تونس: النهضة تعيد تموضعها فماذا يفعل الآخرون

الجمعة 2014/03/28

شهدت حركة النهضة في تونس تخلّي أمينها العام حمادي الجبالي عن موقع الأمين العام للحركة. والجبالي رئيس وزراء سابق قدم استقالته عقب اغتيال الناشط شكري بلعيد، وكان من السباقين لتأييد فكرة تشكيل حكومة تكنوقراط غير حزبية في بلاده.

أوساط في الحركة تقول أن اختلاف الآراء أمر طبيعي داخل التنظيمات الحزبية، وأن الحركة تنتهج نهجا ديمقراطيا يقوم على التصويت قبل اعتماد القرارات. غير أن الجبالي استقال من المنصب القيادي لسبب يتعلق أيضا بالديمقراطية التي لا يقتصر مفهومها على التصويت. وهذا السبب يعود إلى غموض صلاحيات موقع الأمين العام، إن كانت هناك صلاحيات فعلية لصاحب هذا الموقع، مع وجود منصب المرشد الذي يتمتع به راشد الغنوشي. وهو منصب يجعل منه مرجعا “روحياً” وسياسياً وتنظيمياً، بحيث تتركز في يده الصلاحيات الفعلية، علاوة على “الثقل المعنوي”.

بهذا فإن الرجل قد تخلى عن السلطة التنفيذية التي كان يتقلد رئاستها ممثلا للحركة، كما تخلى عن المنصب القيادي الأول في الحركة، وذلك في أجواء التحضير للانتخابات النيابية والرئاسية المقررة في نهاية العام الجاري 2014. أجل ليس ما حدث بانشقاق، لكنه دليل على اضطراب في الجسم القيادي للحركة، وقد سبقه انشقاق فعلي لقيادي آخر هو رياض الشعيبي.

في ضوء ذلك، وفي ضوء أداء حكومتي النهضة، يتوقع ملاحظون تونسيون كثر بعضهم من داخل الحركة، أن تنخفض حظوظ الحركة في مقاعد مجلس النواب المقبل خاصة مع ظهور منافس قوي يتمثل في حركة نداء تونس، وهي تضم خليطا من تكنوقراط النظام السابق وليبراليين ووطنيين مستقلين.

يسع حركة النهضة (وينظر المرء لها هنا كنموذج لأحزاب وجماعات مشابهة في العالم العربي يمكن البناء على تجربتها، والاستدلال من هذه التجربة) أن تعتبر خروج قياديين منها باعتبارها هزة عادية قابلة للاستيعاب والتدارك، إذا ما خرجت هذه الحركة من ازدواجيتها التي تسخّر الدين لأغراض سياسية، وأن تكتفي بكونها حركة سياسية ذات مرجعية دينية لها ما للحركات السياسية وعليها ما على تلك الحركات. لقد أشاد من أشاد بقدرة الحركة على الانحناء أمام العواصف، وبالذات عاصفة الغضب الشعبي العارم بعد اغتيال ناشطين سياسيين وتنامي نفوذ السلفيين وتهديد هؤلاء للمجتمع). ثم لما أبدته الحركة من مرونة محسوبة في اختيار رئيس جديد للحكومة، بعد حكومة علي العريّض المستقيل، وكذلك في المداولات الواسعة داخل مجلس النواب وخارجه لوضع دستور جديد تمّ وضعه بعد مخاض شاق.

لا شك أن الحركة قد استخلصت دروسا من تجربة مصرأثناء سنة حكم محمد مرسي، وكذلك الأمر مع ما جرى لحكومة أردوغان، حكومة حزب العدالة والتنمية، من تقلص قاعدتها الاجتماعية، علماً بأن هذه التجربة كانت إلى عهد قريب (أقل من سنتين) تشكل أفضل نماذج تجارب الإسلام السياسي في منطقة الشرق الأوسط، وذلك لجهة احترام التعددية الثقافية في المجتمع، ولمبدأ العلمانية المنصوص عليه في الدستور، وحيث صكّ رجب أردوغان تعبير “العلمانية المؤمنة” التي كان يمثلها هو وحزبه، هذا قبل أن تجرفه حمّى السلطة، وقبل أن يشيطن أي احتجاج شعبي على حكومته.

إضافة إلى الاستفادة من هاتين التجربتين، فقد استخلصت حركة النهضة الدرس من تجارب صعود السلفيين هنا وهناك. وبينما ساعد هؤلاء الحركة في الوصول إلى الحكم عبر صناديق الاقتراع، فقد اكتشف حكم النهضة بعد طول ممالأة للسلفيين، أن هؤلاء لن يوفروا أحدا في طريقهم بما في ذلك حركة النهضة الحاكمة. وأن هؤلاء علاوة على تشددهم المفرط وتأثيمهم للمجتمع برمته، فإنهم “يستدخلون” قوى وعناصر من خارج تونس تحت الراية الدينية العابرة للأوطان والحدود، كما يتسللون إلى دول مجاورة وغير مجاورة، وأن ذلك من شأنه إثارة مشكلات جسيمة داخل البلد وكذلك مع الجيران الأقربين: الجزائر وليبيا والمغرب.

من هنا انضمت تونس مؤخرا، في عهد النهضة، إلى الحملة على الإرهاب مع حصر مسماه بالجماعات التي تزاول السياسة من باب ممارسة العنف، وتأخذ القانون بيدها، وتهدد الدولة والمجتمع على السواء. وهو ما يعبر عنه خطاب الحكومة الجديدة برئاسة مهدي جمعة.

الفترة المتبقية حتى مختتم العام الجاري للانتخابات وهي فترة غير قصيرة، تشكل فرصة للنهضة لإعادة بناء حساباتها والانفتاح على المجتمع السياسي والتفاعل معه (هناك من يتحدث منذ الآن عن حكومة مقبلة تسفر عنها الانتخابات تتقاسمها حركة نداء تونس والنهضة).

ولاشك أن الحركة تملك هذه الفرصة، وقد باتت لديها خبرة في التحالفات منذ إرساء تحالفها مع حزبي منصف المرزوقي ومصطفى بن جعفر. وأشارت مؤشرات عدة في الأشهر الماضية إلى اتصالات شرعت في إجرائها مع حركة نداء تونس وقائدها الباجي قايد السبسي.

غير أن مشكلة حركة النهضة تبدو أبعد من ذلك، وذات مضمون ثقافي إن صح التعبير. فهي قليلة الصلة بالتراث الوطني المدني الذي يعود إلى فترة الحركة الوطنية، وإلى عهد بورقيبة والذي ساهم في تشكيل هوية المجتمع التونسي كمجتمع مسلم ذي طبيعة خاصة، فهو متفتح وتعددي له صلة قوية بالمتوسط الأوروبي، كما بالأفكار القومية التحررية الواردة من المشرق العربي. وليس معلوماً إن كان ما زال يُخامر قياديين فيها التطلع إلى إعادة هندسة هذه الهويّة المجتمعية بجعل المكون الديني هو الغالب على هذه الهوية أم لا.

ومغزى ذلك أن الحسابات السياسية وبالأحرى البراغماتية السياسية قد تقود إلى تفاهمات مع أحزاب عديدة، أو مع غالبية المجتمع السياسي باستثناء الاشتراكيين والعلمانيين والفرانكوفينيين، لكن الحركة لا تبدو مؤهلة حتى الآن للتفاعل أو حتى التواصل مع المجتمع المدني والثقافي والأكاديمي والإعلامي والفني.. إلى آخره، ليس مع نخب هذا المجتمع بل مع جمهوره العريض أيضا. وهو ما يجعل الفرصة متاحة للقوى المدنية والديمقراطية على اختلاف تلاوينها أن تملأ الفراغ، وأن تشحذ الهمة وتعقد العزم من أجل بناء تحالفات عريضة تحافظ على الهوية المشار إليها، وتعمل، في الوقت ذاته، على تطوير هذه الهوية بدمج إسلاميين مستنيرين فيها، مع النأي عن العلمانية المتطرفة التي تقصي الآخرين أو تنكر وجودهم، فقد تغير الوضع في البلد منذ قامت أول ثورات الربيع العربي في هذا البلد.

والنموذج “العلماني” السابق اقترن بالاستبداد وبإقصاء حتى العلمانيين، وهو ما يستلزم طرح نموذج جديد ومرن، يستوعب كل المؤمنين بمدنية الدولة كما يعترف بواقع المجتمع المسلم، ويعمل على تحييد من يمكن تحييدهم، والحؤول دون أن يتفرد طرف واحد بادعاء كونه الضحية للنظام السابق ويستثمر هذا الادعاء انتخابيا، فقد كانت قيم الحرية والعدالة الاجتماعية والتداول السلمي للسلطة هي الضحية الكبرى، ما جعل يساريين وإسلاميين ومستقلين ضحايا، سواء بسواء، لنظام الاستبداد.


كاتب أردني

8