تونس.. النهضة ستغادر الحكومة لكن لن تغادر السلطة

الأحد 2013/12/29
النهضة وجدت نفسها تحت ضغوطات داخلية وخارجية

تونس- إثر تعهد رئيس الحكومة والقيادي في حركة النهضة علي لعريض في أكتوبر الماضي بالاستقالة وفق ما تنص عليه خارطة الطريق طمأن رئيس الحركة راشد الغنوشي القيادات الغاضبة بأن “النهضة ستغادر الحكومة ولكنها لن تغادر السلطة”، في رسالة مفادها أن الحركة الإسلامية الحاكمة تهيمن على مفاصل الدولة وعلى المجلس التأسيسي ولا تعدو مغادرتها الحكومة سوى “انحناء” ظرفي لعاصفة الضغوطات السياسية والشعبية.

حين تم ترشيح مهدي جمعة لرئاسة الحكومة لم يجد الغنوشي رسالة يوجهها لقيادات النهضة أفضل من تكراره بأن “مغادرة رئاسة الحكومة شيء ومغادرة الحكم شيء آخر” في محاولة لامتصاص حالة الغضب التي تشق النهضويين الذين يرون أنهم أولى بالحكم من غيرهم وأنهم “يمتلكون شرعية” قيادة البلاد إلى الانتخابات القادمة على الرغم من أن تلك الشرعية الانتخابية انتهت.

لكن رسالة الشيخ بأن النهضة “ستغادر الحكومة ولن تغادر السلطة” لم تكن موجهة فقط إلى قيادات الحركة التي مارست كثيرا من الضغوطات لفرض استمرارية الحركة على رئاسة الحكومة وإنما كانت موجهة أيضا إلى المعارضة العلمانية التي تشعر بأنها “هزمت” النهضة العنيدة وجردتها من قوتها وعنجهيتها لتدفع بها إلى خارج مقاليد الحكم مهزومة ذليلة.

ومنذ بدء الحوار الوطني الذي ترعاه أربع منظمات كبرى من المجتمع المدني، في مقدمتها الاتحاد العام التونسي للشغل، حاولت النهضة الظهور بمظهر الحركة القوية التي تتمسك بخيوط اللعبة السياسية حتى أنها رفضت التفاوض على مرشحها الوحيد أحمد المستيري على الرغم من المرونة التي أبدتها المعارضة العلمانية.

ويبدو أن الحركة الإسلامية وجدت نفسها خلال أسابيع المفاوضات تئن تحت ضغوطات داخلية وخارجية أجبرتها على التنازل عن شروطها والقبول بتنفيذ خارطة الطريق التي من أولى بنودها ترشيح شخصية سياسية مستقلة يعهد إليها تشكيل حكومة كفاءات مستقلة غير متحزبة تخرج البلاد من الأزمة التي تعصف بها منذ اغتيال الشهيد محمد البراهمي في 25 يوليو الماضي.

ويقول المراقبون إن النهضة قبلت مغادرة الحكومة بعد أن تأكدت من أن المعارضة ستلجأ إلى الشارع وتنظم الاحتجاجات في سيناريو مشابه لاعتصامات شهر أغسطس الماضي والتي مثلت ضغطا قويا وكادت تهدم حكم النهضة من الأساس.

كما يشير المراقبون إلى أن الحركة الإسلامية الحاكمة تعرضت خلال الأسابيع الماضية إلى ضغوطات مارستها الولايات المتحدة الأميركية وبلدان الاتحاد الأوروبي وكذلك الجارة الجزائر وهي بلدان معنية مباشرة بالوضع في تونس لما له من تداعيات سياسية وأمنية على المنطقة.

وعلى الرغم من التكتم الشديد حول الضغوطات الخارجية إلا أن تسريبات أكدت أن تلك البلدان طلبت من النهضة تنازلات وإبداء مرونة في تعاطيها مع الوضع الدقيق الذي تمر به البلاد من أجل إنجاح الحوار الوطني.

وأجبر الضغط المضاعف الداخلي والخارجي حركة النهضة على التعهد بمغادرة الحكومة في خطوة أكدت فشل كل محاولاتها لقيادة البلاد حتى إجراء الانتخابات القادمة التي يفترض أن تجري في العام 2014.

وبرأي المحلل السياسي صلاح الدين الجورشي فإن “النهضة اضطرت إلى مغادرة الحكومة ولم يكن ذلك باختيار منها” وإنما جاء نتيجة “الدور الهام الذي لعبته المعارضة والمجتمع المدني ووسائل الإعلام والقوى الخارجية إلى جانب ما حدث في مصر”.

ولا تخفي قيادات النهضة أن مغادرتها للحكومة كان كرها حتى أن عضو مكتبها السياسي عامر لعريض وهو شقيق رئيس الحكومة علي لعريض اعتبر مغادرة الحركة الحكومة “حدثا استثنائيا بكل المقاييس″ في إشارة واضحة إلى أن النهضة متمسكة بـ”شرعية” ممارستها الحكم.

غير أن الحركة الإسلامية الحاكمة التي تجيد المناورات السياسية مستفيدة من هشاشة المعارضة العلمانية وضعفها وتشرذمها والتي باتت تخشى أن يؤول مصيرها إلى مآل جماعة الإخوان في مصر تعهدت بمغادرة الحكومة بعد أن زرعت كوادرها خلال ثلاث سنوات في مفاصل الدولة والمجتمع وهو ما يفسر تأكيد الغنوشي أنها “لن تغادر الحكم”.

فمنذ انتخابات 23 أكتوبر 2011 رسمت النهضة خطة لأسلمة الدولة والمجتمع ونجحت ولو نسبيا في انتهاج سياسية الهيمنة على مؤسسات الدولة رغم صيحات المعارضة أن تونس تتعرض إلى فرض نمط مجتمعي غريب عنها وأن الدولة المدنية مهددة بدولة دينية.

وقد ساعدت سياسة “الأسلمة”، التي طالت مختلف المؤسسات والأجهزة، حركة النهضة أن تخترق مراكز القرار سياسيا واجتماعيا وأمنيا الأمر الذي جعلها اليوم أكثر اطمئنانا على الحكم حتى وإن غادرت الحكومة.

ويبدو أن “إغراق” مؤسسات الدولة بتعيينات كوادر حركة النهضة هو الذي يفسر تأكيد الغنوشي على أن الحركة لن تغادر السلطة نظرا للنفوذ الواسع والهام الذي تقوم به تلك الكوادر خاصة في المحافظات والمؤسسات العمومية في إدارتها لمختلف الملفات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية. ولعل هذا ما يفسر ترحيب الحركة بترشيح مهدي جمعة لرئاسة الحكومة.

2