تونس.. أين ذهب الشعب؟

أين ذهب الشعب؟ نعم من ذهبوا إلى صناديق الاقتراع هم جزء منه، ولكن دوافعهم لم تكن معبرة عنه كما يجب أن يكون التعبير، لذلك سيدفع ثمن الاختيار الذي لم يشارك في بلورته وإقراره.
الخميس 2019/10/10
تراجع نسبة الإقبال على صناديق الاقتراع لا تخدم إلا الجماعات العقائدية

في مشهد من فيلم “طباخ الرئيس” بطولة الفنان الراحل طلعت زكريا، يخرج رئيس الدولة في مصر، الذي من المفترض حسب إيحاءات السيناريو أنه حسني مبارك، وقام بتمثيل دوره الفنان خالد زكي، ليتجوّل في الشارع ويطلع على أحوال مواطنيه، لكن يفاجأ بأن الشارع خال من الناس، ليتصل بمدير مكتبه متسائلا “ودّيتو الشعب فين يا حازم؟”. فضروريات الأمن جعلت الأجهزة تقنع السكان بعدم مغادرة بيوتهم بدعوى وجود كسوف للشمس سيؤثر على صحتهم.

تذكرت هذا المشهد وأنا أتابع ضعف إقبال التونسيين على الانتخابات بشقيها الرئاسي والبرلماني، فالشعب غير مهتم بمصيره، ولا بمن سيؤثر في معيشته ولا في واقعه الاجتماعي والاقتصادي وحتى الأمني، وهناك جانب كبير ممن ذهبوا إلى صناديق الاقتراع كانوا يبحثون عن المساعدات والمبالغ المالية المرصودة من بعض الأحزاب، وفق أغلب المراقبين، أو لحسابات ومصالح تتصل بالعلاقات الأسرية والعشائرية والقبلية والمناطقية والعقائدية، أما من حيث الوطن كوطن فيبدو أن التعامل مع حقوقه وواجبات مواطنيه نحوه بات شبه منعدم في ظل تراجع قيمة الانتماء إليه.

وفق الإحصائيات الرسمية فإن حوالي 59 بالمئة لم يذهبوا إلى صناديق الاقتراع لاختيار ممثليهم في البرلمان القادم، وبقليل من التفصيل هناك 64 بالمئة من النساء لم يؤدين واجبهن الانتخابي، وهناك 91 بالمئة من الشباب ممن تتراوح أعمارهم بين 18 و25 عاما اختاروا تجاهل الموضوع تماما، و67 بالمئة ممن أعمارهم بين 26 و45 جلسوا على الربوة.

ما حدث الأحد الماضي في تونس أن الشعب لم يعلن موقفه بشكل فعلي لتقرير مصيره، ولكن ما حدث أن تيارات وجماعات بعينها واجهت الرهان الانتخابي بوعيها الغريزي للتصويت ليس لمن يحمل برنامجا

وقد تسبب عزوف المرأة والشباب عن التصويت في ظهور برلمان سيكون للتشدد والتطرف والدفاع عن الإرهاب موقع كبير فيه، ليتحمّل الشعب وزر ذلك. فتراجع نسبة الإقبال على صناديق الاقتراع لا تخدم إلا الجماعات العقائدية مثل حركة النهضة التي لا يتجاوز عدد ناخبيها 500 ألف ناخب من جملة 7 ملايين مسجل في اللوائح الانتخابية وأكثر من تسعة ملايين ممن يحق لهم الانتخاب و13 مليون هو العدد الجملي للتونسيين، ومع ذلك تتصدر البرلمان وسيكون لها الحق في رئاسته ورئاسة الحكومة وتقرير مصير الدولة والمجتمع.

في عام 2011 لم يخرج أكثر من 400 ألف تونسي للشوارع في كافة أرجاء البلاد، وكان ذلك كافيا للحديث عن ثورة شعبية أسقطت النظام، دون أن ينتبه أي كان للأغلبية الصامتة، وحدث نفس الشيء بالنسبة لبقية دول ما سمي بالربيع العربي، فالمهم ليس تلك الملايين الصامتة وإنما هي الأقلية المتحركة، لكن في مصر مثلا استطاع حزب “الكنبة” الذي يمثل تلك الأغلبية أن ينجح في الإطاحة بحكم الإخوان بعد ثورة 30 يونيو 2013، ليس دفاعا عن الرغيف بقدر ما كان دفاعا عن الهوية الحضارية والثقافية لمجتمع أريد له أن يذوب في مشروع جماعة.

في تونس اليوم يبدو الشعب في أغلبيته الساحقة غير مهتم بالشأن السياسي، هناك حالة من التجاهل وعدم الاهتمام الفعلي، رغم أن الجميع يتحدث في السياسة دون معرفة، وهذا التجاهل استفاد منه المندفعون عقائديا باسم الهوية أو الجهوية في غياب من يمتلكون كاريزما وزعامة التأثير باسم الوطنية الشاملة.

اليوم يجد اليساريون والحداثيون والتقدميون والوسطيون والليبراليون أنفسهم في مواجهة واقع جديد تصنعه أو تؤثر فيه جماعات متشددة ليست بالضرورة واعية بهموم الشعب أو متطلبات الدولة أو تحولات العالم والإقليم، ولا قادرة على الإمساك بمقاليد الحكم والتعامل الإيجابي مع تحديات السلطة، ولكنها مع ذلك تجد من يصوّت لها وينتخبها ويدفع بها إلى صدارة النفوذ السياسي والاقتصادي والاجتماعي.

تسبب عزوف المرأة والشباب عن التصويت في ظهور برلمان سيكون للتشدد والتطرف والدفاع عن الإرهاب موقع كبير فيه، ليتحمّل الشعب وزر ذلك

إن الجمهور، وفق كتاب سيكولوجية الجماهير للكاتب غوستاف لوبون، ليس بحاجة لأن يكون كثير العدد لكي تتعرض إمكانيته على الرؤية بشكل صحيح إلى التدمير، ولكي تحلّ الهلوسات محلّ الوقائع الحقيقية التي لا علاقة لها بها، فيكفي أن يجتمع بعض الأفراد لكي يشكّلوا جمهورا وحتى لو كانوا علماء متميزين، فإنهم يتحلّون بكل صفات الجماهير في ما يخص الموضوعات الخارجية عن دائرة اختصاصهم، ذلك أن ملكة الملاحظة والروح النقدية التي يمتلكها كل واحد منهم تضمحل وتتبخر.

ما الذي جعل تلك الأقلية هي التي تنتصر؟ يرى لوبون أن هناك نمطين من الفكر: الأول يستخدم الفكرة المفهومية، والثاني يستخدم الفكرة المجازية أو الصورية ويعتمد على قوانين العقل والبرهان والمحاجة المنطقية، وهذا الذي خسر في انتخابات تونس، وأما الذي يعتمد على قوانين الذاكرة والخيار والتحريض فقد فاز، فأكبر خطأ يرتكبه القائد السياسي، وفق الكتاب الذي ألفه صاحبه منذ أكثر من 100 عام، هو أن يحاول إقناع الجماهير بالوسائل العقلانية الموجهة إلى أذهان الأفراد المعزولين.

ما حدث الأحد الماضي في تونس أن الشعب لم يعلن موقفه بشكل فعلي لتقرير مصيره، ولكن ما حدث أن تيارات وجماعات بعينها واجهت الرهان الانتخابي بوعيها الغريزي للتصويت ليس لمن يحمل برنامجا، ولكن لمن يرفع شعارات أكثر للتحريض على المعلوم حينا والمجهول حينا آخر، أو لمن يدفع المقابل، وهو كلام وارد في محاضر الهيئة العليا للانتخابات والمراقبين والأحزاب والقائمات التي تستعد للطعن في النتائج.

يبقى السؤال: أين ذهب الشعب؟ نعم من ذهبوا إلى صناديق الاقتراع هم جزء منه، ولكن دوافعهم لم تكن معبرة عنه كما يجب أن يكون التعبير، لذلك سيدفع ثمن الاختيار الذي لم يشارك في بلورته وإقراره.

9