تونس أمام خيارين: حكومة ائتلاف أو حزب الرئيس

ما تحتاجه تونس من الأطراف المتنازعة هو تقديم التنازلات، للوصول إلى حكومة وحدة وطنية، يلتفت الجميع بعدها إلى العمل الحقيقي المطلوب منهم، والذي لن يستطيع طرف مفرد إنجازه.
الثلاثاء 2020/02/18
سباق مع الزمن

لصالح من ستكون النقلة التالية على رقعة تشكيل الحكومة التونسية المتعثرة؟

يصعب التنبؤ بالنتيجة، ولكن ما هو مؤكد أن التونسيين الذين يراقبون المباراة بقلق، هم من يدفع الثمن، ليس فقط بسبب تأخر تشكيل الحكومة، بل بسبب فشل الحكومات السابقة في تلبية طموحاتهم ومطالبهم التي ثاروا من أجلها.

فقد التونسيون القدرة على العدّ، بدءا من 14 يناير 2011 وحتى هذا التاريخ. تبدلت حكومات أكثر مما يبدل مواطن ميسور ثيابه. تونس ليست ميسورة، وهي أحوج ما تكون إلى حكومة مركزية قوية لا يعتريها الوهن بسرعة.

دفع الجميع ثمنا باهظا، وبات هناك من يشكك في قيمة الثورة. ما الفائدة من ثورة تزايدت معها عيوب اجتماعية أصبحت مصدر قلق، ارتفعت خلالها معدلات البطالة وأسعار السلع، وتدهورت الخدمات الاجتماعية والتعليم، وتراجعت فيها المؤشرات الاقتصادية.

فضائل الحرية شوّهتها عيوب الانفلات. باستطاعة التونسي اليوم قول ما يريد، بعيدا عن المقدس الديني، لا توجد مقدسات أخرى، والنقد يطال الجميع.

إذا اعتبرنا الأرقام الصادرة عن استطلاعات الرأي، خلال شهر يناير صحيحة، يكون رضا التونسيين عن أداء الرئيس قيس سعيد قد تراجع عن المستوى الذي كان عليه مع بداية الحملة الانتخابية، ولكنه يبقى، حسب مؤسسة “أمرود كونسيلتنغ” أفضل من أداء كل السياسيين الآخرين مجتمعين.

حسب أمرود، أكثر من نصف التونسيين بقليل راض عن أداء رئيس الجمهورية، فقط ربع المستجوبين عبر عن عدم رضاه، والربع الآخر لا رأي له.

هذه النتيجة تكتسب دلالة كبيرة، إذا ما قُورنت بالشخصية الثانية التي حازت على رضا التونسيين بنسبة 7.9 في المئة، وهو نبيل القروي.

وجاء سبر الآراء المتعلق حول رضا الناخبين عن الأحزاب السياسية، ليؤكد هذا الاتجاه، وبينت الأرقام التي كشفت عنها مؤسسة “سيغما كونساي” تقدم الحزب الدستوري الحر على حركة النهضة وقلب تونس، وحظي على نسبة قاربت 17 في المئة من المستجوبين.

وتشغل الأحزاب الثلاثة، التي احتلت المقدمة، مجتمعة أقل من نصف الأصوات، حسب سيغما، بينما لم تحصل الأحزاب نفسها على ربع الأصوات حسب أمرود. ماذا يعني كل ذلك، في ظل الاختناق الذي تشهده تونس؟

شيء واحد. الطريق مفتوح لحزب الرئيس، خاصة بعد أن مهدت له حركة النهضة الطريق. كيف؟

كانت حركة النهضة قد تقدمت بمبادرة تشريعية لتنقيح القانون الانتخابي، تحسبا لانتخابات تشريعية مبكرة، صادقت عليها لجنة النظام الداخلي والقوانين البرلمانية والقوانين الانتخابية يوم الجمعة بأغلبية الحاضرين، وتضمن التعديل نقطة خلافية تتعلق بإدراج عتبة انتخابية هي خمسة في المئة في الانتخابات التشريعية، تُقصي كما بات يعلم الجميع الأحزاب الصغيرة، وتبقي فقط على بضعة أحزاب كبيرة.

لو- رغم أنه لو تفتح عمل الشيطان- كُتب لحزب الرئيس المفترض أن يرى النور في الانتخابات التشريعية القادمة، في حال الذهاب إليها، ستكون أمامه فرصة لتحقيق فوز ساحق. بالطبع هناك عَقبة أمام قيس سعيد للمضي في هذا الخيار، وهو القائل في حملته الانتخابية “أنا تونسي، ولا ولن أنتمي لأي حزب في المستقبل (…) عشت مستقلا وسأموت مستقلا”.

في السياسة، هذه ليست معضلة، وأمام الرئيس فرصة ليثبت للجميع أنه رجل سياسة، فالضرورات كما يقال “تبيح المحظورات”.

صراع الزعامة
صراع الزعامة 

ساكن مونبليزير (مقر النهضة) وقصر باردو (مقر البرلمان)، راشد الغنوشي، يعلم ذلك أيضا. لعبة لوي الأذرع بلغت مداها، وأي نقلة الآن ستحدد مصير كل منهما سياسيا.. كش مات.

لذلك كان لا بد من دخول طرف ثالث. الطرف الذي أعاد التوازن للمشهد السياسي التونسي، عندما واجه مأزقا مماثلا بين النهضة ونداء تونس. يومها تدخل الاتحاد العام التونسي للشغل ليعيد التوازن ويجنب تونس مواجهة تلحق الضرر بالجميع.

الاتحاد ليس مجرد منظمة وطنية قوية، لأنه حكومة مرهوبة الجانب تعمل في الظل، وسواء أحببنا ذلك أو كرهناه، هو صمام الأمان الذي أنقذ تونس حتى هذه اللحظة، من مصير مشابه لما حدث في دول أخرى من دول الربيع العربي.

بالطبع لم يسارع نورالدين الطبوبي، الأمين العام التونسي لاتحاد الشغل، ومعه رئيس الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية سمير ماجول، إلى الاجتماع بكل من زعيم حركة النهضة والرئيس قيس سعيد، للتحدث عن خيار حزب الرئيس. الرسالة الوحيدة التي حملها كل منهما هي بالتأكيد، ضرورة الوصول إلى اتفاق يخرج تونس من أزمتها.

الوضع الأمني والاقتصادي لا يسمح بالمزيد من الخلاف، لا بد من التوصل إلى حل يجنب تونس إعادة الانتخابات التشريعية، التي ستجري حتما بين أطراف قد لا تتجاوز عدد أصابع الكف الواحد، ولن يكون مستغربا أن تقود البلاد لحكم الحزب الواحد وتسلل الدكتاتورية من جديد. خيار لا يريده التونسيون ولكن قد يُقادون إليه.

بعد اجتماعه مع الرجلين، قال الرئيس التونسي “لن نترك تونس تتقاذفها المصالح”. وأكد الطبوبي بعد لقائه مع الغنوشي أن المحادثات بينهم جرت لتقريب وجهات النظر.

ما تحتاجه تونس من الأطراف المتنازعة هو تقديم التنازلات، للوصول إلى حكومة وحدة وطنية، يلتفت الجميع بعدها إلى العمل الحقيقي المطلوب منهم، والذي لن يستطيع طرف مفرد لوحده إنجازه.

9