تونس: المطلوب حكومة استثناء

الجمعة 2013/09/13

أمام التباطؤ المُشل للحركة والمحبط للعزائم الذي تتسم به شبه التحركات الرامية إلى الخروج بالبلاد من أعتى أزمة عرفتها ربما منذ قرون، لا يسعنا إلا أن نلحّ على ذوي البر والإحسان من مثقفين وسياسيين بمختلف مشاربهم، مريدين للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر طبقا لصيغة مُطبّقة على وقع العصر وروحه، بأن يسارعوا إلى لمّ الشمل من أجل تحديد دور السياسيين ومن أجل تشكيل حكومة للإنقاذ يتوفر لديها- لزوما- توجه إصلاحي.

لكن ماذا يعني الإنقاذ وماذا يعني الإصلاح في ظل الضبابية التي تشهدها الساحة الفكرية والسياسية؟ إنهما لا يعنيان شيئا طالما أنّ عاملين اثنين أساسيين يعوزان كل مبادرات المصالحة الوطنية. أولا وبالذات هنالك العامل المتمثل في لزوم تناسب المبادرات مع قراءة جيدة للواقع الإيديولوجي والسياسي. والجدير بالملاحظة في هذا الباب الأول هو عدم توفر لا القراءة الجيدة ولا المبادرات المستجيبة لمقرراتها.

ثم هنالك العامل المتمثل في تناسب التشكيل الحكومي المنشود ابتغاء الخروج من الأزمة مع مقررات القراءة الدقيقة للواقع المذكور. ومن الطبيعي أن يتميز هذا العامل بغيابه طالما أنه رهين العامل الأول، المفقود هو الآخر. والحال أنّ المجتمع ليس بإمكانه أبدا أن يحلحل المشكلات السياسية دون أن يكون أصحاب الحل والعقد من محللين للواقع (العامل الأول) ومن أصحاب المبادرات (العامل الثاني) مُزودين بحدٍّ أدنى من التصورات الإصلاحية.

لذا نعتقد أنّ الوقت قد حان لينفتح السياسيون المحللون والسياسيون المبادرون على أهل الفكر والنظريات حتى يتمكنوا من تسهيل التلاقح بين تحاليلهم للواقع ومواقفهم وتطلعاتهم من جهة، والمقاربات والرؤى والتصورات لدى هؤلاء من جهة أخرى، لكي تتضح معالم الحكومة المزمع تشكيلها والتي من المفروض أن تكون مستجيبة لشروط العاملين المذكورين وبالتالي مُلبية أفضل ما تكون التلبية لحاجيات المجتمع ولمتطلبات المرحلة.

بكلام آخر إنّ النخب أضاعوا وقتهم وأضاعوا وقت التونسيين بتمامهم وكمالهم حين بجّلوا السياسي على الإصلاحي، ولو كان هذا التبجيل مطابقا للمبادئ التي تعلموها بشأن العمل السياسي والتي عادة ما تنص على انتظار حلول الاستقرار السياسي لكي يتم الشروع في الإصلاح.

فالنخب لم تدرك حق الإدراك أنّ «الربيع العربي» كان استثناءً بكل المقاييس، وبالتالي أنّ كل المناهج (تحاليل وقراءات من جهة، مبادرات من جهة ثانية) التي جُرّبت فيما بعد لمحاولة تجاوز الصعاب على إثر الهزات القوية التي تلقّاها جسم النظام وأيضا جسم المجتمع لم تكن متسقة مع صفةِ الاستثناء. وهذا مما يملي على التونسيين أن يقودوا سفينتهم من هنا فصاعدا حسبما تجري هذه الرياح الاستثنائية.

والإملاء الأعم الناجم عن صفة الاستثناء هو أن تتجنب الطبقة السياسية انتظار الاستقرار السياسي للشروع في الإصلاح. وإلا فلا معنى للثورة ولا للتغيير سوى المعنى الذي يدفع بالمجتمع إلى إعادة إنتاج الرداءة التي ثار من أجلها. وإلا فـ»الربيع» لن يكون ربيعا حقيقيا.

بتعبير آخر، إنّ مجرد تحيين التوجه الإصلاحي والامتناع عن إحالته على الانتظار سيبدل نحو الأفضل، وباتجاه النجاعة والفعالية، طرائق تحليل الواقع من جهة ومقاربات المبادرة الإنقاذية من جهة أخرى.

وحتى المناهج التي يتوجب توخيها في هذا الإطار الخصوصي تاريخيا وهيكليا ووظيفيا، من طرف حكومة استثنائية، فلا مناص من اتسامها هي الأخرى بخرقها للعادة المعرفية والمنهجية والفكرية والسياسية. ومن الممكن تلخيص هذا المعطى في النقاط التالية:

أولا، وبصرف النظر عن موقفنا من تنظم الإسلام السياسي في أحزاب على غرار حزب حركة النهضة، نعتقد أنه من واجب الحكومة الاستثنائية القيام بدور تعديلي وتصحيحي لعلاقة المواطنين بالثقافة الإسلامية عامة ولعلاقة المجتمع بها، وذلك بفضل تركيز هذه الحكومة على تنمية الشخصية الوطنية بما يتسق مع انتمائها العربي الإسلامي التعددي ومع رغبتها في الإسهام الإيجابي في الحضارة الكونية.

وهذا مما سيخلق شروط الوفاق بين مختلف الأطياف السياسية الممثلة للشعب ومما سيسهل على الأحزاب الدينية المكونة للخارطة السياسية العامة الاندماج في منظومة ثقافية مُريحة وبالتالي الانخراط في العمل المدني المُجدي.

ثانيا، وفي السياق نفسه، لا بد من انكباب حكومة الاستثناء على إعادة ترتيب العلاقات التشريعية المبدئية وذلك باتجاه تحديد البديل الحقيقي، المقنع والمُرضي للمسلمين، عن شعارَي «الشريعة» و»الإسلام هو الحل»، وذلك بشكل يحوّل هذين الشعارين من شماعة لدى البعض (الإسلاميين السياسيين) تقابلها نقمة لدى البعض الآخر (غير الإسلاميين) إلى نعمة للجميع.

ثالثا، وفي سياق تربوي شامل ومتصل، أية حكومة استثناء، نعني تلك المدركة لضروريات الاستثناء والقادرة على تنفيذ مقررات استثنائية، لا يمكنها أن تغض الطرف عن تشكيل عقيدة جديدة للإصلاح التربوي ومن ثمة عن البدء في تحويلها إلى ممارسة. ويمكن تصنيف الحاجة التربوية الجديدة إلى أبواب ثلاثة متصلة عضويا ببعضها بعضا: إصلاح تعليم اللغات، إصلاح تعليم التربية الإسلامية، إصلاح تعليم العلوم.

في نهاية المطاف إنّ حكومة الاستثناء التي نرشحها للقضاء على البلاء الذي ينخر البلاد منذ زمن قد طال هي حكومة تكون سمة الاستثناء فيها دليلا على استبطانها لمبررات النجاح الثوري وما يتطلبه من أدوات لتهيئة الأرضية الإصلاحية اللازمة ومن وسائل للتحرك السريع والمُجدي.


كاتب تونسي

8