تونس.. التحوير الوزاري في ظل الديمقراطية العرجاء

الخميس 2017/08/31

ما انفكّ السياسيون والإعلاميون منذ شهر يونيو الماضي على الأقل يخوضون في مسألة تحوير وزاري في الحكومة المسماة “حكومة وحدة وطنية”، وقد قوي الاهتمام بهذا التحوير هذه الأيام حتى كاد يصبح موضوعا يوميا قارا في جل الصحف التونسية.

ويرى المتابعون أن التحوير ضروري لسد الشغور في ثلاث وزارات هي وزارة التربية التي أقيل منها ناجي جلول في شهر مايو الماضي تحت ضغط النقابات، رغم تهيّؤ البلاد للامتحانات الوطنية في آخر السنة الدراسية، ووزارة المالية التي أقيلت منها لمياء الزريبي بسبب تصريح إعلامي وعين مكانها بالنيابة فاضل عبدالكافي وزير التنمية والاستثمار والتعاون الدولي، وقد أقيل عبدالكافي نفسه من الوزارتين تحت ضغط الرأي العام في وقت كان ينبغي أن يبدأ فيه الاستعدادُ لوضع ميزانية الدولة لسنة 2018.

وقد كان بإمكان رئيس الحكومة أن يختار ثلاثة وزراء لسد الشغور في الوزارات الثلاث بمجرد الإقالة والاستقالة، وألا يستمر الشغور شهورا بالنسبة إلى المالية والتربية، ولكن الأمر ليس هينا البتة لسببين مترابطين: أولهما ضرورة تغيير وزراء مباشرين لم يظهروا من الكفاءة ما يسمح باستمرارهم في وزاراتهم، والسبب الثاني- وهو الأهم- هو عجز رئيس الحكومة أمام تغوّل الأحزاب السياسية عن تطبيق الصلاحيات التي منحها له الدستور.

فإن من صلاحياته حسب الفصل 89 من الدستور تكوين الحكومة من وزراء وكتاب دولة يقوم هو باختيارهم، ما عدا وزيري الخارجية والدفاع فإن اختيارهما يكون بالتشاور مع رئيس الجمهورية؛ ومن صلاحياته أيضا حسب الفصل 92 أن يَخْتَصَّ بإحداث الوزارات وكتابات الدولة وتعديلها وحذفها وضبط اختصاصاتها وصلاحياتها ولكن بعد مداولة مجلس الوزراء في الأمر، ولكنّ هذه الصلاحيات تصطدم برغبات الأحزاب- وخاصة الأحزاب الأغلبية في مجلس النواب- التي ترى أنها أولى بتولي المناصب الوزارية، وهذه الأحزاب لا تنظر إلى ما تقتضيه المصلحة العامة للبلاد من ترك الحرية لرئيس الحكومة ليختار الكفاءات الوطنية التي تستطيع أن تنجح في إنجاز ما تُكَلَّفُ به من المهام، بل تنظر إلى مصالح قادتها والمنضوين تحتها بغض النظر عن الكفاءة والجدارة بتحمل المسؤولية، وذلك لأن مبدأ التحزب مغشوشٌ من البداية إذ الغاية الأساسية من الانتماء إلى حزب ما هي في الغالب “الغنيمة” ممثلة في الجلوس على كرسي السلطة خاصة.

ما يزيد صلاحيات رئيس الحكومة تعقيدا وتقييدا هي هذه الوثيقة التي سميت “وثيقة قرطاج” والتي حددت مهام ما سمي بحكومة الوحدة الوطنية

ثم إن رئيس الحكومة في حاجة إلى كسب ثقة هذه الأحزاب في مجلس النواب لشخصه ولأعضاء حكومته الذين يختارهم. فلقد أعطى الدستور في ستة فصول منه- من 95 إلى 100- أعضاء مجلس النواب صلاحيات واسعة في منح الثقة للحكومة ورئيسها وفي سحبها منهما، وبما أن عددا كبيرا من أعضاء المجلس يمثلون أحزابهم قبل تمثيل الشعب الذي انتخبهم، فإنهم غالبا ما يكونون متقيّدين تقيّدا صارما بما يمليه عليهم قادة أحزابهم في التعامل مع الحكومة رئيسا وأعضاء.

ويدعم هذا الذي نذهب إليه أن الدستور في فصله الثالث والخمسين لم يشترط في الترشح لعضوية المجلس غيرَ ثبوتِ الجنسية التونسية وبلوغِ سن الثالثة والعشرين والخلو من الموانع القانونية، وذلك يعني أن لا فرق بين الأمي والمثقف في الترشح لعضوية المجلس، ولا غرابة لذلك أن توجد في المجلس التأسيسي السابق- الذي وضع الدستور- وفي مجلس النواب الحالي نسبة كبيرة من النواب دون مستوى شهادة البكالوريا، بما يعنيه ذلك من تدني المستوى إلى الابتدائي فقط أحيانا، وكلما كان المستوى الثقافي أَنْزَلَ كانت التبعية للحزب أقوى والتقيد بإملاءات القيادة أشدّ. وليست تونس في هذا في الحقيقة بدعا لأننا نجد ما يشبه حالتنا في بلاد قريبة منا.

على أن ما يزيد صلاحيات رئيس الحكومة تعقيدا وتقييدا هي هذه الوثيقة التي سميت “وثيقة قرطاج” والتي حددت مهام ما سمي بحكومة الوحدة الوطنية. وقد اشتملت على ستة محاور تمثل كلها البرنامج الذي ينبغي للحكومة أن تطبقه، وأهم هذه المحاور “كسب الحرب على الإرهاب”، و“تسريع نسق النمو لتحقيق أهداف التنمية والتشغيل”، و“مقاومة الفساد”، و“التحكم في التوازنات المالية”، و“إرساء سياسة خاصة بالمدن والجماعات المحلية”، و“دعم نجاعة العمل الحكومي واستكمال تركيز المؤسسات”. ولا يخفى ما في بعض هذه الأولويات من “تصورات” فضفاضة لا تتحقق نتائجها بيسر.

ثم إن المدة الافتراضية المعطاة للحكومة لتحقيق هذه الأولويات هي أربع سنوات تقريبا- من سنة 2016 إلى سنة 2019- من المفروض أن تعمل فيها الحكومة دون منغصات خارجية من “الشركاء” السياسيين والاجتماعيين الممضين على الوثيقة، ولكن المنغصات قد بدأت مع تشكيل الحكومة الأولى وخاصة من الحزبين الأغلبيين في مجلس النواب نداء تونس والنهضة. فإن نداء تونس يريد أن يكون تمثيله في الحكومة قويا وأن تقبل الأسماء التي يرشحها، أما النهضة فهمها الأول ألا يدخل الحكومةَ شخصٌ لا توافق عليه، أي ينبغي أن يكون إما من الموافقين على “حماقات” الترويكا السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية وإما من غاضّي الطرف عنها.

وقد تواصلت التنغيصات بعد تشكيل الحكومة في يوليو 2016: ومنها ما جاء من حزبي النداء والنهضة وخاصة في موقفهما من الحرب على الفساد التي كانت من محاور وثيقة قرطاج الأساسية، أما النداء فقد اعتقدت قيادته أن الغاية من هذه الحرب هي إضعاف الحزب، وبدأت تناصب يوسف الشاهد العداء لأن من ملفات الفساد التي فُتِحَتْ ما يتعلق ببعض أعضائه. وأما النهضة التي تعترض على فتح أي ملف فساد من ملفات أتباعها منذ فترة الترويكا إلى اليوم فقد بلغ بها الحنَقُ درجة تهديد راشد الغنوشي لرئيس الحكومة بنزع الثقة عنه ومطالبته له بأن يتعهد بعدم الترشح للانتخابات الرئاسية سنة 2019، وهي مطالبة كشفت الدرجة المتدنية لإيمان الجماعة الإسلامية بالديمقراطية وبأحكام الدستور.

ويتضح من موقف الحزبين مما يقوم به رئيس الحكومة في حربه على الفساد أنهما كانا قد أمضيا على وثيقة قرطاج ومن أولويّاتها الحربُ على الفساد وهما يعتقدان أنهما منيعان محَصَّنان غير معنيين بهذه الحرب لأنهما فوق المحاسبة وفوْق القانون. على أن اتحاد الشغل، وهو من المنظمات الوطنية الممضية على “الوثيقة” أيضا، لم يبخل على رئيس الحكومة بالتنغيص إذ كان تدخله في سير الحكومة سافرا برضوخ قيادته لـ”شطحات” نقابات التعليم وتسبُّبه في إقالة وزير التربية ناجي جلول.

عوض أن تُتْرَكَ لرئيس الحكومة حريتُه التي يضمنها له الدستور في اختيار أعضاء حكومته من الكفاءات الوطنية، فقد تدخل حزبا النداء والنهضة من جديد لإرباك عمله

وليست هذه التنغيصات في الحقيقة جديدة بعد انتخابات 2014 لأن رئيس الحكومة السابق الحبيب الصيد قد عانى منها أيضا سواء من النهضة التي فرضت عليه إقالة وزير الشؤون الدينية عثمان بطيخ، أو من اتحاد الشغل الذي تسبب في إقالة وزير الصحة سعيد العايدي، أو من نداء تونس الذي كان المحرّض الرئيسي على إقالة الحبيب الصيد نفسه لأنه لم يستجب لطلبات قيادته.

واليوم يعاد نفس سيناريو 2016 تقريبا. فقد تبين لرئيس الحكومة أن الوقت قد حان لإجراء تحوير وزاري في حكومته، سواء لسد الشغور في الوزارات التي خلت من وزرائها، أو لتعويض الوزراء الذين لم يحققوا في وزاراتهم ما يرضي من النتائج، بل إن منهم من كانت نتائج عمله سيئة مثل وزير الصناعة والتجارة زياد العذاري. وعوض أن تُتْرَكَ لرئيس الحكومة حريتُه التي يضمنها له الدستور في اختيار أعضاء حكومته من الكفاءات الوطنية، فقد تدخل حزبا النداء والنهضة من جديد لإرباك عمله، وأول سبب للإرباك هو اختلافهما طولا وعرضا على طبيعة التحوير. فإن النداء يريده تحويرا شاملا يستفيد منه أكبر عدد ممكن من أتباعه بدعوى أنه الحزب الأغلبي الأول وأن الحديث عن “حكومة كفاءات وطنية” لا معنى له بل الأجدى أن تسند المناصب الوزارية إلى “سياسيين”- أي متحزّبين- حسب “محاصصة” حزبية يتفق عليها بين من تبقى من الممضين على وثيقة قرطاج.

وهذا الطرح يعني أن البلاد ليست في حاجة إلى الكفاءات الوطنية سواء كانت مستقلة أو متحزبة، بل هي في حاجة إلى السياسيين المتحزبين بغض النظر عن كفاءتهم.

وأما حركة النهضة فتريد أن يُكْتَفَى في التحوير بسد الشغور في الوزارات الثلاث المعنية وأن يُبقى على الوزارات الأخرى، وذلك يضمن لها الإبقاء على أمينها العام في وزارة الصناعة والتجارة وتجنبَ الإتيان بوجوه جديدة قد يكون منها المناوئ لها الراغب في فتح المغلق من ملفات الفساد المتعلقة ببعض أتباعها. ومن الأخبار المسربة أنها بدأت “المناورة” مع سمير الطيب وزير الفلاحة واعدة إياه بتأييد بقائه في وزارته إن هو تعهد بعدم فتح ملفات وزير الفلاحة في عهد الترويكا القيادي فيها محمد بن سالم.

والخلاصة أن الحزبين الأغلبيين لا تعنيهما مصلحة البلاد بقدر ما تعنيهما مصالحهما الخاصة؛ وأنهما يعتبران رئيس الحكومة- رغم الصلاحيات الواسعة التي منحها له الدستور- موظفا إداريا لديهما يأتمر بأوامرهما ويقف عند الحدود التي يسطرانها له. إنها الديمقراطية عندما تكون عرجاءَ في بلد متخلف يغلب على سياسييه التحزب الانتهازي.

كاتب وجامعي تونسي

9