تونس: الانتخابات البلدية والسبات السياسي

الجمعة 2018/01/26

لا شيء يوقظ الأحزاب السياسية التونسية من حالة السبات العميق إلا التكالب على الانتخابات والتسابق على الكراسي والتنازع على الصلاحيات والمكاسب.

باتت الاستحقاقات الانتخابية الوطنية موعدا سياسيا معهودا لبداية زخم حزبي قوامه التحالف في جبهات انتخابية وجوهره الانشقاقات والانسحابات من الحزام الحكومي وكينونته تسجيل النقاط السياسية ونشر غسيل الأحزاب السياسية، وهي مشهدية عهدها المواطن التونسي واستجلى حقائقها.

ولئن كان منطق ما قبل الانتخابات يقوم على التلاسن والتضادّ والتشويه وشيطنة الآخر وتقديس الأنا، وعلى الدعوات للتصويت الناجع، فإن منطق ما بعد الانتخابات يبنى على منطق التوازنات والمصالح والغنائمية، وهو منطق جاء بالخطين المتوازيين إلى فضاء التوافق، وحوّل الأعداء إلى حلفاء والشركاء إلى فرقاء.

أشهر قليلة تفصل تونس عن الانتخابات البلدية، والخارطة الانتخابية باتت تتضح باطراد، فالحزبان الكبيران، النهضة والنداء، سيدخلان المعركة بمقولة التباين المؤقت قبل الاقتراع وتعايش الضرورة بعده، فيما تعكف مكونات المعارضة (الاتحاد المدني والجبهة الشعبية) على تأصيل البديل أو الدخول إلى الساحة الانتخابية بوزن اعتباري يمكنها من الوجود المؤثر في المجالس البلدية الكبرى، في حال تعذر التواجد الوازن في كافة المجالس.

تدرك الأحزاب السياسية أن امتحان الانتخابات البلدية سيقدم صورة واضحة عن حقيقة الأوزان الجماهيرية لكل حزب، حيث ستجسّد الحصص والمقاعد مؤشرات مهمة بالإمكان البناء عليها في الاستحقاقات الانتخابية القادمة في 2019، ونعني بها الانتخابات الرئاسية والبرلمانية.

ولئن حملت الانتخابات البرلمانية الجزئية في ألمانيا بعد انتخاب ياسين العياري، فرضية النجاح وتحصيل الأصوات خارج “جناح” النهضة وبمنأى عن “نخلة” النداء، ووفرت للطامحين في كسر السيطرة الثنائية على مقاليد العملية السياسية في البلاد، فرصة سانحة للنسج على منوالها، فإن الحكم الأقرب إلى الواقع أن الحيثيات التي جاءت بياسين العياري إلى مجلس النواب تبقى استثنائية ويصعب كثيرا سحبها على باقي الوقائع الانتخابية.

صحيح أن انتخاب العياري بمقعد نيابي عن دائرة ألمانيا، خلخل الكثير من المسلمات لا سيما تلك المتعلقة بعجز الأصوات “الثورية” عن العودة إلى دوائر اتخاذ القرار، أو تلك المرتبطة بصعوبة منافسة التحالف النهضاوي الندائي في الاستحقاقات الانتخابية، إلا أن الصحيح أيضا كامن في طبيعة التنافس بين الأفراد المترشحين ذاتهم بعيدا عن العناوين الحزبية، من حيث الأداء السياسي والإعلامي والحضور على شبكات التواصل الاجتماعي، وهي مجالات تقدّم فيها العياري عن غيره من المتسابقين. وفي كل الأحوال فإن درس ألمانيا تم استيعابه من قبل “فيلة” المشهد السياسي التونسي ولا يبدو أنه قابل للتكرار إلا في حالات استثنائية.

وفيما تستعر التحضيرات للانتخابات البلدية، يلوّح الفاعل المواطني بشكل جاد بالاستقالة من الحياة السياسية ومن المشاركة الانتخابية، حيث تشير كافة المؤشرات الصادرة عن الهيئة العليا المستقلة للانتخابات إلى أن هناك شبه قرار مجتمعي بالتغيّب عن الاستحقاق البلدي، لا سيما لدى شريحة الشباب وقود الثورة والاحتجاج.

نعم، هناك هوّة سياسية واجتماعية بين الفاعلين الحزبيين وشريحة واسعة من الشباب الذين يعتبرون بأنهم صاروا مركز العملية الانتخابية وليس مركز الفعل الرسمي، وبأنهم باتوا ورقة انتخابية تستذكرها الأحزاب مع كل استحقاق اقتراعي ليقذف بهم في مهب النسيان بمجرد الإعلان عن النتائج النهائية للانتخابات.

واحدة من أهم المشكلات الحزبية في تونس أن الزمن السياسي مرتبط بالاستحقاقات الانتخابية، لا بصناعة التغيير واجتراح البديل والقرب من المواطن.

واحدة من المشكلات أننا حيال أحزاب محنطة إما بفعل الأيديولوجيا الدينية وإما الفكرية، استغرقت وقتها في طرح الأجوبة عن سؤال الماضي ولم تعكف على الإجابة الدقيقة لأسئلة الحاضر والمستقبل.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

9