تونس.. الفصل 38 أو الزنزانة رقم 38

الخميس 2014/01/23

بقدر ما أعتبر أن المبدأ الذي يؤمن به السيد عياض بن عاشور، أستاذ القانون الدستوري، بلزوم التشجيع على تعلم اللغات الأجنبية واكتساب العلوم والمعارف والتكنولوجيا منطقيّا، ما أقدّر أن اعتباره الفصل 38 من الدستور “كارثيا” وأنّ يوم 7 يناير الذي صادق فيه المجلس الوطني التأسيسي عليه “يوما أسود في تاريخ تونس”، بناء على أنه “لم ينص على الانفتاح على الحضارات الأخرى ولا على اللغات” مؤشرا على الأزمة التي تعيشها النخبة التي هو واحد من مكوناتها والتي تتسم بالانقسام والتشرذم. فهل نحن أجانب حتى يكون دستورنا ملحّا على اللغات الأجنبية؟ أم أننا عرب تونسيون بحاجة لتعلم اللغات الأجنبية إلى جانب اللغة الأم، العربية؟

وهل نحن نعيش في القرون الوسطى حتى نؤكد في دستورنا على حاجتنا لتعلم العلوم والمعارف والتكنولوجيا و”الانفتاح على الحضارات الأخرى”؟ أم أننا عرب مسلمون تونسيون من البديهي أنه ليس بإمكاننا أن نعيش في عصر غير عصر العلوم والتكنولوجيا والانفتاح، مما لا يستوجب تنصيصا عليه في دستور؟

برأينا، لا ينفع تنقيح الفصل 38 لا لشيء سوى لأنّ المطالبة بذلك- أو حتى التعبير عن الغضب منه- كأنها تعكس حالة الانقسام النخبوي أكثر من أن تكون محاولة لتصحيح وضع مُزدرٍ حقا أو لإصلاح منظومة تربوية وتعليمية وعلمية فاسدة فعلا. قد يكون بن عاشور على حق لمّا يَعجب لطرح مسألة الهوية العربية دستوريا بناء على أنّها من البديهيات وأنّ “ليست للتونسيين مشاكل (معها) “يؤمنون بها ويدافعون عنها” وأنّ المسألة “لا تحتاج “للتنصيص عليها في الدستور”. لكننا في هذه الحالة نعجب بدورنا لكونه هو الآخر يطالب بالتنصيص على بديهيات ألا وهي “الانفتاح” و”اللغات” و”الحضارات الأخرى”. فهنا تكمن المشكلة: لا نواب الشعب الذين يشتغلون على الدستور، ولا النخبة التي يمثلها السيد عياض بن عاشور على دراية بما ينبغي إنجازه لكي لا تشكل مسألة الهوية العربية ولا مسألة الانفتاح على الآخر موضوعا للجدل.

إنّ المسألة الأخطر تتمثل في كون الثقافة العربية عموما تعيش أزمة وجود هي الآن في ذروة تأثيرها على حياة العرب فُرادى وجماعات. بهذا المعنى من المفترض أن تتدحرج قضية الانغلاق/ الانفتاح إلى الدرجة الأسفل من سلم اهتماماتنا أمام قضية تخلفنا في مجال المعارف والعلوم وعدم الاستطاعة في مجال كسب حداثة عربية تكون محرك لاستتباب الأمان الوجودي لدى العرب.

فليست قضية التقدم رهنٌ بالتعريب اللغوي بقدر ما هي رهنٌ بتعريب المعارف والعلوم. من هذا المنظور حريّ أن نتفطّن إلى أنّه قبل التعريب هنالك مرحلة ضرورية يتوجب التفكير فيها والتخطيط لها: تحويل المعارف والعلوم من مِلكية غربية إلى ملكية عَرَبية. وهذا لا يتمّ إلا بمعرفة دقيقة باللغات الأجنبية، إذ أنّ مثل هذا التحويل لم يعد من الممكن إنجازه بواسطة ترجمة المعارف والعلوم من المصادر المكتوبة باللغات الأجنبية. بل نعتقد أنّ المطلوب القيام به هو، بخلاف ذلك، ترجمة المهارة العلمية من اللغات الأجنبية إلى العربية مباشرة.

نعني بذلك تعلم اللغات الأجنبية الحمّالة لمصادر التفكير العقلاني والعرفاني والعلمي لغرض استخراج القواعد التي تشتمل عليها والتي أهّلت الناطقين بها لاكتساب المعارف والعلوم. وهذا ممكن أن ينجزه العرب عبر تعلم اللغة الأجنبية مباشرة، مع إدراج مادة الترجمة بوصفها تمرينا إجباريا يتمثل في ترجمة النصوص الأدبية في الاتجاهين.

ويتطلب إنجاز هذا الصنف الهادف من الترجمة تأليف وتنفيذ منهجية مستحدثة هي الأخرى ترمي إلى استقراء عوامل التقدم من خلال المنظومات اللغوية المعبرة عن الحداثة وذلك من أجل الاهتداء إلى طريقة عربية لتوليد أصالة منفتحة.

في الختام لا يسعنا إلا أن نسجل حالة التيه المستعصية التي تتخبط فيها نخب تونسية، والتي حكمت عليها بالدوران داخل زنزانة “الفصل 38”. يقتلون الوقت باقتراف الخطأ ثم بتبرير هذا الأخير فإسقاطه على بعضهم عوض تشخيص المعوقات الحقيقية للتقدم، واتخاذ القرار اللازم لمجابهتها بالطرق العلمية.


كاتب تونسي

9