تونس.. أسئلة حقوقية وأخلاقية

قطاع الصحة الحيوي بات محل جدل واسع بسبب من المعوّقات منها أزمة النقص الكبير في الأدوية وأزمة الصناديق الاجتماعية.
الجمعة 2018/05/18
المريض هو الخاسر الأكبر

تونس - رغم مواصلة تونس الرهان على نفس منطلقات دولة الاستقلال بتضمينها الحق في الصحة بدستور الجمهورية الثانية منذ عام 2014، إلا أن هذا القطاع الحيوي بات محل جدل واسع في الأوساط السياسية والشعبية بسبب العديد من المعوّقات المنطقية منها على سبيل المثال أزمة النقص الكبير في الأدوية المرتبطة وفق السلطات التونسية بالعديد من التراكمات والمعوّقات الأخرى، تبقى على رأسها أزمة الصناديق الاجتماعية.

ولم يعد خافيا على التونسيين أو على السلطة مدى تفاقم أزمة هذا القطاع الاستراتيجي، حيث أكّدت الصيدلية المركزية (مؤسسة عمومية تحت إشراف الدولة) في شهر أبريل المنقضي مدى خطورة الأزمة المحدقة بالمنظومة الصحية وذلك إثر إطلاق أعوان الصيدلية المركزية صيحة فزع نبّهت من منزلقات عدّة تتلخص أبرز عناوينها في أن احتياطي مخزون الأدوية لم يكن كافيا سوى لسبعين يوما فقط.

وتُرجع الصيدلية المركزية هذه المعوّقات إلى وجود أزمة أخرى أطلت برأسها منذ عام 2016 وهي صعوبة توريد بعض الأدوية لعدم خلاص المخابر والموردين الأجانب أو بسبب عدم قدرة المستشفيات العمومية أو الخاصة على خلاص مستحقات الصيدلية المركزية، المقدرة بمئات المليارات من الدينارات التونسية، والمتخلّدة بذمتّها منذ أعوام.

ولئن سارعت وزارة الصحة بتفنيد رواية أحد أهم هياكلها المشرف على الأدوية (الصيدلية المركزية) إلا أنها لم تنف في المقابل وجود نقص في الأدوية عبر تأكيدها على فقدان بعض الأدوية العاديّة من الصيدليات ما أجبرها على اتخاذ إجراءات استباقية لتوفير أدوية معوّضة لها نفس المفعول بالمستشفيات العمومية وبالصيدليّات الخاصة.

الصيدلية المركزية أرجعت هذه  الأزمة إلى صعوبة توريد بعض الأدوية لعدم خلاص المخابر والموردين الأجانب

وأثّر تقهقر وضع المنظومة الصحية بتونس التي كانت إلى وقت غير بعيد من أهم منارات وإنجازات الدولة الوطنية على المواطن بشكل مباشر، خصوصا عقب تأكيد سلط الإشراف أنه تم تسجيل فقدان قرابة مئة نوع من الأدوية البسيطة أو الموجهة لأصحاب الأمراض المزمنة وخاصة تلك المتعلّقة بمعالجة مرضى السرطان.

وبغض النظر عن التأويلات والقراءات الديموغرافية والسوسيولوجية المتعددة للأرقام المفزعة المقدمة حول وضعية الصحة في تونس فإن كل المؤشرات تشير وبإجماع من السلطة أو المعارضة أو المختصين إلى أنها في طريقها إلى التآكل والتحوّل إلى جهاز قد يكرس اللاّمساواة بين الفئات والجهات خصوصا عقب اتهام الدولة بالانسحاب شيئا فشيئا من التكفل بالمسألة الصحية لفائدة القطاع الخاص.

هذا التصوّر الأخير، دعّمته على سبيل المثال لا الحصر تقارير صادرة عن منظمة “أنا يقظ ” (منظمة غير حكومية) بتأكيدها في شهر أبريل الماضي أن الدولة لا تتعامل بجدية مع نضوب مخزونها من الأدوية الحيوية وخاصة المتعلقة بصحة الأطفال أو الأمراض المزمنة بسبب غياب آليات الرقابة على الشركات المختصة في التوريد والمتورطة في ملفات فساد عبر انتهاجها أساليب وآليات خارجة عن القانون.

صورة أخرى قد تلخص بشكل جليّ ودقيق كل الإرهاصات التي تهدّد المنظومة الصحية في تونس، شكّلتها نداءات أطباء في 9 مايو الماضي تحت قبة البرلمان حذّرت من تعمق الأزمة عبر تأكيداتهم الدالة على وجود تدهور كبير في الخدمات الصحية بالمؤسسات العمومية، علاوة على تردي البنية التحتية لها، وافتقارها لوسائل التدخل الصحي وضروريات الكشف والفحص ووسائل العلاج.

كما أكّد الأطباء أن أكثر من مليوني تونسي لا يتمتعون بأي تغطية صحية، بينهم نحو 167 ألفا ممن تفوق أعمارهم 60 سنة

وفي الطرف المقابل، تعللّ الدولة المثقلة بأزمات اقتصادية وسياسية متعدّدة الأبعاد بأنها لن تحيد عن أهم ثوابت ومرتكزات الدولة منذ الاستقلال، مشيرة في مراسلة وجّهها وزير الصحة عماد الحمامي بتاريخ 6 مايو 2018 إلى البرلمان بعنوان “نقص الأدوية يهدّد الأمن القومي”، إلى أن الدولة لن تخوض في مسألة نقص الأدوية على الملأ لأنها تهدد كيان الدولة.

ورغم المراسلة المثيرة للجدل فإن الحمامي برّر قبل شهر من طفو الأزمة على السطح بأن مردّ أزمة المنظومة الصحية في تونس هو تفاقم ملفات الفساد في وزارته، مؤكدا وجود أربعة ملفات كبرى ترتبط بتهريب الأدوية إلى بلدان مجاورة واستعمال أدوية منتهية الصلاحية.

كما أكد أن فرق وزارة الصحة رصدت العديد من عمليات سرقة الأدوية من المستودعات والمستشفيات ومراكز الصحة الأساسية، علاوة على هشاشة المؤسسات العمومية ومساهمة بعض أباطرة الفساد في توجيه التونسيين إلى القطاع الخاص كبديل عن العام. وتشير كل هذه المبررات حتما رغم الاختلافات في التقييم إلى توجه البلد نحو فقدان أهم ثوابته الاستراتيجية.

13