تونس الجديدة أعادت رسم مسارها على أنقاض من حاولوا اختطاف حلمها

الاثنين 2014/11/10
فوز نداء تونس في التشريعية كان منتظرا لأنه يحمل المشروع الحداثي الذي تجذر لدى عموم التونسيين

تونس – النجاح الذي أحاط بالاستحقاق الانتخابي التشريعي الأخير الذي جرى في تونس، والذي فاز فيه العلمانيون بأغلبية المقاعد البرلمانية، رافقته -شأن أيّ نجاح من هذا القبيل- دعوات ومزاعم التشكيك قصد ضرب مصداقيته، خاصّة من طرف الإسلاميين الذين اختار التونسيون إبعادهم عن السلطة عن طريق الصندوق. تشكيك طال إرادة غالبية التونسيين الذين أعادوا “ثورتهم” إلى طريقها السليم، بشهادة العالم بعد أن كادت تفتك بها مشاريع الإسلام السياسي، فاُتّهموا من ثمة في مشهد “كاريكاتوري ساذج” بالاصطفاف خلف قوى “الثورة المضادة”.

بحصوله على 86 مقعدا، فاز حزب “نداء تونس” العلماني بالانتخابات التشريعية الأولى التي تعيشها تونس منذ تخلصها من نظام زين العابدين بن علي في 14 يناير سنة 2011. وقد سجّلت عملية الانتخاب نسبة مشاركة في التصويت قاربت الـ60 في المئة من الناخبين. وهي نسبة مشاركة لا بأس بها، وإن كانت لا تتناسب مع النسبة المرتفعة المسجلة في انتخابات المجلس التأسيسي قبل ثلاث سنوات. حيث يمكن تبرير ارتفاع هذه النسبة حينها إلى تعطّش طال أمده لممارسة حق الانتخاب بعد عقود من الحجب والإقصاء. وما اعتبره البعض عزوفا عن المشاركة في العملية الانتخابية الأخيرة، يمكن أن يُعتبر تطورا طبيعيا لمسار سياسي اعترته نسب متفاوتة من الخيبة والإحباط، نتيجة حكم البلاد من قبل حركة النهضة المحسوبة على الإخوان.


من صعد ومن نزل؟


الفوز الذي حققه “نداء تونس”، ومن ورائه المشروع الوطني الذي يضمن للتونسيين نمطهم المجتمعي الحداثي، وقابلته خسارة وتقهقر لحركة النهضة الإسلامية (الإخوانية)، بعد أن لفظها الشعب التونسي، أعادها إلى حجمها الطبيعي، خاصة بعد خسارة الإخوان قبلهـا في انتخابات ليبيا، وإزاحتهم في مصر عن سدّة الحكم بفعل ثورة شعبية عارمة، أعاد تشكيل المشهد السياسي المقبل لتونس، وأعاده إلى السير على قدميه بعد أن كان يسير على رأسه، وفق محللين.

قبول حركة النهضة بنتائج الانتخابات في العلن لن يحول دون تعويلها على ألاعيب أخرى في الخفاء لضرب مصداقيتها

كما يرى سلام الكواكبي، من جهته، في نص صدر له بـ”موقع مبادرة الإصلاح العربي”، أنّ نتائج الانتخابات كشفت كذلك عن خسارة قاسية لحزبي “التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات” و”المؤتمر من أجل الجمهورية”، اللذين كانا يشكلان “الترويكا” الحاكمة رفقة حركة النهضة الإسلامية في السنوات الثلاث الماضية، واللّذين دفعا على ما يبدو ثمنا باهظا لتحالفهما غير المؤثّر مع “حركة النّهضة”.

كما برزت النتيجة الجيدة نسبيا لحزب “الجبهة الشعبية” الذي حصل على المرتبة الرابعة.

وساعده على ذلك، تضافر جهود القوى اليسارية مع التيارات القومية سعيا لإبعاد “نداء تونس” عن الاستقطاب في أوساط جمهورهما.

إضافة إلى كون الجبهة هي أكثر قوة سياسية تعرّضت للعنف المباشر في مرحلة التخبّط الأمني التي تلت انهيار النظام السابق، وزمن حكم الإسلاميين، ممّا أدى إلى اغتيال قياديّين لديها هما شكري بلعيد ومحمد البراهمي، وممّا ساهم بالتالي في تأجيج التعاطف الشعبي معها حتى في الأوساط غير اليسارية أو في أوساط “يسار الصالونات” التي كانت بعيدة كل البعد عن أجواء “الجبهة” الفكرية والنضالية.


هل كانت النتائج مفاجئة؟


إن هزيمة “النهضة” وفوز “النداء” وصعود “الاتحاد الوطني الحر” و”الجبهة الشعبية”، لم تُشكّل في مجملها مفاجأة لمتابعي المشهد التونسي واستقطاباته منذ سقوط نظام بن علي.

وجه من الانتخابات: كمال مرجان
* ديبلوماسي ورجل سياسة تونسي شغل مناصب حكومية في نظام الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، كوزير دفاع ثمّ كوزير للخارجية.

*درس الحقوق و حصل على دبلوم المعهد العالي للدراسات الدولية بجنيف، كما أنه حاصل على دبلوم جامعة وسكنسون الأميركية ودبلوم أكاديمية الحقوق الدولية بلاهاي.

* اعتبر في نهاية حكم زين العابدين أحد أبرز المرشحين لخلافته بالنظر لما يكتسبه وما يتمتع به من خبرة وعلاقات دولية.

* بعد الثورة تفاعل مع الحراك السياسي الجديد، وأسس حزب المبادرة سنة 2011، بعد أن قدم اعتذارا للشعب التونسي. وتحول حزب المبادرة إلى أحد أكبر أركان البيت الدستوري (إحالة على الأحزاب السياسية التونسية التي تتبنى الفكر البورقيبي).

* تحصل حزبه على 5 مقاعد في انتخابات 23 أكتوبر 2011، كما حصل على 4 مقاعد في الانتخابات الأخيرة، بما يعني أنه حافظ تقريبا على نفس امتداده الانتخابي.

وعموما، ومن خلال تجارب عديدة في تاريخ مسارات التحوّل السياسي، فإنّ الحزب الذي يسعى إلى الهيمنة على السلطة بعد ثورة يجد نفسه خارج الواقع والتاريخ يكنس بقايا الصحون المحطمة ويحرق الإصبع تلو الآخر في عملية التحوّل التي تُعلّق عليها الجماهير آمالا ضخمة.

وبشكل أكثر تحديدا، يبدو أن الإدارة السيئة للشأن العام من قبل قادة “حركة النهضة”، وكذلك محاولة استئثارهم بالسلطة من خلال السعي إلى السيطرة على بعض القطاعات المؤثّرة، وكذلك التغاضي عن بروز التطرف والعنف والإرهاب في مراحله الأولى ومحاولة استيعابه ومن ثم مقاومته في مراحل لاحقة، إضافة إلى أزمة اقتصادية خانقة لم تفلح الخطوات المرتبكة غير المدروسة في تجاوزها، أدت مجتمعة بالإضافة إلى عوامل أخرى عديدة إلى انعدام ثقة الشعب في النهضة وانحسار الدعم الشعبي “النسبي” لها.

علما أن هذا الدعم كان قد ضمّ سابقا، وفي انتخابات المجلس التأسيسي، عددا من المستقلين (الذين لم يفكروا كثيرا وربما لم يكونوا على علم بتاريخ الحركة ومشاريعها والجهات الخارجية التي ترتهن إليها بالقرار، ولم يقدّروا جيّدا خطر مشروع الإسلام السياسي عموما) وجدوا في مناصرة “النهضة” خروجا عن مألوفٍ أيديولوجيّ، وانتقاما من فساد سياسي سابق، لكنها جازتهم بما هو أشدّ وطأة وخطرا؛ بمشروع إخواني مستورد خارج عن الزمان والمكان، بالإضافة إلى أنه لم يقطع مع الفساد، فهو يهدف إلى طمس أحلامهم نحو الانعتاق والتحرر والديمقراطية، وفق مراقبين.


هل هي ثورة مضادة؟


إن اعتبار بعض المحللين، خاصة أولئك الذي غاضتهم هزيمة “إخوان تونس” عن طريق الانتخاب الحر والشفاف والمباشر وفق مراقبين، أنّ التركيب الجديد لمقدمة المشهد السياسي وكأنه يُشكّل عودة إلى ماض قريب أو انتكاسة للثورة أو ثورة مضادة، هو تسرّع وتبسيط تحليلي ساذج لا مبرّرات له من الأساس. ورغم أنه يبدو ناجما في ظاهره عن تأثّر عميق بإحباطات بعض المشاهد المجاورة الأخرى، كما بالمآلات العنيفة للمشهدين الليبي والسوري، إلاّ أنه في أتونه نابع من “تحريض إخواني” لطالما أشار إليه مراقبون، مؤكدين أنّ قبول حركة النهضة بنتائج الانتخابات في العلن (لأنها لا تستطيع أن تشكك في قانونيتها) لن يحول دون تعويلها على ألاعيب أخرى في الخفاء لضرب مصداقيتها.

كما أن اعتبار البعض بأنّ حزب “نداء تونس” لا يعدو عن كونه إلاّ استعادة للنظام القديم أو ترجمة لعودة “الدولة العميقة”، يُنبئ بضعف المعرفة بالتاريخ والحراك السياسي والاجتماعي العريق لتونس.

فهذا الحزب السياسي، بما يحتويه من مكونات غير متجانسة أيديولوجيا، ما هو إلا تعبير عن تحالف لقوى وطنية استعادت الدفّة من حزب النهضة (المحسوب على الإخوان) والذي أثبت نيته للسيطرة على مفاصل الدولة في أحيان كثيرة وحاول الاستفراد بالحكم من أجل تغيير النمط المجتمعي لتونس، وفق مراقبين. وما حصل في تونس من ثمّة هو تصحيح للمسار الديمقراطي الذي انتهجته وليس ثورة مضادة بالمرّة، وهو استعادة لحلم كادت أن تخطفه مشاريع الإسلام السياسي وتفتك به إلى الأبد.


أي القوى أقرب للتحالف مع النداء؟


رغم انتصار “نداء تونس” الذي يضم نقابيّين ومثقفين وأكاديميين من اليسار ومن اليمين تعدّدت خلفياتهم الفكرية والأيديولوجية لكن جمعهم إنقاذ النموذج المجتمعي التونسي الحديث، ورفضهم للإسلام السياسي بكافّة تشكّلاته وتلويناته، إلاّ أن هذا الحزب سيحتاج إلى تحالف مع قوى سياسية أخرى للتمكن من الحصول على الأغلبية التي تسمح له بتشكيل حكومة مستقرة. وهذا التحالف يمكن أن يكون مع “الجبهة الشعبية”.

فوز النداء، ومن ورائه المشروع الوطني الذي يضمن للتونسيين نمطهم المجتمعي الحداثي، قابلته خسارة وتقهقر للإسلاميين

ورغم أنّ المنطق يقول إنّ “الجبهة الشعبية” لن تقبل الدخول في تحالف مع “النداء” للاختلاف الجذري في الرؤى الاقتصادية والاجتماعية، إلاّ أنّ التطوّرات الدراماتيكية والمصلحة الوطنية العامة التي فرضت تقاربا بين هذين الشقين في السابق لإجبار النهضة عن التخلي عن الحكم وصدّ مشروعها “المشبوه” الذي لم يجد قبولا من قبل عموم التونسيين، وفق متابعين للشأن التونسي، ربّما تسمح بإعادة تلك التجربة ثانية من موقع الحكم، و”الجبهة” من ثمّة مؤهّلة للعب دور هام للغاية من موقع متقدّم، ربما هو دور “الشريك الحارس”، في مراقبة السياسات الاجتماعية والاقتصادية التي ستتبناها أي حكومة قادمة قصد التعاضد والتعاون على تصويبها بما يخدم مصلحة التونــسيين، وفــق ذات المتابعين.

أمّا في ما يتعلق بإمكانية تحالف “النداء” مع “النهضة”، فهذه الفرضية بعيدة كلّ البعد عن الواقع، ولا أساس لها في التاريخ، خاصّة أنّ “النداء” واع أشدّ الوعي، بخطورة مشروع الإسلام السياسي، ومدرك أنّ الشعب الذي عاقب حزبا “التكتل” و”المؤتمر” لتحالفهما القائم على المصلحة مع “النهضة”، لن يتورّع في معاقبته لاحقا إذا ما أخطــأ وأعــاد نفــس الخــطأ القاتل.

فـ”حركة النهضة” خصوصا والإسلام السياسي عموما، الذي نال ثقة شعبية نسبية بعد انتفاضات ما سمي بـ”الربيع العربي” ظنّها أبديّة وكشف على إثرها على وجهه الحقيقي الرافض لكلّ مظاهر التقدّم، لم يعد لهما، وفق ذات المراقبين، مكان في قلوب تلك الشعوب ولا في مراحل التاريخ اللاحقة، فالتاريخ يحتمل مرات عديدة لكنّه يلفظ مرّة واحدة وإلى الأبد.

6