تونس.. الغش المتعمد في الوعود الانتخابية

وعود المرشحين للانتخابات الرئاسية في تونس تصطدم بحقيقة مهمة وهي أن صلاحيات رئيس الدولة محدودة وفق دستور 2014 رغم أنه ينتخب مباشرة من الشعب، ولا تتجاوز الدفاع والأمن القومي والعلاقات الخارجية وتعيين مفتي الديار التونسية.
الخميس 2019/09/05
وعود زائفة

لا تخلو المواجهة الانتخابية في تونس من محاولات مستميتة لاستغفال الشعب واستبلاهه من قبل المرشحين للرئاسة وحملاتهم وداعميهم، وخاصة من الإعلاميين والناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي.

فالأغلبية الساحقة من المتنافسين على كرسي الرئاسة في تونس، يطلقون العنان لوعود سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية يعرفون أنها لن تتحقق، وأنها مجرد أوهام يراد لها أن تعشش في عقل المتلقي عسى أن تكون الوقود الحيوي الذي يدفع بصاحبه لانتخاب هذا المرشح أو ذاك.

وعود المرشحين للانتخابات الرئاسية في تونس تصطدم بحقيقة مهمة وهي أن صلاحيات رئيس الدولة محدودة وفق دستور العام 2014 رغم أنه ينتخب مباشرة من الشعب، ولا تتجاوز تقريبا الدفاع والأمن القومي والعلاقات الخارجية وتعيين مفتي الديار، بينما تحتاج مبادراته التشريعية إلى قوة برلمانية تسندها. في حين أن الفاعل الأساسي في السلطة التنفيذية هو رئيس الحكومة الذي لا ينتخب مباشرة، بحيث أنه المسؤول عن الاقتصاد والتنمية والاستثمارات الكبرى وعلى إدارة الأسواق والصفقات والموازنات الحكومية والملفات الاجتماعية وغيرها.

بعض المرشحين للرئاسة يحاولون استغلال مسألة مهمة وهي أن التونسيين عاشوا على امتداد 53 عاما تحت حكم نظام تعود فيه جميع مقاليد السلطة إلى رئيس الجمهورية، لإقناع الناخبين بأنهم قادرون على تحقيق إنجازات غير مسبوقة وخاصة في المناطق الداخلية للبلاد، لذلك نراهم يخاطبون الشعب وكأنهم يتنافسون على كرسي الرئاسة في بلد نظامه رئاسي، وفي ذلك غشّ متعمد يستهدف بالأساس تزوير نوايا التصويت.

من المرشحين للانتخابات من وصل به الأمر إلى إطلاق وعود بإعادة الحياة إلى الاتحاد المغاربي وبتنفيذ مشاريع مع دول كالجزائر وليبيا، مثل مناطق حرة مشتركة والاكتفاء ببطاقة الهوية الوطنية للتنقل، وكأنه يستطيع تنفيذ ذلك بضغطة زرّ، أو أن بيده قرار الحكم في تلك الدول.

ومن المرشحين للرئاسة كذلك من يتحدث عن فرنسا بوصفها دولة عدوة، ويعد بمراجعة اتفاقيات الشراكة مع الاتحاد الأوروبي بشروطه أو إلغائها، على أساس أنه سيشكل مشروع استقلال وطني، رغم أنه يعرف أن تونس توجد في منطقة مضطربة وتعيش على القروض والمنح والمساعدات، ولا تمتلك مؤيدات الضغط على العواصم الكبرى، وتراجعها عن أيّ اتفاقيات للشراكة سيجعلها الخاسر الأكبر في ظل وجود منافسين فعليين لها في المنطقة، يستفيدون من كل خطأ يرتكبه حكامها ونخبتها السياسية.

هناك من المرشحين للرئاسة الحزبيين من يقدمون برامج أعدتها أحزابهم للانتخابات البرلمانية على أنها برامجهم الرئاسية، وفي ذلك خلط متعمد، حيث لا أحد يضمن أن المرشح الذي سيصل إلى قصر قرطاج سيُسندُ بكتلة نيابية كبرى من حزبه لتمرير مبادراته التشريعية، أو لتزكية رئيس حكومة من داخل منظومته الحزبية، ولذلك فإن الربط بين البرامج الرئاسية والبرلمانية يمثّل بدوره استغفالا للناخبين.

وهناك من المرشحين للانتخابات، وخاصة المستقلين منهم، من يمعنون في إرسال الوعود الانتخابية وكأنهم من سيسيّرون البرلمان والحكومة إلى جانب الرئاسة، وهو أمر يتعلق إما بمراهقة سياسية أو بنية الغش المتعمد، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالحديث عن قرارات مصيرية ومشاريع استراتيجية كبرى وبإحداث تحولات غير مسبوقة في الحياة المعيشية للمواطن.

حتى موضوع ما سمي بالثروات المنهوبة، ليس أكثر من ورقة للمزايدات الانتخابية في سوق السياسة، فتونس ليست دولة ثرية بالنفط والغاز كما يقال، وهناك إحصائيات وأرقام دولية موثقة تحدد كميات الإنتاج والتصدير والاحتياطات الموجودة تحت أرض كل دولة وفق معطيات لا تستطيع أيّ حكومة إخفاءها.

والأكيد أن الدعوة إلى تأميم تلك الثروات ليس أكثر من خطاب عاطفي، إلا إذا كان المقصود تأميم الشركات الأجنبية المعنية وهو ما لن يتحقق لاعتبارات عدة، وتكفي الإشارة هنا إلى الخسائر الفادحة التي لحقت بالشركات التي كانت تابعة لرموز النظام السابق وتولت الدولة تأميمها أو مصادرتها في العام 2011 لتصبح عبئا على المجموعة الوطنية وليس مكسبا لها.

التلاعب بعواطف الناخبين، وصل إلى حد التخلي عن ثوابت كان بعض المرشحين للرئاسة يزعمون الدفاع عنها، فالمنصف المرزوقي كان في ظل حكم الزعيم الحبيب بورقيبة أو الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي من أبرز الداعين للمساواة في الإرث بين الجنسين، ولكنه أمام الامتحان الفعلي أعلن أنه سيرمي قانون المساواة في الميراث في سلة المهملات إذا جيء به إليه، وذلك من باب مغازلة القوى الاجتماعية المحافظة وخاصة من الإسلاميين حيث يحاول الاستحواذ على أصوات عدد منهم في منافسته عليها مع مرشح حركة النهضة عبدالفتاح مورو للرئاسة.

هناك من المرشحين للرئاسة من تحولوا إلى وعاظ دينيين،أو إلى دعاة لا همّ لهم سوى التشكيك في دولة الاستقلال وإصلاحاتها وخياراتها الاجتماعية، والحديث عن ضرورة تطبيق الشريعة دون أن يحددوا إن كان ذلك وفق نموذج السودان أو وفق تصور طالبان، بينما يحاول آخرون تقمص شخصية جمال عبدالناصر أو معمر القذافي بشعارات قومية في غير سياقها التاريخي، أو بالهجوم غير المبرر على هذه الدولة أو تلك، وكأنهم نقلوا تونس من موقعها الحالي إلى أميركا اللاتينية، أو جعلوها متاخمة لكوريا الشمالية ليحصّنوها بصواريخ كيم جونغ أون.

ومن الملفات المطروحة بقوة من قبل المرشحين للانتخابات ملف الجهاز السري والاغتيالات السياسية والتسفير إلى ساحات القتال في دول مثل سوريا وليبيا، وهو ملف مهم ومؤثر ومصيري بالنسبة للدولة، ولكن أيّ وعود بشأنه لن تتحقق في ظل التوافقات السياسية التي لا تزال حركة النهضة جزءا منها، وقد تستمر كذلك في حال حصولها على نتائج مؤثرة في البرلمان القادم، وبالتالي فإن القضاء لن يخرج من تحت سيطرة السلطة التنفيذية، ولن يتجه للحسم في المسألة، بل سيستمر الوضع كما كان عليه في عهد الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي الذي دخل رئاسيات 2014 بوعود لا تزال ترن في أسماع التونسيين، قبل أن يتبين أنها لم تكن سوى شعارات وسرعان ما تبين زيفها بتوافق مع الإسلاميين، وفق اتفاق سابق على تقاسم السلطة قد تم التوصل إليه في لقاء باريس بينه وبين راشد الغنوشي.

إن أي مرشح مستقل للرئاسة قد يصل قصر قرطاج سيجدُ نفسه معزولا في غياب الحزام الحزبي والسياسي الذي يستند إليه وخاصة في البرلمان، كما أن أي مرشح متحزب للانتخابات سيجد نفسه مرتبطا بالتحالفات القادمة والتي لن تكون النهضة بمعزل عنها، وهي التي خاضت كل تجارب الحكم منذ ديسمبر عام 2011، ولا تقبل الركون إلى المعارضة.

وقد يكون هناك حل وحيد قايم في هذه الظرفية،  وهو أن يكون رئيس الجمهورية المنتخب من حزب قوي داخل البرلمان يتحالف مع قوى أخرى قريبة منه لتحقيق الأغلبية القادرة على تشكيل الحكومة بما يسمح بالدفع بالإسلاميين إلى خارج الحكم، وهذا الأمر يبدو صعب المنال على الأقل في الوقت الحالي.

في الحملة الدعائية للانتخابات الرئاسية في تونس، كل يغني على ليلاه، ولكن الواضح أن الحسم الحقيقي في ما يتعلق بمستقبل البلاد، سيكون في السادس من أكتوبر القادم موعد الانتخابات البرلمانية.

8