تونس المدنيّة في مواجهة حركة النهضة

الغنوشي لم يتخلّ عن انحيازه الحزبي حتى وهو يقود السلطة التشريعية التي يُفترض برئيسها أن يتّصف بقدر عال من المهنية التي لا يمكنه تمثّلها إلا عن طريق تجرّده من أفكاره الحزبية الضيقة.
السبت 2020/07/25
عبير موسي كشفت مشروع النهضة لأخونة تونس أمام الشعب

ربما تفضّل حركة النهضة أن يُحل مجلس النواب التونسي على أن يتم إقصاء زعيمها راشد الغنوشي من منصبه رئيسا لذلك المجلس.

يكشف ذلك التفضيل مدى تمكن الكتلة التابعة للغنوشي من الحركة بحيث صار مصير الغنوشي السياسي أهم وأعلى مرتبة من مصير الحركة.

فمن المتوقع، لو سارت الأمور في اتجاه حل المجلس واللجوء إلى انتخابات مبكرة، أن تخسر النهضة عددا لا يستهان به من مقاعدها بسبب تدني شعبيتها الذي قاد إليه أداء زعيمها الفاشل في إدارة جلسات مجلس النواب.

لا يزال هناك مَن يسوق لهالة الغنوشي داخل صفوف الحركة في الوقت الذي فقد الرجل تلك الهالة لدى الشعب.

لقد كشف ترؤسه لمجلس النواب عجزه عن فهم آليات عمل ذلك المنصب بما يجعل المكلف به قادرا على التخلي عن انحيازه لكتلة نيابية بعينها.

كان رئيس المجلس نهضويا وهو يدير الجلسات، الأمر الذي دفع بنواب الكتل الحزبية الأخرى إلى أن يعلنوا احتجاجهم على الإدارة غير المتوازنة لأعمال المجلس الذي لا يقيم رئيسه اعتبارا لحدود صلاحياته التي حددها الدستور.

لم يتخلّ الغنوشي عن انحيازه الحزبي حتى وهو يقود السلطة التشريعية التي يُفترض برئيسها أن يتصف بقدر عال من المهنيّة التي لا يمكنه تمثلها إلا عن طريق تجرده من أفكاره الحزبية الضيقة.

ذلك ما صار ممثلو الشعب يتداولونه علنا من غير تحفظ. وهو ما وهب الاعتصام الذي قام به نواب الحزب الدستوري نوعا من الشرعية تحت مظلة المطالبة بإقصاء الغنوشي عن منصب رئاسة المجلس وهو المطلب الذي صار يحظى بترحيب عدد من الكتل النيابية الأخرى.

ويمكن اعتبار الهجوم الذي شنه عدد من نواب النهضة على رئيس الجمهورية قيس سعيّد بمثابة مؤشر على شعور الحركة بأن سعيّد قد انضم إلى الجبهة المعارضة لاستمرار حركة النهضة في المشاركة في الحكم. ذلك تحول يمهد بالضرورة إلى الخسارة التي ستمنى بها الحركة لو أن الانتخابات المبكرة ستكون هي الحل لإنهاء الفوضى التي باتت القوى السياسية تحمل حركة النهضة مسؤوليتها.

كان أداء الغنوشي السيء وبالأخص على مستوى خرقه للدستور مناسبة لعبير موسي زعيمة الحزب الدستوري الحر لأن تقوم من خلالها بمخاطبة الشعب التونسي مباشرة. تلك هِبة غنوشية استعملتها موسي بحرفية عالية ووعي وطني نزيه. لقد انتشر خطابها الوطني بطريقة سيندم الغنوشي بسببها على ما فعله. صنعت موسي من مقعدها في مجلس النواب منصة استثنائية لعرض الحقائق على الشعب.

وكما يبدو، فإن معارضي الغنوشي قد اكتشفوا أن الرجل مسنودا بأتباعه لن يضحي بمنصب الرئاسة، لذلك صار هدفهم سهلا من خلال الحديث عن ارتباطات النهضة الخارجية والتركيز على تمويلها والشبهات التي تحيط بها من جهة ارتباطها بتنظيمات عالمية ودول خارجية. لم تكن لائحة تجريم جماعة الإخوان المسلمين من خلال إلحاقها بالإرهاب مقصودة لذاتها، بل كان الهدف منها فضح ارتباط النهضة بتلك الجماعة من خلال قيامها بإعاقة تمرير القانون.

لو أن الغنوشي وجماعته كانوا أكثر ذكاء لمرّروا ذلك القانون ولأحبطوا مساعي فضح ارتباطاتهم السرية على المستوى الشعبي. ولكنهم بدلا من ذلك صاروا يرددون شعارات يمكن اعتبارها أسبابا للإدانة.

تونس اليوم تمر بمنعطف سياسي خطير، ذلك لأن استبعاد حركة النهضة من العملية السياسية وإجهاض مشروعها للهيمنة على الدولة يحتاجان إلى أن تتضامن القوى السياسية الديمقراطية وتبني جبهة متماسكة على قدر عال من التفاهمات يكون أساسها الحفاظ على أسس الدولة المدنية القادرة على بث الروح في الاقتصاد التونسي.

في مقابل ذلك، فإنه سيكون من الصعب على حركة النهضة أن تثبت للجمهور التونسي أنها حزب وطني يمتلك مقومات البقاء إذا ما كشف عن ارتباطاته ومصادر تمويله.

8