تونس المخبر.. وحرب الإرادات

ما تحتاجه تونس هو مشروع وطني حقيقي، لا يقصي أحدا، ولكنه ينسجم مع روح الوطنية التونسية، بعيدا عن الحسابات الخفية وراء شعارات التوافق المغشوش.
الثلاثاء 2018/03/27
التوافق.. سيد المرحلة في تونس

تواجه تونس اليوم حرب الإرادات بين قوى متناقضة في غياب مشروع وطني جامع. ورغم كل ما قيل ويقال عن الوفاق والتوافق بين الحزبين الأكبرَيْن، وفق ما أفرزته انتخابات 2014، فإن لكل منهما شيطانه الذي يغويه؛ فنداء  تونس المتفكك فقد مشروعية التأسيس.

ولأن كل حزب يتأسس على فكرة، كانت الفكرة التي تأسس عليها نداء تونس وكسب بها أصوات الناخبين هي مواجهة الإسلام السياسي قبل أن يتحالف معه، طمعا في تقاسم النفوذ طويل المدى، وأملا في إرضاء قوى خارجية إقليمية ودولية تحاول أن تجعل من تونس مخبرا تستقرئ من داخله إمكانية التوفيق بين التيارين المدني الحداثي والإخواني الديني تحت غطاء اقتصاد السوق والاستسلام الكامل للصناديق الدولية.

ورغم أن نداء تونس يعرف أن قوته كانت قبل 2014 تكمن في شخصية مؤسسه الباجي قائد السبسي وفي شعارات التناقض مع الإسلام السياسي، وأن قوته اليوم (إن بقيت له قوة) تكمن في وجوده على رأس مؤسسات الحكم، إلا أن بعض قياداته تعتقد أنها قد تحافظ على تحالفها مع حركة النهضة، في مرحلة ما بعد السبسي والحكم، وهو ما يستبعده أغلب المراقبين، كون الحزب فقد شرعيته، بتخليه عن الفكرة التي تأسس عليها وبفشله في تحقيق الأهداف التي وعد بها وفي تحصين مؤسسات الدولة من الاختراق، وفي عجزه عن الوصول إلى حلول اقتصادية واجتماعية.

نداء تونس لن يستطيع ترك الحبل على الغارب إلى درجة القبول بالتنكيل بتاريخ بورقيبة والدولة الوطنية التي يقول إنه امتداد لها وأن زعيمه السبسي كان من أبنائها

أما حركة النهضة، فهي وإن كانت ابتكرت شعار الإسلام الديمقراطي، رغم أنها لم تحسم ذلك على أسس مرجعية من داخل النص الديني، فإنها لا تزال مرتبطة بمشروع جماعة الإخوان المسلمين في المنطقة والعالم، وقواعدها لم تتخلّ عن شعاراتها ومواقفها الأيديولوجية، ولا عن عدائها المعلن للدولة الوطنية، وتم تجييشها عبر إقناعها بوجود حربين ضدها: حرب داخلية يقودها من تسميهم الحركة بالاستئصاليين، وحرب خارجية من مناوئي مشروع الإسلام السياسي في المنطقة.

وأعطى هذا التجييش القيادة في حركة النهضة مساحة شاسعة لممارسة التلاعب بالمفردات وتبرير المواقف التي تبدو في أحيان كثيرة أقرب إلى الماكيافيلية، وخاصة في مخاطبة الغرب، وفي البحث عن منافذ لاختراق المجتمع.

في ظل هذا الواقع ظهرت معالم تصدع التوافق بين الطرفين، وخصوصا من خلال نظرة كل منهما لمنظومة العدالة الانتقالية، وتحديدا لسهام بن سدرين، رئيسة هيئة الحقيقة والكرامة.

أظهرت بن سدرين خلال عملها طيلة ثلاثة أعوام، أنها يد ولسان تحالف الترويكا الحاكم سابقا، الذي انتخبها للمهمة، وأنها أقرب إلى حركة النهضة والرئيس السابق منصف المرزوقي، وأكثر ميلا إلى معاداة الدولة الوطنية وخاصة من خلال سعيها لتقسيم المجتمع عبر هتك عرض التاريخ والتشكيك في استقلال البلاد وفي وطنية الحبيب بورقيبة ومشروعه الحداثي.

نداء تونس لن يستطيع ترك الحبل على الغارب إلى درجة القبول بالتنكيل بتاريخ بورقيبة والدولة الوطنية التي يقول إنه امتداد لها وأن زعيمه السبسي كان من أبنائها.

حركة النهضة لن تستطيع الخروج من جلدها إلى درجة اتخاذ موقف قد يمنع التعدي على دولة الاستقلال وقادتها وزعمائها، وخاصة ممن سبق لها أن كفرتهم، أو اعتبرتهم خارجين عن الملّة

وحركة النهضة لن تستطيع الخروج من جلدها إلى درجة اتخاذ موقف قد يمنع التعدي على دولة الاستقلال وقادتها وزعمائها، وخاصة ممن سبق لها أن كفرتهم، أو اعتبرتهم خارجين عن الملّة.

مأساة تونس اليوم أنها تواجه معركة حامية الوطيس بين دعاة الهدم لإعادة البناء على أسس تناسبهم أيديولوجيا، ودعاة الترميم بما يحافظ على أسس المدنية والحداثة ومنجزات الدولة، بينما تعيش البلاد واقعا اقتصاديا وماليا خانقا ووضعا اجتماعيا مزريا، وحالة من اليأس والإحباط لدى 79 بالمئة من التونسيين، وفق ما أعلنه الرئيس الباجي قائد السبسي في كلمته بمناسبة عيد الاستقلال، وهذه النسبة قد ترتفع في غياب الحلول الناجعة، أو حتى المؤلمة، خصوصا وأن لا معجزة تبدو في الأفق لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

لقد وضع السبسي بلاده في خانة الإسلام السياسي يوم تحالف مع النهضة، فأفقدها السند العربي، باستثناء وعود قطر، وساهم في ترسيخ فكرة أن تتحول تونس إلى مخبر للغرب عبر حالة ديمقراطية هجينة بنظام سياسي فاشل، ونظام انتخابي مربك، ومجتمع مدني أغلبه مرتبط بمموليه في الخارج، وإعلام منفلت، وديون ومساعدات مشروطة بتنازلات، وفوق كل ذلك بوفاق مناقض للطبيعة، لم يستفد منه أي طرف، ما عدا الإسلاميين الذين عرفوا كيف يتغلغلون في مفاصل الدولة، وربما سيسيطرون على الحكم المحلي في مناطق واسعة من البلاد، أملا في التأسي بنموذج رجب طيب أردوغان وحزبه، ولكن تونس ليست تركيا، والغرب لن يتحمّل أردوغانا جديدا في المنطقة، لذلك قد يقرر في أي لحظة غلق المخبر، واسترجاع مفاتيحه.

إن ما تحتاجه تونس هو مشروع وطني حقيقي، لا يقصي أحدا، ولكنه ينسجم مع روح الوطنية التونسية، بعيدا عن الحسابات الخفية وراء شعارات التوافق المغشوش، وعن طموحات السيطرة المطلقة عبر التلاعب برمزية التاريخ وخصوصيات الجغرافيا واعتبارات الأيديولوجيا المقيتة، مهما كانت مرجعيتها.

9