تونس: الحكومة النائمة

الجمعة 2016/09/16

لا شيء يدل على أن هناك حكومة جديدة في تونس تشارك فيها 5 أحزاب وتدعمها تسعة أحـزاب أخرى، وثـلاث منظمـات وطنيـة كبـرى، وتحظى بأغلبية نيابية تجـاوزت ثلاثة أرباع أعضاء مجلس نواب الشعب.

لعل رئيس الجمهورية، الباجي قائد السبسي، حين أطلق مبادرة حكومة الوحدة الوطنية كان يفكر بعقلية رئيس جمعية كرة قدم تدهورت نتائج فريقه، فعمد إلى ما يسمى بلغة كرة القدم إحداث الرجة الإيجابية في الفريق بتغيير المدرب وعدد من اللاعبين.

ولكن أحيانا تكون الرجة إيجابية وأحيانا أخرى تكون وخيمة. ولا مؤشر يرجح أن التغيير الحكومي في تونس كان إيجابيا إلى حد الآن. فلا يشعر أحد في تونس بأن رأس السلطة التنفيذية وأغلب الوزراء قد تغيروا، إذ أنهم اكتفوا باحتلال مكاتب أسلافهم. أما تونس فقد استعادت الروتين القديم المتمثل في انفصال ممثلي السلطة عن الشعب الذي تستمر عناوين معاناته كلها.

رئيس الحكومة الجديد ووزراؤه معذورون، فهم يفتقدون للتجانس في ما بينهم أولا ويفتقر أغلبهم إلى الدراية بالحقـائـب التي يتـولـونهـا، ويعـاني مجملهـم مـن نقـص فـادح في التكـوين الإداري والمالي وهـو الشـرط الضـروري للتسيير. لهذا سيظل رئيـس الحكومـة ووزراؤه في مكـاتبهم يتحسسون الملفات مرتجفين من المفـاجآت، معـولين على الطـاقم الإداري المتوفر في الوزارات التي يشرفون عليها لينجز المهام، في ما يردد السادة الـوزراء وهْم كونهم يرسمون السياسات العامة.

رئيس الحكومـة يـوم تكليفـه وضـع لنفسـه مهـام منهـا العاجـل مثـل البيئة والنظافة، ومنها الاستراتيجي كالتنمية وحمـاية الاقتصاد. وجـاءت اختبـارات سريعة لم نر فيها أي نية لرئيس الحكومة في تنفيذ ما كلف به نفسه. من ذلك ازدياد تدهور الوضع البيئي في تونس، وتراكم الأوسـاخ والفضلات في المدن أيام عيـد الأضحى دون أن تكـون الحكومـة قد أعـدّت أي خطة لحمـاية الشـوارع والإقـامات والـمدن مـن تراكـم الفضـلات أيام العيـد. وهـذا وضع متكرر كان يمكن الاستعداد له والتوقي منه.

لا يبدو أن لحكومة الشاهد أي خطة لمواجهة الطوارئ الكبرى. رأينا ذلك في محافظة القصرين منذ أيام في فاجعة الحادث المروري في سوق أسبوعية (في منطقة خمودة) أين زكمت الأنوف رائحة الشواء الآدمي من لحم المفقرين وأبناء الشعب الكادح. فشلت الحكومة في الاختبار ولم تنجح في التدخل السريع والتقليل من الخسـائر. ولكن الفشل الأكبر بدا على الوزراء الذين تميز تفاعلهم مع الحادث بطريقتين؛ إما بالصمت والغياب، وإما بالحضور البروتوكولي المتعجل.

دلف الوزراء إلى مكاتبهم ولم يخرجوا إلى اليوم ليخدموا شعبهم الذي يدفـع تكـاليفهم الباهظة مـن دمه فيمـا تستمـر خسـائـره. مـن هـذه الخسـائـر التـي تـدل علـى عجـز الحكومـة أمام أبسـط المشـاكـل إهدار حوالي 3600 هكتار مـن الأراضي الفـلاحية السقـوية في منطقـة سجنـان المـفقـرة بجهة بنـزرت وتعـطيلهـا عـن الإنتــاج بسبـب عجـز الفلاحين الصغار عن دفع معلوم الكهرباء للشـركة الوطنية للكهرباء والغاز مقابل تزويدهم بالماء الصالح للري.

قطعت الشركة الكهرباء حتى دفع الفاتورة فتوقف تدفق الماء فبارت الأرض. فنزح السكان إلى أحواز مدينة بنزرت والمدن القريبة منها وحتى البعيدة بحثا عن الخلاص فلم يجدوه وإنما زادوا في تعميق مشاكلهم وأزمة المدن إذ راكموا العطالة وكثرت المشاكل الأمنية والاجتماعية. هكذا تضيع الثروة في البلد بسبب نوم الحكومة وعجزها عن التدخل في مختلف المشاكل وافتقارها لخطط للطوارئ.

3600 هكتار في منطقة فلاحية أرضها تتوفر على أغنى أنواع التربة تكفي لإعالة تونس وليبيا معا من الخضر أهدرت وتركت بورا بسبب 3 ملايين دينار تونسي (أقل من 1.4 مليون دولار). في منطقتي سجنان وجومين (في محافظة بنزرت) المفقرتين ثروة مائية هائلة تسقي التونسيين شمالا وجنوبا وتحمي أمنهم المـائي بما تحتويه من بحيرات مائية ضخمة. هذه الثروة عزّت على أهلها فحرموا من موطن رزقهم وحرم الشعب التونسي من ثروته.

الغريب أن الفلاحين تونسيون وأن الأرض تونسية وأن شركة الكهرباء وطنية تونسية ولا يوجد أي طرف أجنبي في هذه الوضعية، ولكن الإشكال تغافلت عنه السلطات وتُرِك الفلاحون لمصائرهم ولم تسع السلطات للتدخل لجدولة ديون الفلاحين ولتحول دون تعطيل الإنتاج.

في أغلب مشكلات الاجتماعية لا سيما في القطاعات العمومية، كالتعليم والصحة والنقل أو مشكلات تعطيل الإنتاج في البعض من المؤسسات الصناعية، تُتّهم النقابات والاتحاد العام التونسي للشغل ولكن في الوضعيات الإنتاجية الفلاحية لا توجد نقابات ولا أي طرف يمكن أن تعلق عليه الحكومة فشلها في إدارة الملف. وإنما المتهم هو البيروقراطية الإدارية وفقدان التضامن المؤسساتي بين أجهزة الدولة، وتهرؤ البنية المركزية للنظام، وتباعد الشقة بين المركز والجهات.

ومع ذلك لا شيء يدل على وعي الحكومة الجديدة بمآزق المركزية التي تكبّل تونس وتعيق شعبها عن التقدم وتمنعه من تحقيق التنمية التي يصبو إليها. وللتذكير فإن رئيس الحكومة كان وزيرا للشؤون المحلية في حكـومة الحبيب الصـيد وكـان هو مهندس القانون الانتخابي للانتخابات المحلية والجهويـة. وكان يذيع الفيديوهات من وزارته باستمرار حول تقدم إنجاز القانون.

ولكنه صمت الآن في موقعه الجديد. وقانونه لم يُعرض بعد على مجلس نواب الشعب وهو المطالب بتطبيق الدستور لا سيما في ما يتعلق بتركيز السلطات التي نص عليها ومن أهمها السلطة المحلية والجهوية ضمن قاعدة اللامركزية واللامحـورية. بـل يبـدو أن هنـاك قـرارا اتخـذ بتـأجيل مـوعد الانتخابات المحليـة التي كانت مبرمجة لشهر مارس من العام 2017.

نزيف آخر يقصم ظهر الشعب التونسي ويكشف عن عجز منظومته التشريعية الاقتصادية الحالية عن حمايته ويتمثل في الإغلاق الفجئي لبعـض المصانع وهروب رأس المال الأجنبي دون سابق إنذار ودون أن تجد السلطة القدرة على منعه من ذلك. حدث هذا مثلا مع مصنع هولندي في جهة منزل جميل بجهة بنزرت أغلق بعد عقود من استغلال اليد العاملة التونسية وتوظيف المنظومة التشريعية للإثراء ومراكمة الثروة التي كانت غالبا ما تغادر إلى الخارج مع صاحبها.

أغلق المصنع دون سابق إنذار ولم يفتح أبوابه من جديد بعد العطلة الصيفية وترك 400 عائلة للمجهول. والأمر نفسه وقع في جهات متعددة مثل مساكن بجهة سوسة والسواسي بجهة المهدية ومناطق الجنوب التونسي.

وهذه من مشكلات المتكررة وكان لا بد من إعداد خطط للطوارئ العاجلة في هذا المجال في انتظار العمل على تغيير مجلة الاستثمار والمنظومة التشريعية الاقتصادية بما يحمي الطبقات الضعيفة من عمال وفلاحين ويشجع رأس المال الـوطني على الاستثمار. ولكن يبدو أن الاتجاه الحكومي يسير نحو المزيد من الانصيـاع لـدوائر المـال الأجنبية والضغط على الطبقة العاملة ومضاعفة التسهيلات الجبائية والبنكية والإدارية والتملكية لرأس المال الأجنبي على حساب مصالح الشعب التونسي. ويستمر نوم الحكومة.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

9