تونس.. النهضة تهرب إلى الأمام ولا تستوعب رسالة مصر

الأحد 2013/08/18
بنات الطاهر الحداد يرفضن ثقافة الغنوشي

تونس – أضحى الحديث عن الأزمة السياسية الخانقة، التي تشهدها تونس، مرتبطا إلى حدّ كبير بتطوّر مسار الأحداث في مصر منذ إسقاط حكم الإخوان المسلمين إلى غاية فضّ اعتصامي "رابعة" و"النهضة" في القاهرة وما تلا ذلك من تداعيات دامية. وعلى خلاف ما كان متوقّعا، فقد بدا حزب النهضة الحاكم غير عابئ بشدّة الاحتقان في تونس على كافة الأصعدة، ومضى مسترسلا في سياسة الهروب إلى الأمام…

لا يُفوّت قيادات حركة النهضة الإسلاميّة فرصة لقاء صحفي أو جماهيري، ليلعبوا دور الضحيّة ويكرّروا تمرير "معزوفة" رديئة ملّها جلّ التونسيين تتمثّل في اتّهام المعارضة بكونها تدعو إلى "الانقلاب" على "الشرعيّة"، وذلك على خلفيّة انسحاب حوالي 60 نائبا من المجلس الوطني التأسيسي وخوض اعتصام مستمر، اجتمعت فيه المعارضة الديمقراطيّة على مطلب حلّ المجلس وتشكيل حكومة إنقاذ وطني.

أمّا اجترار شعار حماية "الشرعيّة" من "الانقلابيين" ودعاة "الثورة المضادّة"، فهو يعكس ما يختمر في أذهان قيادات حزب النهضة من خوف شديد من احتمال استنساخ السيناريو المصري في تونس، ولو بأشكال مغايرة، تؤول إلى إبعاد إخوان تونس عن سدّة الحكم.

في هذا المضمار، لم يتردّد زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي في توصيف دعوة المعارضة إلى حلّ المجلس الوطني التأسيسي والحكومة بـ"محاولة انقلابية صريحة"، مكابرًا – في حوار نُشر له أمس السبت- بأنّ محاولات الإطاحة بالمجلس التأسيسي والحكومة "باءت بالفشل".

والأكثر من ذلك أنّ الغنوشي حاول الترويج بأنّ خروج "مئات الآلاف من التونسيين مؤخرا للدفاع عن شرعية المؤسسات المنتخبة" دليل على قوّة الشعب ومناعته ضدّ ما سمّاها بـ"الدعوات العدميّة"، غير أنّ من تابع غليان الشارع التونسي منذ اغتيال النائب بالمجلس التأسيسي والمعارض القومي البارز محمد البراهمي يُلاحظ بيُسر أنّ حجم أنصار حزب النهضة لا يمكن مقارنته إطلاقا بالزخم الجماهيري الضخم الذي تظاهر بشكل شبه يومي أمام مبنى البرلمان في مدينة "باردو" للمطالبة برحيل الحكومة.

وقال الغنوشي، في نبرة لا تخلو من التهديد المبطّن، إنّ إلغاء المجلس التأسيسي وإسقاط الائتلاف الحاكم سينحو بالبلاد باتجاه الفراغ والفوضى. وهو بذلك يُعيد إنتاج خطاب إخوان مصر التصعيدي، هروبا إلى الأمام ودون اكتراث بما قد يؤدّي إليه من مخاطر انزلاق الأوضاع في البلاد، ولاسيّما تزامنا مع ما تُعايشه من مخاطر محدقة وتهديدات إرهابية متواترة.

وإمعانا في المكابرة وممارسة سياسة النعامة، التي تغمس رأسها في الرمال وترفض النظر إلى ما يجري فوق الأرض، أعاد راشد الغنوشي تقسيم المواطنين في مصر على أساس عقائدي وأيديولوجي، مثلما فعل مرارا بالنسبة إلى التونسيين. وقال في تصريح لقناة "المتوسّط" التلفزيونية التونسيّة، الملتزمة بالتأييد المطلق لحركة النهضة، مساء الأربعاء، إن "الإسلام السياسي أثبت اليوم في مصر بطولة عظيمة مقابل الإفلاس الذريع والشنيع الذي ثبّته على أنفسهم المدعوون بليبراليين وتقدميين وحداثيين".

ولا ريب أنّه من الخطورة أن يعتبر الغنوشي، وهو المتحكّم في دواليب حركة النهضة والحكومة التونسية الحاليّة، ما أقدم عليه الإخوان المسلمون في مصر "بطولة عظيمة" مقابل ما وصفه بـ"الإفلاس الذريع والشنيع" للمعارضة المصريّة. ففي ذهن كلّ متبصّر لا يخلو ذلك التوصيف من خطاب موارب خطير قد يُضفي الحماسة على أنصار حزب النهضة، لكنّه يُشجّع بدوره على استنساخ مسار الاحتقان والتصعيد السياسي المؤدّي إلى ممارسة العنف بعد تجميله والتهديد به ضمنيّا والتنظير له بكلام مُزخرف، لا يستشعر تداعياته.

ومن ثمّة، يبدو من الواضح أنّ رأس "النهضة" قد حدّد السقف بالنسبة إلى قيادات حزبه وأنصاره. فبتجميله جحيم الدماء المُراقة في مصر، أصرّ الغنوشي على عدم فهم رسالة مصر واستيعاب دروسها، بحجّة عدم جواز المقارنة.

وحسب ما يدور في تونس من نقاشات داخل الأحزاب ومفاوضات في بعض الغرف "المغلقة"، فإنّ إشكال إصرار المعارضة على حلّ المجلس الوطني التأسيسي يمكن إيجاد مداخل سياسيّة لتجاوزه، عبر إمهال المجلس فترة زمنيّة مُحدّدة لإنهاء أعماله. فالمعضلة الحقيقيّة إنّما تكمن في رفض حركة النهضة، بشكل مطلق إلى حدّ الآن، لمطلب تشكيل حكومة إنقاذ وطني. ويعني ذلك أنّ أيدي حزب الإخوان التونسي سينفض أياديه عن مفاصل الإدارة التونسيّة. وهنا ترتسم، بالنسبة إلى النهضة، خطورة تنازل الحزب الحاكم عن منصب "رئاسة الحكومة" لأيّ شخصيّة مستقلّة باعتبارها القلب النابض لحياكة تفاصيل خارطة الانتخابات المقبلة. فلا شكّ أنّ قلقا جسيما يُساور حركة النهضة بشأن إقدام أيّ حكومة قادمة، لا ترأسها، على عزل المحافظين الموالين لها داخل البلاد، لاسيّما أنّ الحكومة التي تقودها قامت بتنصيب 19 محافظا من إجمالي 24 محافظة في تونس.

ومن هنا يظهر رأس الداء، باعتبار أنّ حزب النهضة نفسه على وعي تامّ بمدى تراجع شعبيّته، حتّى أنّ الغنوشي ذاته صرّح سابقا بأن الحكم تسبّب في تهرّؤ حزبه، وهو ما تثبته نتائج استطلاعات الرأي بشكل متواتر.

ومع أنّ حركة النهضة ما انفكّت هذه الأيّام تكرر الدعوات إلى "الوحدة الوطنية والحوار" تجنّبا للمخاطر المحدقة بالبلاد، فإنّ المعارضة التونسيّة قد خبِرت من جهتها أنّ "الحوار"، في منطوق الحزب الحاكم، لا يعدو أن يكون سوى محاولة لتجاوز العاصفة وتخفيف شدّة الاحتقان السائد في تونس، بسبب فشلها في إدارة شؤون البلاد، دون أن يرقى ذلك ولو قيد أنملة إلى خلخلة هيمنتها العميقة على مؤسّسات الدولة.

هذا "الحوار" الذي يُنادي به حزب النهضة يبدو في نظر المعارضة من قبيل "حوار الطرشان" ومن شأنه أن يُعيد الأوضاع إلى نقطة الصفر، رغم المسؤوليّة السياسيّة لحكومة الحزب الإسلامي الحاكم في عدم تجنيب البلاد ظاهرة تعدّد الاغتيالات السياسيّة التي لم تعرفها تونس منذ استقلالها. ورغم ذلك فإنّ للحوار الجدّي، من أجل إنقاذ مسار الانتقال الديمقراطي في تونس، ألوانا أخرى لا يرغب حزب النهضة في تبصّرها.

ومن ثمّة جاء تأكيد حسين العبّاسي أمين عام "الاتحاد العام التونسي للشغل"، أكبر منظمة تونسيّة على الإطلاق، بأنّه "إذا استمرّ الجمود السياسي، فنحن لدينا خيارات وسنجد آليات لفرض الحوار على الأحزاب"، بما فيها النهضة طبعا.

وهو لئن رفض تشبيه "الاتحاد"، ذي النفوذ الكبير، بالجيش المصري فإنّه ليس ممّن يكابر في استيعاب ما جرى في مصر.

4