تونس: الأمل في التحديث

الثلاثاء 2014/05/20

منذ أن بدأت استراتيجية الحوار الوطني في تونس بعد تعثر حكومة الترويكا التي كانت تتزعمها حركة النهضة، وبعد إنهاء حكم الإخوان في مصر بدأت مواقف حركة النهضة تأخذ شيئا فشيئا صبغة متعقلة وترتبط على مستوى الخطاب على الأقل بالمصلحة الوطنية التونسية، حتى أن راشد الغنوشي زعيم الحركة الإسلامية في تونس أيّد فكرة استمرار الحكومة الحالية برئاسة مهدي جمعة بعد الانتخابات المرتقبة، حتى في حالة نجاح الحركة الإسلامية في هذه الانتخابات. لا يختلف اثنان في أن دوافع هذه المواقف الجديدة سياسية بحتة غايتها إعادة تموقع الحركات الإخوانية في العالم العربي بوجه معتدل ومنفتح يكون مقبولا داخليا وخارجيا.

ولكننا أردنا هنا أن نتعمق في ما أسمّيه بالسند القوي في تونس الذي أجبر الحركة الإسلامية مرات عديدة على تعديل مواقفها وأحيانا تغييرها، وهو يتمثل في عملية التحديث القصوى التي بدأها جيل الاستقلال والتي دافع عنها المجتمع المدني في كل نضالاته وانتفاضاته وصولا إلى قيم ثورته الحالية التي تصب كلها في التحديث. شكك أخيرا أحد المثقفين التونسيين في ما سماه بـ”تونسة” حركة النهضة أي أنه اعتبر هذه الحركة غير قادرة على الابتعاد عن تموقعها في الأمة الإسلامية النافية للأوطان ولمفهوم الوطن في حد ذاته، وبالتالي غير قادرة على الدفاع عن مصلحة تونس. هناك طبعا في هذه المواقف الجديدة للحزب الإسلامي مناورات سياسية لغايات انتخابية وصفقات مع توجهات أخرى. ومع ذلك فإننا نرى أن هذه الاستراتيجية الجديدة قد أملتها عملية التحديث نفسها والتي دعمتها الثورة ونضالات المجتمع المدني المتواصلة بحيث سيرفض الشعب كل محاولة لضرب هذا المكسب الذي ضحت من أجله أجيال متعاقبة مند أواسط القرن التاسع عشر.

كتب أخيرا الخبير السياسي المعروف خطار أبو دياب في جريدة العرب (17/05/2014) “يركّز الكثير من المراقبين على أسباب الاستثناء التونسي لناحية إرث الدولة المدنية المتجذر في تونس التي كانت أول دولة عربية تسن دستورا حديثا في العام 1861، إلى جانب إسهام “البورقيبية” الكبير في تطوير نهج “علماني” مجتمعي وتخصيص نحو خمس الميزانية الوطنية للتعليم”.

لا نشك لحظة أن عملية تأصيل الحداثة في مجتمعنا ستتجذر أكثر اعتمادا على مقومات هويتنا ودون التنكر لعقائدنا، ولكن أيضا دون أن يعيش الفرد انفصاما في شخصيته فيعيش حداثة على المستوى التكنولوجي وتأخرا على المستوى الذهني والاجتماعي. ولابد أن تتحدد ملامح مستقبلنا في التحديث المتواصل لنمط حياتنا متمثلا في بناء مجتمع التعايش الذي يقوم على الغيرية والحرية واحترام الفرد في كل مجالات حياته.

فالتحديث مجموعة من العمليات المتراكمة والمتصلة بعضها ببعض تهدف على المستوى الاقتصادي إلى تنمية الموارد وتطوير الإنتاج وتعبئة الثروات وتنمية إنتاج العمل، وهذا ما لا شك فيه ولكنه أيضا وفي الآن نفسه تطوير المجتمع بتحرير الفرد من غطرسة المجموعة كتحرير المرأة مثلا أو إعطاء الشباب وزنهم الحقيقي في المشاركة الفعلية اجتماعا وسياسة، وهو أخيرا تنظيم السّلط المختلفة داخل أجهزة محكمة قانونا تقوم على قاعدة المشاركة في الشؤون العامة محررة بذلك تقاليد الممارسة السياسية. فهو بكل ذلك توجه بالفرد نحو الانفتاح والتسامح والتعايش مع الآخر مهما كانت ميولاته واعتقاداته. ولابد من الانتباه إلى هذه الخاصية لعملية التحديث والمتمثلة في تحويل المعطيات الثقافية من الارتكاز الكامل على الهوية، إلى الاهتمام بالتواصل من حيث هو إطار كل العلاقات بين الأنا والآخر.

لعل حركة النهضة فهمت أخيرا أن عمليات التحديث التي نعيشها الآن لا يمكن أن تكون فقط تجاوزا للمرجعيات القديمة وللتقاليد الموروثة، فهي أيضا إدراك فاعل وعميق لكل جوانبها. لذلك فاجأت الجميع بقبول كل فصول الدستور المدعمة لعملية التحديث. فالتحديث لن يسطر مساره الحقيقي إلا إذا كان متأصلا في الذات ومتجاوزا للجذور. أما إذا جعلنا من التحديث عملية انقطاع كاملة عن التراث، فستتكون جراء ذلك ردة فعل تراجعية تحاول بأساليب مختلفة واستراتيجيات متنوعة الانسلاخ عن حركة التحديث وتعويضها بحركة تجديد السلف الصالح ومحاكاة أنماط تنظيماته الاجتماعية والسياسية والانزلاق في العنف والإرهاب.

وقناعتنا أنّه على حركة النهضة الآن إذا كانت صادقة في توجهها الأخير أن تغير مفاهيمها وتصوراتها، لأننا لن نستطيع بعد تقدّم العلوم وإحداثيات التكنولوجيا المتطوّرة دراسة المعاصرة والتحديث والهوية بآليات مفهوميّة قد تكوّنت وترعرعت في القرون الماضية. ذلك هو شرط أساسي للمساهمة الفعالة في تجديد آليات مفاهيمها ليتسنى لنا فهم ثورتنا وعصرنا وتراثنا وهويتنا على وجه الحقيقة لعلنا بذلك ومن خلال البحث في هذه الآليات وفي تجاعيد العقل نؤسس لمشروع التسالم الحقيقي الذي يقوم على كرامة كلّ فرد من أفراد المجموعة الإنسانيّة. بذلك فقط قد تصبح النهضة “تونسية وطنية”. وكم من شبابنا اليوم بحاجة لتكريس هذه القيم في عالم هيمنت عليه معقولية العنف والتحجر ليفجر قابلية عقلنا لممارسة الاختلاف والحوار والنقد والإبداع.

ومهما يكن من أمر فإن ثقافة الحوار في المسار الثوري التونسي بدأت تترسخ شيئا فشيئا رغم المعوقات المختلفة. ولعلها اكتسحت بشيء من الاحتشام الساحات العمومية التونسية بأحزابها وجمعياتها المدنية وأفرادها المناضلين. ولكن المجتمع المدني بنضالاته المتعددة يبقى الضامن الحقيقي لعملية التحديث والحرية وهو المدافع عنها دون هوادة فيتعرض أفراده إلى القمع البوليسي يوميا من أجلها إما بواسطة العنف أو بالإيقاف والتتبعات القضائية وحتى بالتعذيب مثلما وقع أخيرا للمدوّن والناشط عزيز عمامي وللمصوّر صبري بن ملوكة. فعلى المثقف الآن أن يدعم ثقافة التحديث بكل أبعادها لأن هذه الثقافة هي سمة التعايش في كنف الكرامة، وهي الصبغة التي قد يأخذها المجتمع المدني الحقيقي إذا توفرت له الإمكانات الفكرية والسياسية المدعمة للتعقل والحرية والتسامح والاحترام.

فالساحة العمومية كما بين الفيلسوف الألماني هابرماس هي الأسّ لكل ديمقراطية منشودة، لأنها ستضمن مناقشة الأفكار المطروحة ومقارعتها بالحجة حتى يتولّد من ذلك المعنى الحقيقي والاتجاه الصالح للوطن. بل ستضمن هذه الساحة العموميّة المشاركة الفّعالة للمواطن حتى يدلي برأيه بصفة مباشرة حسب قوانين مضبوطة كان هو طرف في إنشائها. وكنا بينا سابقا في مقال صدر بجريدة العرب أن دور المثقف المعاصر سيكون رئيسيا في تكوين هذه الساحة العمومية وتأطيرها. ناهيك وأن ما يشد مكوناتها يسميه هابرماس بالممارسة التواصلية التي تحاول أن تلم شتات هذه الساحة العمومية في أفكار معقولة بعد مناقشتها علنا. ولعل هذه الساحة العمومية الحوارية والتواصلية هي التي ستضمن استمرارية حركة التحديث، وهي التي ستجبر الحركة الإسلامية في تونس على التأقلم والتجدد وإلا سينتهي دورها في السياسة والمجتمع.


كاتب ومفكر تونسي

8