الأزمات الاقتصادية ومزيد ارتهان الدولة للبنوك الأجنبية. اقتصار التغيير على الرمي بتجربة سابقة عرض الحائط وبدء تجربة جديدة دون استخلاص الدرس مما سبق هو فشل في حد ذاته. فتقديم بدائل جديدة لا يتعلق بالأسماء، بقدر ما يجب أن يركز على طرح استراتيجيات جديدة من منطلق الأزمات التي تعيش على وقعها البلاد، كتراجع قيمة الدينار وتفاقم البطالة وغلاء المعيشة.

لماذا يتشبث ساستنا بتجربة “فسخ وعاود من جديد” رغم ثبوت فشلها في أكثر من مناسبة، هل يعود ذلك إلى استعصاء الوضع في البلاد وخروج الأمور عن السيطرة؟ طبعا لا ولكن لإفلاسهم سياسيا.

فالساحة السياسية تشكو اليوم من وباء الانتهازية الذي تفشى في أوصال جميع الأحزاب السياسية التي ترفع شعار المصلحة العامة كوسيلة لا غير لتحقيق أهدافها الحزبية الضيقة، فمقرات الأحزاب أصبحت دكاكين لبيع الكلام والأوهام، مقابل بضعة أصوات تترك وتنسى بمجرد ضمان مقعد مريح تحت قبة البرلمان.

فشل تونس في الخروج من عنق الزجاجة، كما يحلو للبعض توصيف المرحلة الدقيقة التي تمر بها البلاد، يعود أساسا إلى عجز النخبة السياسية عن تغليب المصلحة العامة على المصلحة الحزبية، وممارسة العمل السياسي من منطلق وطني يخدم مصلحة البلاد وليس من منطلق فردي ضيق، يُنظر من خلاله إلى السلطة كغنيمة.

كما أن اقتصار الساسة على نظرية “فسخ وعاود من جديد” التي ابتدعوها وتركت البلاد تراوح في دائرة الفشل، يعود إلى غياب تشخيص عميق ومدروس لمتطلبات المرحلة الحالية وسبل الخروج من الأزمة بأخف الأضرار الممكنة وفق الإمكانيات المتاحة ومصارحة الشعب التونسي بما له وما عليه.

نحن لا ننتظر المستحيل، ولكن نطالب ساستنا بترجمة محاضراتهم في حب الوطن وخدمته على أرض الواقع.. فقط لا غير.. ألم يحن الوقت بعد لتحوّل الأقوال إلى أفعال؟

9