تونس المريضة تحتاج إلى واقع سياسي مختلف

شعارات الديمقراطية لا تصنع استقرارا خصوصا إذا كانت ديمقراطية فاسدة ومغشوشة، ومنطق المغالبة لا يجدي نفعا في مثل هذه الظروف، والتهويمات السياسية الخادعة لا توفر رغيف الخبز للجياع.
الخميس 2021/04/22
وضع تونس أوصلها إلى غرفة الإنعاش

في التاسع من أبريل، وخلال موكب للاحتفال بعيد الشهداء، استظهر الرئيس التونسي قيس سعيد لمرافقيه، رئيس الحكومة هشام المشيشي ورئيس البرلمان راشد الغنوشي، برسم تعبيري يعود تاريخ نشره إلى العام 1936 على صفحات جريدة “الشباب” التي أصدرها آنذاك شاعر العامية الشهير محمود بيرم التونسي خلال إقامته بتونس، وتبدو فيه سيدة ترمز إلى تونس وهي مريضة تلازم الفراش وإلى جانبها رجلان وهما صيدلاني وطبيب يصف لها العلاج على أنه “برلمان وطني محترم ووزارة كاملة مسؤولة” مضيفا “أحضر لها هذا الدواء وهي ستبرأ بإذن الله”.

 سعيدّ قال لمرافقيه “وكأنها صورة تتحدث عن حالنا اليوم، تونس مريضة ومن الواجب أن تغادر الفراش، وأن تسترد عافيتها، سلاحنا في ذلك الانسجام وتواصل مؤسسات الدولة في ظل احترام كامل لنص الدستور ومقاصد الدستور لأن الدستور ليس أداة للحكم وإنما هو أداة لتحديد الحرية وللتوازن الايجابي بين السلطة والحرية.

عندما ذكرّ قيس سعيد في أبريل 2021 بما نشره بيرم التونسي عام 1938 من رسم تعبيري يشير إلى تونس المريضة لم يأت بجديد يذكر

الحقيقة أن وضع تونس تجاوز حالة المرض العادي وأوصلها إلى غرفة الإنعاش، وهي اليوم في أسوأ لحظاتها التاريخية منذ استقلالها، فالأزمة السياسية تتفاقم يوما بعد يوم، والصراع قائم بين رئيس الدولة من جهة ورئيس الحكومة ورئيس البرلمان من جهة ثانية، والسلطات مخترقة، والتجاذبات تعصف بمختلف المؤسسات، والخطاب السياسي بائس وعقيم، والدولة عاجزة عن تنفيذ قراراتها أو تطبيق خياراتها إلا على الضعفاء من أبناء شعبها، والإنتاج في حالة عطالة، والبطالة تتزايد، ومستويات الفقر ترتفع، فيما يحاول طرف فاعل أن تكون جمهوريته الخاصة، والأيديولوجيات تعبث بالصالح العام، والإخوان يناطحون من أجل التمكين، والرئيس يتحدث منذ أكثر من عام عن مناورات ومؤامرات دون أن يفصح عن تفاصيلها أو عمّن يقف وراءها، والحكومة شبه مشلولة بعد رفض الرئيس استقبال الوزراء الـ11 الحائزين على ثقة البرلمان منذ الـ26 من يناير الماضي لأداء اليمين الدستورية أمامه، ومشروع الحوار الوطني بقي حبرا على ورق اتحاد الشغل، والبرلمان تحوّل إلى حلبة للصراع بعد أن أراده الغنوشي منصة لفرض زعامته من خلال رئاسة تنافس مؤسسة الرئاسة على صلاحياتها، والدستور مفخخ، والمحكمة الدستورية لم تر النور منذ ست سنوات، والقضاء متهم في نزاهته، والإعلام مشكوك في صدقيته.

فوق ذلك، الاقتصاد  في حالة انهيار، والمالية العمومية تواجه أزمة غير مسبوقة، والحكومة تواجه ذلك بمزيد التداين الخارجي، وأغلب القروض التي تحصل عليها تذهب لخلاص ديون سابقة، أو للاستهلاك  في ظل شلل تام لمشاريع التنمية واتساع دائم لدائرة الفساد وانتشار واسع لشبكات التهريب والاحتكار التي باتت تتحكم في قوت المواطن وعلف الحيوان. الحياة في الأحياء الشعبية والأرياف والمناطق النائية أضحت موكولة للصراع اليومي من أجل البقاء، وزادت جائحة كورونا من تأزم الأوضاع نتيجة فوضى الإجراءات وتدهور منظومة الصحة العامة، وعجز السلطات عن فرض الانضباط المجتمعي، وحتى عن إقناع مواطنيها بالخطر المحدق.

تونس اليوم تعاني من غياب الرؤية والمشروع، ومن غياب القدوة والنموذج والمثال

التونسيون يعانون من غلاء الأسعار الذي ضرب كل السلع، ويواجهون تضخّما غير معلن يشعرون به من حيث فقدان العملة المحلية لقيمتها الافتراضية، فيما باتت المواد المدعومة عرضة للاحتكار، وعجزت الحكومة عن التحكم حتى في سعر السجائر، وقد ينتظر المواطن البسيط أياما من أجل الحصول على قنينة زيت نباتي مدعوم أو بعض السميد أو الشعير، والإنتاج الزراعي يتراجع، والإنتاج الصناعي شبه مشلول، وإنتاج الفوسفات متوقف حتى أن الدولة باتت تستورد الأسمدة من الخارج، واللصوص يعبثون بكل شيء، والتطرف ينمو في قاع المجتمع دون رقابة، ووسائل التواصل الاجتماعي تحولت إلى منصات للتكفير والتخوين ونشر الأخبار الزائفة وبث الأباطيل والأراجيف، وهتك عرض دولة الاستقلال والزعماء الوطنيين متواصل من قبل من لا يرون مستقبلا لهم إلا بتقويض الدولة الوطنية وضرب مؤسساتها والإطاحة بمنجزاتها.

لقد وصلت الديمقراطية الناشئة في تونس بفاسدين وحاقدين وتكفيريين إلى السلطة، وأعطت لمن كانوا يزعمون مقارعة الاستبداد فرصة ليستبدّوا أكثر مما كان سائدا قبل مجيئهم إلى الحكم أو إلى العمل السياسي، يحيكون الدسائس للبقاء في السلطة ويتصارعون على الغنائم ويسخرون من الشعب المأزوم والمظلوم والمهموم، فقراؤهم تحولوا إلى أثرياء، وأدعياء النزاهة منهم انقلبوا إلى فاسدين ومتسترين على الفساد.

هناك اليوم من يقول إن الوضع خطر، وهناك من يرى أن البلاد على مشارف الهاوية، وهناك من يحذر من النموذج أو من السيناريو اللبناني، والإخوان يحذرون من الحرب الأهلية، فما يهمهم هو البقاء في الحكم، والتغلغل في مفاصل الدولة، والاستمرار في نيل الامتيازات، وغير ذلك دونه الموت، حيث يعتبرون أنفسهم الأوصياء على الثورة والدولة والمجتمع، وعلى الأرض والسماء، والدنيا والآخرة، والحلال والحرام، والسياسة والاقتصاد، والواقعي والافتراضي.

تونس اليوم تعاني من غياب الرؤية والمشروع، ومن غياب القدوة والنموذج والمثال، ومن فقدان الإرادة والجرأة وروح المبادرة، وتواجه انتكاسة ثقافية وحضارية وأزمة اجتماعية عميقة، إلى جانب الأزمتين السياسية والاقتصادية، وتحتاج إلى لحظة للمكاشفة والمصارحة وإعمال العقل وتقديم المصلحة العليا للبلاد على مصالح الأفراد والأحزاب والجماعات، وإلى لحظة الحسم التاريخي باتجاه الحل الحقيقي، وهو ما لا يتحقق إلا بأن يراجع كل طرف من أطراف الأزمة موقفه، ويستوعب الدرس جيدا، ويعيد قراءة التاريخ على أسسه الحقيقية، ويستشرف بعين ثاقبة  المستقبل الذي لا شك أنه  سيزداد سوءا إذا استمر الوضع على ما هو عليه.

وضع تونس تجاوز حالة المرض العادي وأوصلها إلى غرفة الإنعاش، وهي اليوم في أسوأ لحظاتها التاريخية منذ استقلالها

شعارات الديمقراطية لا تصنع استقرارا خصوصا إذا كانت ديمقراطية فاسدة ومغشوشة وملعوب بها وفيها، ومنطق المغالبة لا يجدي نفعا في مثل هذه الظروف، والتهويمات السياسية الخادعة لا توفر رغيف الخبز للجياع، وإنما العامل الحقيقي للاستقرار هو التنمية والرفاه والعيش الكريم للشعوب.

عندما ذكرّ قيس سعيد في أبريل 2021 بما نشره بيرم التونسي عام 1938 من رسم تعبيري يشير إلى تونس المريضة لم يأت بجديد يذكر، إلا الإيحاء بأن العلاج يكمن في برلمان وطني محترم ووزارة كاملة مسؤولة، وهو بذلك يطرح قناعاته الشخصية، في حين أن علاج تونس اليوم يحتاج إلى واقع سياسي مختلف ونخبة سياسية غير التي تقف وراء الدفع بها إلى غرفة الإنعاش.

9