تونس: احتجاجات خيبة أمل ومراهنات سياسية

الخميس 2018/01/18

تساؤلات كثيرة يثيرها ما يجري من احتجاجات بتونس بعد سبع سنوات على الإطاحة بنظام زين العابدين بن علي. هل هي ثورة جديدة على ما أصبحت ثورة قديمة؟ هل هي محاولة لتصحيح المسار بعدما تبين للشعب التونسي أن انتظاراته ليست ممكنة التحقيق في الزمن المنظور، لأسباب تتعلق بمسارات ممارسة الحكم خلال السنوات السبع الماضية؟ هل هي نوع جديد من الثورة الدائمة؟ هل هي إعلان عن فشل تجربة تم النظر إليها، تونسيا وعربيا وربما عالميا، كما لو أنها النموذج للتغيير السياسي الجذري ذي النفس الديمقراطي الأصيل على خلاف ما جرى في بلدان عربية أخرى مثل ليبيا وسوريا؟ وأسئلة أخرى كثيرة تختلف الإجابات عليها باختلاف مواقع الأفراد والجماعات السياسية والحزبية، الحكومية وغير الحكومية؛ من تلك التجربة استفادة أم عدمها.

غير أنه من المؤكد أن حلول الذكرى السابعة للإطاحة بنظام بن علي يفسح المجال أمام إبداء بعض الملاحظات خاصة مع تزامنها مع الاحتجاجات الاجتماعية التي تعرفها البلاد.

أولا، كل تحرك شعبي كبير أو ثورة مرتبط بانتظارات تختلف من شريحة اجتماعية إلى أخرى وتتقاطع فيها مستويات سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية وغيرها.

ثانيا، ليست كل هذه الانتظارات واقعية بالضرورة وقابلة للتحقيق دفعة واحدة في الزمن وضمن الشروط الموضوعية والذاتية للمجتمع المعني.

ثالثا، إن هذا التفاوت ناجم عن تقديرات تلك القوى الاجتماعية والسياسية المختلفة للممكن والمستحيل راهنا ومستقبلا، وهي تقديرات لا ترتبط بطبيعة النموذج الاقتصادي وممكنات الثروة الوطنية وإنتاجها وإعادة إنتاجها فحسب، وإنما أيضا بطبيعة اختيارات القوى المتنافسة على الحكم وفي سبيل تعظيم حصتها من مكتسبات التغيير.

رابعا، وهذا ما يفسر الاختلاف بل والصراع الذي يتصدر المشهد السياسي بعد انتصار الحركة الاجتماعية الكبرى أو الثورة، بهذا القدر أو ذاك، كما أنه سبب تراجع كل التوافقات التي كانت تبدو على السطح زمن العمل الثوري، لفسح المجال أمام مطالب متباينة وشعارات قد لا يجمع بينها جامع.

ومن هنا فإن شعارات مناهضة الاستبداد السياسي أو تحقيق العدالة الاجتماعية ومحاربة الفساد ليست ذات مضامين واحدة بالنسبة لكل الفاعلين الذين يحتلون مواقع متحركة باستمرار في ضوء تطورات الأوضاع الناجمة عن الثورة.

وربما من سوء حظ الديمقراطية وجود تفكير ينظر إليها باعتبارها متمحورة حصرا حول طبيعة الحكم والدولة، لذلك نرى هذا التوجه مصرا على محورة كل الفعل السياسي الديمقراطي حول أساليب الحكم ومصادر الشرعية، متناسيا الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الأخرى، أو معتبرا أنها لا تأتي ضمن المراتب الأولى في سلم الأولويات، الأمر الذي يعمق الشرخ بين الفئات الاجتماعية والطبقة السياسية على قاعدة انتظاراتها المتباينة، والتي يتمّ التعامل معها بسرعة غير متماثلة عند مقاربتها، بما ركز الجهود على المستوى السياسي دون الاهتمام بما يكفي، أو حتى إهمال الجوانب الأخرى التي ينظر إليها باعتبارها ثانوية أو سهلة المعالجة عند الشعور بالحاجة إلى ذلك مما عقد أمور معالجتها في نهاية المطاف.

المجتمع الذي لا تعلو فيه أصوات الاحتجاجات ولا يعرف نزاعات هو مجتمع تنعدم فيه الحرية كما يقال. والحرية من عناوين الديمقراطية التي لا تخطئ

إن هذا التفكير ينتهي به الأمر أحيانا كثيرة إلى النظر بشك وريبة واتهام لكل حراك اجتماعي، ولو في أشكاله الدنيا، باعتباره محاولة لتحريف الديمقراطية عن مسارها الطبيعي، وهو تكريس الحكم الديمقراطي وترسيخ مؤسساته لأنه يشكل أولوية الأولويات.

والحال أن الحراك الاجتماعي هو الذي يضفي على المجتمع حيويته ويدل على بعده الديمقراطي، لأن شعارات الحراك ليست مجرد مطالب اجتماعية تنتظر التحقيق على أرض الواقع، وإنما هي أيضا شكل من أشكال الحوار الديمقراطي العميق الذي يعيد الديمقراطية إلى طبيعتها الحقيقية في التفاعل بين مكونـات المجتمع بأشكال مختلفة، وإعادة صياغة الانتظارات الاجتماعية وهو ما يمر عبر جعل الحوار والنقاش السياسي في مختلف الساحات أمرا دائم الحضور.

وفي كل الأحوال، فإن المجتمع الذي لا تعلو فيه أصوات الاحتجاجات ولا يعرف نزاعات هو مجتمع تنعدم فيه الحرية كما يقال. والحرية من عناوين الديمقراطية التي لا تخطئ.

من هذا المنظور يمكن اعتبار احتجاجات تونس شكلا من أشكال الصراع بين مكونات المجتمع وخاصة بين قطبي المعادلة الرسمي والمدني الشعبي. ولا تغير من هذه الحقيقة محاولة أحزاب سياسية ونخب على هامش الحكم الاستفادة من هذه الاحتجاجات لجهة توسيع دائرة نفوذها، لتجد لها مكانا تحت شمس صياغات الحكم المقبلة ما أمكن لها ذلك.

وتتراوح استفادة مختلف أطراف هذا الصراع بين القوى السياسية، حيث يحاول القطب الحكومي إنقاذ ما يمكن إنقاذه من أوزانه الشعبية، وهذا ما يفسر إصرار الرئاسة والحكومة على عدم التهجم المطلق على الاحتجاجات أملا في احتوائها وإفشال مساعي ركوب الخصوم السياسيين عليها بما يكرس انعدام الثقة بينها وبين عمقها الشعبي المفترض. وفِي هذا السياق تمت محاولة القيام بإجراءات اجتماعية تخفف من وطأة ارتفاع الأسعار وتحسين الشروط المعيشية للفئات الفقيرة، وخـاصة في مستوى العمل على تبني قضية الشباب واعتبار هذه السنة هي سنة الشباب في تونس.

وليس خافيا أن رئاسة الدولة ممثلة في الرئيس الباجي قائد السبسي تشعر بالمخاطر المحدقة بصيغة الحكم الحالية والقائمة على وثيقة قرطاج لعام 2016، باعتبارها قاعدة لحكومة الوحدة الوطنية جراء ما تعرضت له من تصدعات مختلفة خلال السنتين الأخيرتين، بعضها كمي ظاهريا عبر انسحاب بعض التنظيمات والتيارات السياسية منها. غير أن عدم قدرة تلك الانسحابات على القضاء على الوثيقة وشرعيتها في نظر الرأي العام لا يعني عدم إضعافها ولو من خلال طرح التساؤلات حـول هذا السلـوك الذي يتناقض مع ما رافق إقرار الوثيقة من تفاؤل وحماس الموقعين عليها، لكونها خشبة نجاة للثورة وأسلوب معالجة اختلالات تجربة حكم الترويكا الذي تم تحميله مختلف الإخفاقات التي عرفتها التجربة التونسية الفتية، حيث يتمّ تحميل فترة هيمنة النهضة على الحكم مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع من سوء.

وقد جاء الأفق الانتخابي المفتوح ليعمق الشرخ بين قوى قرطاج، ليس بين المنسحبين من الاتفاق وبين من يرعونه داخل السلطة فحسب، وإنما بين هؤلاء أيضا لأنه من الواضح أن هذا الأفق له تأثيره على تكييف تصورات أطراف الاتفاق الأساسية في محاولة منها تحقيق بعض المكتسبات والاستعداد للتغيرات الممكنة للمعادلات السياسية التي ستنجم حتما عن الانتخابات المحلية والتشريعية والرئاسية المقبلة.

وهذا الأمر يخص أساسا حركة نداء تونس وحركة النهضة باعتبارهما محوري الحكم الراهن في البلاد إلى درجة أن بعض المحللين السياسيين ذهبوا إلى أن الحكومة الحالية تحمل سمات ومواصفات هذين الحزبين أكثر مما تعبر عن الوحدة الوطنية كما ينص على ذلك اتفاق قرطاج.

فهل ستتمكن حكومة يوسف الشاهد من تجاوز مضاعفات ونتائج هذه الاحتجاجات بسلام، وتشق لنفسها طريقا وسطا بين الخضوع لبعض المطالب الصريحة أو الضمنية التي تضع سقفا لها فك الارتباط بين الحزبين الأساسيين في هذه التجربة بما يبعد حركة النهضة عن صدارة المشهد السياسي التونسي في المرحلة المقبلة من جهة، وبين الخضوع لضغوط المؤسسات المالية الدولية التي تحاول فرض “إصلاحات” محددة ومثقلة لكاهل الطبقات الشعبية دون التخلي عن الإصلاح الضروري بهياكل الاقتصاد واعتماد نموذج من الحوكمة يساهم في محاربة الفساد الذي يبدو أن لا أحد ينكر واقع كونه ظاهرة منهكة لكل جهود الإصلاح والتنمية على جميع المستويات؟

إنه سؤال برسم قوى الحكم الحالية قبل غيرها. لكنه سؤال برسم الطبقة السياسية التونسية برمتها بما فيها فئاتها التي تتحرك على هامش الحكم أو في مواقع معارضته. وفي ضوء الأجوبة التي تحملها هذه الأطراف يتحدد مستقبل التجربة التونسية إيجابا أو سلبا.

كاتب مغربي

9