تونس.. النهضة تواصل لعبة المراوغة والأزمة تراوح مكانها

السبت 2013/09/21
حزب النهضة فرض استئناف المجلس التأسيسي أشغاله في غياب المعارضة ولا مبالاة بالأزمة

تونس - قالت حركة النهضة، في بيان يحمل توقيع رئيسها راشد الغنوشي أمس الجمعة، «تعلن حركة النهضة بعد تدارسها مبادرة الرباعية، قبولها بها وتطالب بالتسريع في انطلاق حوار وطني جاد يمكّن البلاد من الخروج من الأزمة السياسية إلى آفاق أرحب تُلبَّى فيها طموحات شعبنا في الحرّية والكرامة وما يخدم أهداف ثورتنا المجيدة».

والمقصود بمبادرة الرباعيّة هي ورقة عمل جديدة تقدّمت بها أربع منظمات وطنية تونسية للخروج من الأزمة والوصول إلى الانتخابات، وهي: «الاتحاد العام التونسي للشغل» و«الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية» و«الرابطة التونسيّة للدفاع عن حقوق الإنسان» و«الهيئة الوطنيّة للمحامين التونسيين».

وقد قدّمت هذه المبادرة خارطة طريق تتضمّن مواعيد محدّدة للاستحقاقات السياسيّة المقبلة المتعلقة باستئناف عمل المجلس الوطني التأسيسي شرط تحديد أولوياته في استكمال صياغة الدستور، وكذلك التوافق على تشكيل حكومة جديدة غير متحزّبة، غير أنّ الشرط الأساسي لهذه المبادرة هو التوافق على الخارطة السياسيّة قبل بدء الحوار للنظر في التفاصيل. وهو ما رفضه حزب «حركة النهضة» الإسلامي الحاكم بشكل متواصل، مطالبا بانطلاق الحوار الوطني بلا شروط. وهذا بالرغم من أنّ مبادرة الأطراف الأربعة تُعدّ في حدّ ذاتها تنازلا عن السقف الذي حدّدته المعارضة التونسية المطالبة أوّلا وقبل كلّ شيء باستقالة الحكومة للقبول ببدء الحوار الوطني.

ويعود موقف المعارضة إلى تحميلها حكومة حزب النهضة مسؤوليّة الاغتيالات السياسيّة التي جدّت في البلاد وآخرها، اغتيال النائب المعارض محمد البراهمي في 25 يوليو 2013، وذلك تزامنا مع الاحتفال بعيد الجمهورية في تونس.

وأكّدت حركة النهضة في بيان أمس «استعدادها التامّ غير المشروط للابتداء الفوري في جلسات الحوار الوطني للتوافق حول كل المسائل المطروحة».

وقد عدّد الحزب الإسلامي الحاكم هذه المسائل، داعيا إلى «التعجيل بالمصادقة على الدستور بوصفه غاية وركيزة للمهمة التأسيسية في أقرب وقت ممكن» على ألّا تتجاوز ذلك ثلاثة أسابيع. كما دعت النهضة إلى «التحديد النهائي لأجَل الانتخابات في ظرف لا يتجاوز ستة أشهر من تركيز الهيئة المستقلّة للانتخابات». وانتهت في بيانها إلى أن يتمّ «على ضوء ذلك، التوافق على التشكيل الحكومي الجديد رئاسة وأعضاء وبرنامجا».

ومع أنّ وسائل الإعلام الإلكترونيّة قد تسارعت مساء أمس لإعلان قبول حركة النهضة مبادرة الأطراف الأربعة الراعية للتفاوض والحوار الوطني، فإنّ مضامين بيان حركة النهضة ورد كما سابقيه محمّلا بالغموض والعموميّات والإبهام وعدم إيضاح موافقتها على خارطة الطريق المقترحة للبدء في إطلاق الحوار الوطني. كما اتّسم بازدواجيّة الخطاب، بما أنّه يتعارض مع مواقف رسميّ للحركة في الفترة نفسها.

وممّا يؤكّد ذلك أنّ حركة النهضة، التي أعلنت عن موافقتها على مبادرة الرباعية بالأمس، كانت قد رفضتها قلبا وقالبا أمس الأوّل، بل واتّهمت أصحاب المبادرة بالانحياز. فقد وقعت حركة النهضة، أمس الأوّل الخميس، بيانا مشتركا مع 11 حزبا صغيرا متحالفا معها، أكّدت فيه رفضها للمبادرة.

وقد أعلن هذا البيان، الصادر عن اجتماع المجلس المركزي لما يُسمّى بـ«الائتلاف الوطني لإنجاح المسار الديمقراطي»، بشكل حرفيّ عن «الاعتراض جوهريّا على ما تضمنه نص المبادرة من تفاصيل». كما أكّد البيان ذاته، وهو يحمل توقيع 12 قياديا بأحزاب الائتلاف المذكور من بينهم «نور الدين عرباوي» عضو المكتب السياسي لحزب النهضة الحاكم، أنّ «ما تقوم به المنظمات الراعية من جهود تفاوضية مع الترويكا الحاكمة ومع جزء فقط من المعارضة لا يرتقي إلى مرتبة الحوار الوطني الحقيقي وتمسّك الائتلاف الوطني بموقفه الداعي إلى مؤتمر وطني عاجل للحوار يضمن أوسع تمثيلية للأحزاب وللمجتمع المدني لا إقصاء فيه ولا وصاية ولا شروط مسبقة».

والواضح أنّ حركة النهضة إنّما تهدف من خلال الدعوة إلى توسيع المشاركين في الحوار بضمّ 11 حزبا، تُحسبُ من توابعها، إلى تمييع هذا الحوار وترجيح الكفّة لصالحها وإطالة فترة التجاذب قدر الإمكان بقصد إنهاك المعارضة. كما أنّ الإعلان عن رفض المبادرة بالأمس فقط وقبولها اليوم، يُثير استفهامات كثيرة عن مدى جديّة حركة النهضة أو بحثها فقط، كما تتهمها المعارضة عن ربح الوقت من أجل إضعاف وإنهاك جهود المعارضة وخفوت الاحتجاجات الشعبية ضدّها.

والجدير بالذكر أنّ إعلان حزب النهضة الحاكم أمس عن موافقته على مبادرة الرباعية، قد جاءت بعد تهديد الاتحاد العام التونسي صباح أمس بكشف المستور عن المتسبّبين في استدامة الأزمة السياسيّة الخانقة في البلاد.

وقال سامي الطاهري، الأمين العام المساعد للاتحاد العام التونسي للشغل والناطق الرسمي باسمه، قاصدا حركة النهضة وحلفاءها إنّه «تمّ تحويل كلمة الحوار إلى كلمة تافهة بالمماطلات والتلاعب والتحيّل السياسي، إلى حدّ أنّنا بلغنا مرحلة يأس من الحوار»، معتبرا أنّ «ردّ الترويكا (على المبادرة) كان فارغا وورقة بيضاء لا تجيب عن شيء.. وأعادتنا إلى النقطة الصفر».

وأوضح الطاهري، وكلامه عن أحزاب الائتلاف الحاكم بزعامة النهضة، «يقولون، مرّة أخرى كما بدؤوا، ندخل إلى الحوار ثم نتفاهم، وقلنا: نتفاهم قبل أن ندخل الحوار، وهنا مربط الفرس.

ويبدو أنّ الجماعة، بهذه الإجابة السلبية، يريدون أكثر من ذلك أي أن نعود إلى الوراء وخسارة ثلاثة أشهر».

وردّا على موقف حركة النهضة، هدّد الناطق الرسمي باسم الاتحاد العام التونسي للشغل، قائلا «سنكشف -في ندوة صحفية (اليوم السبت)- حقيقة من عطّل إخراج البلاد من الأزمة؟، وإلى من ترجع مسؤولية خسارة كلّ هذا الوقت؟ وإلى أين تريد هذه الإرادات السياسيّة الجاذبــة إلى الـوراء أن تذهب بنا؟».

وطبعا فإنّ الرسالة كانت واضحة جدّا بالنسبة إلى حركة النهضة، ولذلك حاولت استباق الأحداث بمراوغة جديدة ظنها البعض اتّجاها إلى إخراج البلاد من الأزمة الخانقة.

2