تونس التي تفادت الوقوع

الاثنين 2014/11/03

المسألة اختصرها المفكّر التونسي هشام جعيطّ عندما تساءل “إذا كانت هذه هي النهضة فكيف يكون الوقوع ؟” واليوم بعد تراجع حظوظ إخوان تونس في الهيمنة على البلاد التي اعتبروها غنيمة مهيّئة ولقمة سائغة، وحسبوها هدية بابا نوال لهم في ظل ما يسمى بالربيع العربي، من حقّنا أن نتقدّم بالتعازي لمن لوّن ودوّن وموّن وموّل وجهّز وزيّن وزخرف وأفتى واعتقد أن تونس باتت حديقة خلفية لخلافته الوهمية، ومن ظنّ في غفلة من الزمن أنه وضع يديه على طول الخط من غزة إلى قرطاج مرورا بالرمال والجبال والسواحل والصحارى والحدائق والبساتين والمدن والأسوار والشوارع والبشر.

ومن كان يعتقد أنه سيربط خطّا بحريّا مباشرا من حلق الوادي إلى اللاذقية مرورا بطرابلس والاسكندرية لنقل الجهاديين والجهاديات في معركة تحرير الأمة العربية من شعوبها ودولها وسلطاتها الشرعية وتحويلها إلى غنيمة لأردوغان وبقايا بني عثمان ومن تبعهم بالتدبير والتمويل وساندهم بالمتابعة الخبرية والتحليل.

ومن تابع بعض القنوات الإذاعية والتليفزيونية والصحف الورقية والمواقع الالكترونية والصفحات الاجتماعية لابدّ أنه لاحظ تلك التعبيرات العلنية عن الخيبة الاخوانية، والتي اختصرت الشعب التونسي في الأزلام وفلول النظام والماكينة التجمّعية، وظنّت أن التونسيين كانوا في ظلال مبين إلى أن جاءتهم الهداية على أيدي الإخوان المسلمين، وأن هذا الشعب المسكين واقع تحت سيطرة العلمانيين، وأن من فازوا في الانتخابات واقعون في كفر عظيم كما صرّح بذلك وجدي غنيم، الذي يكذب أكثر مما يتنفّس، حتى أنه ادعى أن التونسيين يشربون الخمور تحت المساجد للتشويش على الصلوات، وأنهم استقبلوا راشد الغنوشي يوم عاد إلى تونس بالمايوهات، والرجل معذور فيما ادعى، فقد رد عليه التونسيون بقوّة يوم جاءهم تحت رعاية الإخوان، ليدعوهم إلى تبني مشروع وطني لختان البنات، ثم جاء واحد من أتباعه ليلقي محاضرات حول الطرق الشرعية في غسل ودفن الأموات، ثم جاء ثالث ليطرح مشروع فرض الحجاب على البنات الصغيرات حتى وهنّ رضيعات تمهيدا لمشروع تزويج القاصرات في قادم الأوقات.

والواقع أن كل تلك المحاولات باءت بالفشل، ممن جعل الإخوان يسألون: ما العمل؟ خصوصا وأن الزمن لا يعود إلى الوراء، والعاقل لا يتأثّر بالهراء، والناس أدركت أن الدين عند الإخوان المتأسلمين ليس أكثر من أداة للسلطة والثراء والتحكّم في الفقراء، وتحويل مشاكلهم الاقتصادية والاجتماعية إلى رقص على النزوات وتحريك للشهوات وكذب على الأحياء والأموات، وتركيز الخطاب على اللحية والحجاب، والتأكيد على أن مشاكل الأمة “الحرّة” تكمن في ما بين الركبة والسرّة، وأن العاطلين عن العمل البؤساء سيبقون بؤساء ما دامت الدولة تقبل بتشغيل النساء. وعندما نظر التونسيون من حولهم وعرفوا أن مجتمعهم في خطر، وأن مشروع الإخوان ليس من القضاء والقدر، كان لا بدّ لهم من مفرّ، فاختاروا أن يفشلوا المشروع، حتى لا تكون النهضة طريقا للوقوع.

24