تونس: النهضة تستسلم للسبسي وتعد لـ"الغزوة" المقبلة

الجمعة 2014/11/28

يتجابهُ الباجي قائد السبسي ومحمد المنصف المرزوقي للتسابق والتنافس على الفوز برئاسة الجمهورية التونسية. لا مفاجآت كبرى خرجت بها الانتخابات الرئاسية التونسية في دورتها الأولى، فالنتائج أتت بما كان متوقعا ومستشرفا. الأول يمثّل تونس البورقيبية التي ما برحَ التونسيون يتدثرون بها، فيما الثاني يقدّم نفسه حامياً للثورة مانعاً لعودة رجالات العهد البائد. بين هذا وذاك تختصرُ تونس ببساطة تعقّد “ثورة الياسيمن” التي لم يُماط اللثام بعد عن أسرارها الكبرى.

تنتهي الفترةُ الانتقالية التي تلت ثورة “14 يناير”. تنتقلُ تونس إلى ما هو دائم. ينفض التونسيون غبارَ الميادين ويتخلّصون من ضباب ما تركته ثورتهم. تتراجع الشعبوية ولا تعود الشعارات الحالمة عملة تُصرّف في سوق البلاد. يذهبُ أهل تونس في ممارسة الديمقراطية وكأنها تمرينهم الأزلي، وهم فيها مكتشفون. منهم من يقاطعُ الانتخابات الرئاسية موقفاً، ومنهم من يغفلها بلادَةً وعدم اكتراث، منهم من يعتبرها عيداً وجب الانغماس به، ومنهم من يعتبرها فيصلاً يحددُ مستقبل البلاد. تونس بكل بساطة ودون تكلّف، بلدٌ ديمقراطيٌ بامتياز، يرقى في ممارساته السياسية إلى ما يتجاوز ما يُرتكب في شمال أفريقيا وما يُقترف في المنطقة برُمّتها.

لو اكتسحِ الناخبون مراكز الاقتراع وتجاوزَ حضورُهم النسب العقلانية، لكان على المراقب أن يقلقَ على القماشة الديمقراطية التي تُظلل السياق السياسي لتونس، على الرغم من شرعية السؤال حول عزوف الناخب عن الاستحقاق الرئاسي (حوالي 53 بالمئة) إذا ما قورن بنسب الاستحقاق التشريعي الأخير (64,4 بالمئة).

كلُ الارقام والنسب التي كشفت عنها صناديق الاقتراع عبّرت عن وسطية تشبه روح البلاد وثقافة مجتمعها. وسطية في نسب المشاركة في التصويت، تشبه تلك التي تسجّل في كبريات الديمقراطية في العالم، فيما وزّع الناخبون أصواتهم على المرشحين بما يعكسُ المزاج الحقيقي الوسطي للتونسيين. ما زال مزاجُ الرئاسيات منسجماً مع مزاج التشريعيات لجهة محض “نداء تونس” بما يجعلها الفصيل السياسي الأول، ولجهة التمسك بالمنصف المرزوقي في السباق، كرئيس مرشح ليخلف نفسه على رأس البلاد. يروح صوت الناخب التونسي بعقلانية ونضج لافتيْن باتجاه مصالحة تونسية لا تهمل قديماً، ولا تقطع مع جديد.

يقودُ زعيمُ حركة نداء تونس الباجي قائد السبسي السباق، على الرغم ممن تحفّظَ على ترشّحه، أو حتى عارضه، بسبب تقدمه في السن (88 عاماً). يتسلحُ الرجل هذه المرة بتصويت التونسيين للتدليل على صواب خياره بعدم الانسحاب من ذلك الاستحقاق، كما على صواب خياراته في التصدي للإسلام السياسي والدعوة إلى ليبرالية فكرية وسياسية واجتماعية تتسق مع تاريخ تونس الحديث. يسجّل لقائد السبسي أنه أعاد الاعتبار للبورقيبية التي كاد عهد بن علي أن يقزّم مرحلتها ويحيلها ذكرى آيلة للنسيان. لكن يسجّل أيضاً عجز المكونات السياسية المستحدثة منذ الثورة عن إنتاج فكر سياسي متقدم يمنع التونسيين من العودة إلى المطبخ القديم وإخراج الوصفات البيتية العتيقة من البيت البورقيبي العتيق.

لو لم تحكم حركة النهضة لما ظهرت حركة نداء تونس، ولو لم يقدّم حكم الترويكا أداء ركيكا مرتبكاً، لما خرج القائد السبسي من “أرشيف” تونس فارساً منقذاً لا تثقله إلا تلك العقود التي قاربت التسعة من عمره. في سرّ الرجل رواج الإسلاموية بطبعتها المتمثّلة في حركة النهضة بقيادة الشيخ راشد الغنوشي، أو بالطبعات السلفية أو الجهادية التي كادت تستبيح شوارع البلاد في لحظات مخيفة. وفي سرّ الرجل ما أظهره التونسيون من مقاومة عجيبة لما اعتُقِد أنه قدرُ المنطقة برمتها، وما فهمه من تلك المقاومة من أنها نتاج بورقيبية تغذي جذور تونس الحديثة وتونسييها.

في تأمل العرب للحالة التونسية خوف على تونس من عدوى العفن العابث في ديارهم. لكن أهل تونس، وبعيدا عن أية رومانسية، ما زالوا مؤمنين بسر الياسمين

مقابل “التسونامي” الذي مثّله السبسي وصحبه، تراجع حزب النهضة إلى المرتبة الثانية في التشريعيات وإلى المرتبة ذاتها في الرئاسيات، إذا ما سلّمنا جدلاً أن منصف المرزوقي يمثّل خيار حركة النهضة ويحظى بدعمها. صحيح أن لا مرشح رسميا للغنوشي وصحبه، بيْد أن قرار عدم تقديم مرشح رسمي للحركة اعتبر مناورةً قد تعكسُ إقرارا بعدم القدرة على المنافسة في معركة الرئاسيات تحت يافطة النهضة. وإذا ما تصرّفت النهضة وكأنها خسرت السباق الرئاسي أمام زعيم النداء، فإنها، ومن خلال دعمها للمرزوقي، وحتى اللحظات الأخيرة المقبلة، تروم تمتين موقعها المقبل في تونس، بانتظار أن تأتي الصفقات بما عجزت عنه استحقاقات الصناديق.

أطلّ المرزوقي على ناخبيه من نافذة الثورة على نظام زين العابدين بن علي. بدا أنها المكان الوحيد الذي يمكن أن ينفخَ منه خطبه، ذلك أنه شريٌك وشاهد على فترة حكم انحصرت داخل تيارات ثلاثة عرفت في تونس بحكم الترويكا، يتحمل كشركائه مسؤولية إخفاقاته. ظهر الرجل ممتناً للنهضة عن دعمه على رأس البلاد، لا يملكُ قدرةً ولا إرادة على معارضتها أو انتقاد مسلكها. لم يستطع هذا اليساري المعارض القادم من منفاه الفرنسي أن يقدّم رواية حداثوية تختلفُ عن أداء النهضة الغارف من خزائن التراث والتاريخ. تصرّف الرجل بصفته انتقاليا يحاكي المؤقت لا حكم له لتقرير مصير تونس الدائم.

وفيما ذهبت النهضة تنشّط ورشتها التمكينية لحكم طويل الأمد، انهمك المرزوقي بشكل فلكلوري في تقديم صورة جديدة لرئيس البلاد. أراد للثورة أن تدخل قصر قرطاج، فاكتفى بما هو مظهري في ديكورات القصر أو في برنسه ينتقل به داخل وخارج تونس معتبراً أنه يمثّل الأصالة والبعد عن التغرّب، فيما تونس تدخل زمناً مجهول المخارج وضبابي المسالك. استعاض المرزوقي عن توتر أدائه بتقديم ما هو انتقامي كيدي من نظام بن علي. وفي ما أنزل التونسيون بن علي عن “عرشه” (بتواطؤ كامل من الطبقة التونسية الحاكمة آنذاك)، بقي المرزوقي يصدحُ عند ذلك المفترق لا يغادره، فيما التونسيون أكملوا باتجاه ما ينقذ جمهوريتهم، وسرعان ما وضعوا بن علي وعهده وراء ظهورهم.

عاد “الدستوريون” إلى الساحة السياسية بقوة. توزعوا داخل تشكيلات سياسية مستحدثة خاضت الانتخابات التشريعية، فيما أطل رجالات بن علي يخوضون غمار الانتخابات الرئاسية حتى قيل أن عهد بن علي عائد إلى تونس. على ذلك استند منصف المرزوقي لتصليب عود حملته الانتخابية، فحمل لواء الدفاع عن الثورة مقدماً ترشحه بصفته الحصن المنيع لردع العهد البائد من حكم تونس من جديد.

وللصدفة، على هذا أيضاً اشتغلت الماكينة الانتخابية لحركة النهضة، فراحت تحث الناخبين بالذهاب مذهب رياحها، لا ذوداً عن الدين وسننه، بل منعاً لعودة النظام السابق.

قال التونسيون كلمتهم. تونس تتصالح مع نفسها، تتواءم مع ماضيها فلا تجتث تياراً ولا تبعد فصيلاً. لكن تونس تتسق مع حاضرها فتحشر وجوه العهد البائد داخل مساحات هامشية محدودة، فيما مرشحو ذلك العهد للرئاسة يتساقطون انسحاباً وإبعادا بحكم الصندوق. لم تعد أمام المرزوقي حجج كثيرة يرميها كالنرد على طاولة المنازلة الرئاسية. بقيت له حجة كبرى قد تفسّر ذهاب أصوات جديدة باتجاهه. التونسيون يخشون حكم الحزب الواحد إذا ما حكم “نداء تونس” في الحكومة والرئاسة، وعليه يتحرون توازناً يرونه أفضل للديمقراطية إذا ما وازن المرزوقي رئيساً مع حزب السبسي على رأس الحكومة. هي وجهة نظر كثيرا ما يسعى “الندائيون” إلى تفنيدها ونفي احتمالها.

في المفارقة أن التونسيين أعادوا الاعتبار لليسار القومي التونسي المتآلف داخل الجبهة الشعبية برئاسة حمّة الهمامي. تقدم موقع الجبهة في التشريعيات لتصبح رقماً لا يمكن تجاوزه في الائتلاف الحكومي القادم بقيادة “نداء تونس”، وانسحب الجهد التشريعي ليطال الهمامي مرشح الرئاسة وليثبته وفصيله القوة السياسية الثالثة في البلاد.

والمفارقة أن مفاجأة الانتخابات بطبعتيها التشريعية والرئاسية تمثّلت في صعود ظاهرة سليم الرياحي وحزبه والذي حقق المرتبة الرابعة في التشريعيات فيما يحقق المرتبة الخامسة في الرئاسيات. وإذا ما كان من إجماع على عامل الثروة والمال في حكاية الرياحي وحزبه، فإن الأمر يستدعي تأملاً وربما تحققا من عوامل صعود تيار سياسي يعتبر للعامة من خارج الاصطفافات الكلاسيكية التونسية. في المفارقة وخبثها أن يأتي في مراتب متقاربة (الثالثة والرابعة) من يبشر بالقيم اليسارية المنطلقة من خلفيات ماركسية، ومن يبشر بقيم المال والثروة والمال التي من العسير حالياً اقتفاء حكاياتها وخارطة وجودها.

لن تنهي الدورة الثانية للانتخابات الرئاسية مخاض ما بعد الثورة في تونس. التشريعيات والرئاسيات تضع السكة لهذا التحوّل النوعي الذي تسجله البلاد، بيْد أن ما تحقق في الاستحقاقين يمد أساسات فقط للورش الكبرى القادمة. أول تلك الورش الانتخابات البلدية المزمع إجراؤها العام المقبل. وعلى أرضية تلك الانتخابات يعاد بناء تونس الجديدة، وعلى أرضية ذلك ستسعى تيارات السياسة، الفائزة والخاسرة، للسيطرة على ما من شأنه التحكم بالعمق التونسي ويومياته.

في تسليط المجهر على تفاصيل الحدث التونسي الكبير سيلحظ المراقب كمّا هائلاً من الظواهر الحرة التي تصاحب تمارين الحرية في تونس الجديدة، وسيلحظ المراقب الفرادة الأسطورية للحالة التونسية وسط أنواء عاتية تضرب المنطقة من مشرقها مرورا بليبيا جارة تونس في المغرب العربي.

في تأمل العرب للحالة التونسية خوف على تونس من عدوى العفن العابث في ديارهم. لكن أهل تونس، وبعيدا عن أية رومانسية ساذجة، ما زالوا مؤمنين بسر الياسمين.


صحافي وكاتب سياسي

9