تونس: الإرهاب ولزوم ما يلزم

الخميس 2015/11/26

بتفجير الحافلة المخصصة لنقل عناصر من الأمن الرئاسي في تونس، وتحديدا في شارع محمد الخامس، أرادت الجهة، أو الجهات، المنفذة للعملية توجيه رسائل محددة أكثر من بحثها عن إسقاط أكثر ما يمكن من الشهداء.

في التفجير الذي أودى بحياة 13 عنصرا أمنيا وسقوط ما يناهز 20 جريحا، رسائل عديدة تقصدت إيذاء الدولة، وإبلاغها بأنها في مرمى نيران الإرهاب في قلب العاصمة وعلى بعد أمتار من وزارة الداخلية.

المكان حظي برسالة خاصة؛ التفجير أراد القول بتوفر القدرة على الوصول إلى أيّ هدف أينما كان. كان للمستهدَف، بالمعنى السياسي هنا، أي رئاسة الجمهورية، رسالة أخرى. والرسالة العامة أن تونس برمّتها غير معفاة أو ليست في منجاة من الإرهاب. في مضمر الفعل إيحاء بأن الفاعل القادر على تفجير حافلة الأمن الرئاسي يتيّسر عليه، أيضا، استهداف المواطنين.

حصيلة العملية، وتجاسر منفذها على توجيهها بدقة إلى نخبة من الأمن التونسي، كان يمكن أن تكون أكبر لو وجهت العملية إلى فضاء تجاري أو محطة نقل أو تجمّع بشري كبير. الرسالة الأخرى تريد تفنيد سلسلة النجاحات الأخيرة التي حققها الأمن التونسي، من إيقاف عناصر إرهابية والعثور على أسلحة وأحزمة ناسفة، أو إحباط عمليات إرهابية أخرى كان يعتزمُ تنفيذها في غير مكان من البلاد.

بقدر ما حملت العملية الإرهابية من جدّة، في الجرأة والتنفيذ والمكان والتوقيت والجهة المستهدفة، وما مثّلته من منعرج في “سجلّ” الفعل الإرهابي في تونس، فإن التعاطي الرسمي والإعلامي راوحا مكانهما، مواقف وحزما وتحليلا إعلاميا. التعاطي التونسي مع عملية شارع محمد الخامس لم يختلف عن السياقات وعن ردود الأفعال التي ألفها التونسيون عقب كل جريمة إرهابية.

مفيد التذكير هنا أن العام 2015 لوحده شهد 3 عمليات إرهابية كبرى، الهجوم على متحف باردو الأثري في 18 مارس الماضي، وعملية سوسة التي استهدفت فندقا سياحيا والتي نفذت يوم 26 يونيو، وكانت الثالثة أول أمس الثلاثاء غير بعيد عن مقر وزارة الداخلية في قلب العاصمة، هذا فضلا عن العمليات التي استهدفت الأمنيين والعسكريين والمواطنين ولم تستثن الرعاة في تخوم الجبال والمرتفعات غرب البلاد.

في كل هذه العمليات كانت السلطة السياسية تبادر إلى التنديد بالعملية وتعقد اجتماعا عاجلا للحكومة وتشكّل خليّة أزمة، وتعلن الطوارئ والحداد، بالتوازي مع طفرة إعلامية تطغى على التلفزيونات والبرامج الحوارية.

في هذا الحدث الأخير عاد الحديث عن “الوحدة الوطنية” وضرورة تماسك الشعب التونسي (في استنساخ ممجوج للتعاطي الفرنسي مع حدث باريس)، فضلا عن نقاش عقيم عن ضرورة التوفيق بين حقوق الإنسان ومقاومة الإرهاب، ولم تغب التجاذبات السياسية عن القراءات التي حاولت فهم الحدث أو تقديم الحلول.

الحبيب الصيد رئيس الحكومة التونسية أقر أن العملية “نقلة نوعية في العمليات الإرهابية، باستهدافها رمزا من رموز الدولة، وهو الأمن الرئاسي المكلّف بحماية مؤسسة رئاسة الجمهورية و البرلمان والحكومة ورؤساء هذه المؤسسات”. لكنّ إقراره، كما تصريحات النخبة التونسية حكومة ومعارضة، لم تقدم رد فعل يليق بجنس الفعلة وحجمها. أي أنها لم تقدّم “نقلة نوعية” في التعاطي مع الإرهاب، ولم يلمس التونسي رؤية مختلفة عن التصورات السابقة.

الثابت أن الإرهاب في تونس رفع من نسقه وهو ما يقتضي من الدولة ومؤسساتها والطبقة السياسية والمدنية، أن تعيه. وترفع بالتالي من نسق تفاعلها مع الخطورة المحدقة بالبلاد، وهذا لا يتحقق إلا بكشف الحقائق المتصلة بالإرهاب ورعاته وحماته وداعميه ومبيضيه. وثانيا بإعلان الحرب الحقيقية (بكل ما في الكلمة من صرامة) على الإرهاب وعلى كل منابعه ودعائمه، التهريب والتمويل والأجندات والاختراقات وغيرها. وهذا لن يحصل إلا في إطار رؤية وطنية جامعة، تذوب فيها الحسابات السياسوية الضيقة والمصالح السلطوية.

الخلاصة أن هزيمة الإرهاب في تونس عملية صعبة وعسيرة، لكن انتصاره على التونسيين مستحيل. وبين عسر التخلص من الإرهاب واستحالة هزم البلاد، ثمّة جهد وجب القيام به للضغط على كلفة المواجهة.

كاتب صحفي تونسي

8