تونس.. الكلمة الفصل للشعب

بين هذه الوجوه وغيرها ممّن استأثروا بالمصادح كثيرا هذه الأيام للحديث بصوت عال، سيقول الشعب كلمته بالسلب أو الإيجاب. تلك هي ديمقراطية الشعب، فاحترموها.
الأحد 2019/09/08
لا ديمقراطية سوى ديمقراطية الشعب

سأسمح لنفسي بأن أتحدّث باسم الشعب قليلا باعتباري واحدا منه. الشعب التونسي اليوم هو عنوان كبير لمشهد سياسي جديد سيُبنى على أنقاض انتخابات رئاسية دخلت مرحلتها الحاسمة بعدما بدأ المشاركون فيها وعددهم 26 مرشحا في القيام بحملاتهم الانتخابية بين الجهات ومناظرات بينهم في حلقات دورية تبث على التلفزيون الوطني. لذلك حريّ القول اليوم إن لا ديمقراطية سوى ديمقراطية الشعب الذي له كلمة الفصل أولا وأخيرا.

من المفيد التذكير بأن مرحلة الحملة الانتخابية التي مازالت متواصلة تستدعي من المرشحين القيام بجولات عبر مختلف المناطق والجهات تتخلّلها ندوات ولقاءات وحوارات ومصافحات يلتحمون فيها بالأنصار ويحاولون استمالتهم والتأثير عليهم بعرض برامجهم ومقترحاتهم ووعودهم للفترة الرئاسية.

بالموازاة مع هذه الجولات تنشط مادة إعلامية كثيفة على مواقع التواصل الاجتماعي لمختلف المرشحين، يبرزون فيها ما تم تداوله في تلك الحلقات والنقاشات وما يمكن إيصاله عبر الصورة والصوت بشكل بارز ودرجة عالية من المعالجة الفيسبوكية.

نظريا كل الطرق ممكنة للوصول إلى الشعب والتأثير عليه بخطب رنّانة وبرامج تكون أقرب إلى الواقعية تسترضي فئات واسعة للوقوف وراء هذا المرشح أو ذاك. لكن عمليا ما كشفت عنه منصّات العرض لأبرز المرشحين يبدو أنه لا يبعث على التفاؤل. منسوب عال من التشكيك والتصريحات المنفلتة وخطاب لا يرقى إلى مستوى الرهان الموضوع على طريق التنافس بين مختلف المرشحين.

هنا تتدخل قوة “قاهرة” وأداة ضاغطة لفرض سلطتها وقول كلمتها بين هؤلاء. الشعب أولا. الشعب باعتباره ميزان العدل بين هذه الوجوه التي اختزلت مشهدا سياسيا متواضعا في أغلبها ينمّ عن تراجع مستوى الطبقة السياسية في تونس وانحدارها إلى أفق بات يهدّد الديمقراطية الناشئة بكل أطرها التقليدية والتجريبية.

لكن في ظل مستوى متراجع للمنخرطين في التصويت، وإحجام بعض المرشحين عن الإفصاح عن ممتلكاتهم، يتزايد القلق في تونس من عزوف كبير عن التصويت في الاستحقاق الرئاسي المنتظر وسط انقسام باد في الشارع حول من سيختار من بين هؤلاء.

عمليا، تلوح الطريق نحو قصر قرطاج متعرّجة وذات انكسارات شاقة على بعض الوجوه التي اختارت خطابا برامجيا لا يوازن بين الحقيقة والواقع، بين المنشود والمأمول، بين الآني وبعيد المدى.

بالمقابل تلوح بعض الأسماء المرشّحة أكثر استجابة لـ”صوت العقل” بفضل خطاب يشدّ المسامع ويستهوي القلوب، والأهم من ذلك طبيعة البرامج التي تحملها ورؤيتها لكيفية النهوض بواقع تونس على جميع الصعد.

يأتي على رأس هؤلاء عبدالكريم الزبيدي، المؤمن بمشروع تونس الجامع والذي بدأ اسمه يستهوي فئات واسعة من التونسيين ويجلب إليه الأنظار بفضل خطاب متّزن يساوي بين ما هو منظور وما هو مأمول.

على مقربة من هذا الرجل أتاح الفضاء الافتراضي، فيسبوك تحديدا، بروز موجة من المدّ الهزيل لمسرحية تقوم على خطاب شعبوي غارق في وحل الهندسة المربكة لبعض المناصرين لقضية قطب الإعلام نبيل القروي الذي أخرجه الاستحقاق الرئاسي في صورة “البطل” ومنقذ العباد من آفة الفقر والاحتياج.

على هذا الهديْ أيضا يتناسى مرشحون آخرون أن وعودهم الوردية لا يمكن أن تنطلي على الشعب الذي يتابع بعيون الرقيب ولا تفوته كل كبيرة وصغيرة، وهو المدرك لطبيعة برنامج هذا ومقاربة ذاك. هذه الصورة يختزلها رئيس الحكومة السابق والمرشح على حزب “تحيا تونس” يوسف الشاهد، بخطاب فيه من الرتابة الشيء الكثير لكن حدوده تقف عندما اختزل الشاهد برنامجه في نقاط بعينها لا تلبّي تطلعات التونسيين وأحلامهم.

سيناريو آخر يطل على واجهة الانتخابات الرئاسية في تونس، ذلك الذي يدفع به مرشح النهضة ونائب رئيسها عبدالفتاح مورو، رغم تأكيدات الخبراء والمتابعين بأنه اختيار تكتيكي من النهضة التي دفعت برجل يحظى بمكانة خاصة لدى التونسيين لتذويب صورتها الباهتة وإعادة صبغها، لكن لا يمكن الجزم بأن خطاب الرجل سينجح في تليين مواقف التونسيين من الحركة التي آثرت عدم تغيير جلدها في كل مرة تعلن فيها التوبة التي لم تكن يوما نصوحة.

على النقيض من هذه الأطروحات للمرشحين، يزيّن مشهد المنخرطين في السباق الرئاسي اسم بدأ يستقطب فئات واسعة من التونسيين على مواقع التواصل الاجتماعي وأيضا ميدانيا ألا وهو محمد لطفي المرايحي. رجل تبدو عليه علامات الاتّزان والصرامة، يشدّ مخاطبيه بكلام منطقي وفيه من اللباقة ودقة التوصيف للمرحلة التي تمر بها تونس الشيء الكثير.

بين هذه الوجوه وغيرها ممّن استأثروا بالمصادح كثيرا هذه الأيام للحديث بصوت عال، سيقول الشعب كلمته بالسلب أو الإيجاب. تلك هي ديمقراطية الشعب، فاحترموها.

6