تونس.. الشاهد يقترب من استنزاف كافة أوراقه السياسية

في ذروة الخلافات التي تصاعدت مع اقتراب موعد الحسم، تدفع كل الدلائل نحو الإقرار بأن حكومة الشاهد قد دخلت في أزمة سياسية تزايدت فيها النيران الصديقة التي تكفي خصومها عناء القضاء عليها.
الخميس 2018/05/24
الشاهد ما زال في جعبته المزيد من الأوراق

احتدمت المناورات السياسية في علاقة بالسجال الدائر منذ أسابيع حول بقاء أو رحيل رئيس الحكومة التونسية يوسف الشاهد، في مشهد أعاد إلى الأذهان الحراك السياسي والحزبي الذي رافق تنحية سلفه الحبيب الصيد في خريف العام 2017.

ولا يبدو أن تلك المناورات التي عكست صراع إرادات بين مراكز النفوذ، ستتوقف قريبا، رغم المؤشرات التي تتالت تباعا حول اقتراب هذا السجال من مربع الحسم.

وكشفت اجتماعات لجنة خبراء وثيقة قرطاج 2 التي تمت الثلاثاء، أن تلك المناورات لن تهدأ، حيث سعت أطراف الصراع إلى الاستظهار بأوراق سياسية جديدة لتحسين موقفها التفاوضي، ولتحقيق أكبر قدر من المكاسب في سياق حساباتها لموازين القوى.

واتخذت تلك الأوراق السياسية أشكالا مختلفة، تبدأ بـ“غموض مدروس” تمارسه حركة النهضة، يقابله “تذبذب” لدى حركة نداء تونس، يخفي ارتباكا داخليا، ولا ينتهي عند “وضوح” الموقف بالنسبة للاتحاد العام التونسي للشغل، مرورا بـ“غموض” يوصف بـ“البناء” لدى بعض الأحزاب والمنظمات منها حزب المبادرة والاتحاد الوطني للمرأة.

ووسط هذا المشهد، سعى رئيس الحكومة يوسف الشاهد إلى الاستفادة من التباينات في الآراء والمواقف، عبر التلويح بين الحين والآخر بأوراق سياسية ليعمق الخلافات داخل أطراف وثيقة قرطاج، كان آخرها التسريبات التي تفيد بأن حافظ قائد السبسي نجل الرئيس الباجي قائد السبسي شدد الثلاثاء خلال اجتماع وثيقة قرطاج على ضرورة رحيله.

وتردد صدى تلك التسريبات بشكل واسع في وسائل الإعلام، ولدى الأوساط السياسية، والحال أن السبسي الابن لم يكن حاضرا في ذلك الاجتماع الذي انتهى بانقسام المشاركين بين مؤيد ورافض للبت في مسألة رحيل الشاهد.

واتضح بعد ذلك أن دوائر من محيط رئيس الحكومة هي التي تقف وراء تلك التسريبات، وذلك في سياق ورقة سياسية هدفت إلى إرباك المشاركين في اجتماع الثلاثاء، الذين انقسموا بعدها إلى فريقين الأول يتكون من 4 أطراف، ويطالب بالتنصيص في وثيقة قرطاج 2 على رحيل الشاهد، والثاني من 5 أطراف ويطالب بالتريث، وترحيل هذا الأمر إلى اجتماع قادة ورؤساء الأطراف المعنية بوثيقة قرطاج المقرر عقده الجمعة برئاسة الباجي قائد السبسي.

واستطاع الشاهد بهذه الورقة، تحويل مسألة رحيله أو بقائه رئيسا للحكومة إلى خلافات شخصية بينه وبين السبسي الابن، وبالتالي دق إسفين بين السبسي الابن وبقية أطراف وثيقة قرطاج التي ليست في وارد التسليم بدور سياسي كبير لنجل السبسي في هذه المرحلة التي تستعد فيها البلاد لاستحقاقات انتخابية هامة.

وأكثر من ذلك نجح الشاهد الذي يدرك أنه وحكومته نتاج آلية وثيقة قرطاج، في الدفع بمسألة بقاء حكومته إلى مربع الرئيس الباجي قائد السبسي الذي أصبح في موقف محرج، بمعنى أنه إذا ما أيد رحيل الشاهد، فسيُنظر إلى ذلك على أنه استجاب بل رضخ لمشيئة ابنه، وإذا ما رفض سيجد نفسه في مأزق آخر خاصة وأن أطرافا وازنة في المشهد السياسي تصر على هذا الرحيل.

ويبدو أن قادة حركة نداء تونس تفطنوا إلى الأبعاد السياسية لورقة التسريبات، وحاولوا تفكيكها للتقليل من وطأتها، عبر التأكيد على عدم وجود “خلافات شخصية” بين الشاهد والسبسي الابن، وصولا إلى اتهام الشاهد ضمنيا بمحاولة تعكير أجواء اجتماعات آلية وثيقة قرطاج، وبالتالي إطالة أمد الأزمة السياسية التي تمر بها البلاد.

وسيطرت تفاعلات هذا المشهد المعقد على التحركات والاتصالات والمشاورات المكثفة التي جرت ليل الثلاثاء-الأربعاء، استعدادا لاجتماع الجمعة المقبل، وسط خشية متصاعدة من استمرار المناورات السياسية التي تستهدف إبقاء الباب مفتوحا على جميع الاحتمالات الممكنة.

ولا تخفي بعض الأوساط السياسية قلقها إزاء هذا المشهد، وترى أنه مازال في جعبة يوسف الشاهد المزيد من الأوراق التي قد تفسد حسابات خصومه، وتفقدهم التوازن في هذه المعركة، في حين ترى أوساط أخرى عكس ذلك، وتعتبر أن الشاهد استنزف كافة أوراقه السياسية التي مكنته خلال الأسابيع الماضية من هامش واسع للمناورة، وامتصاص الضربات السياسية المتتالية التي تلقاها.

وفي ذروة هذه الخلافات التي تصاعدت مع اقتراب موعد الحسم، تدفع كل الدلائل نحو الإقرار بأن حكومة يوسف الشاهد قد دخلت في أزمة سياسية تزايدت فيها النيران الصديقة التي تكفي خصومها عناء القضاء عليها.

وعليه يبدو المشهد في نظر الكثير من المتابعين لتطورات الشأن التونسي، أقرب إلى رقصة الديك المذبوح التي تفتح بصخبها البلاد على صفحة جديدة من الحسابات والمعادلات التي قد تعيد إنتاج أزمة العام 2017 التي انتهت برحيل الحبيب الصيد، والإتيان بيوسف الشاهد.

9