تونس: انتخابات بلدية بأخاديد سياسية غائرة

الانتخابات البلدية في تونس مفصل مهم في إرساء الحكم المحلي والتخفيف من مركزية لطالما حكمت في السياسات العامة للبلاد.
الجمعة 2018/04/20
فوارق شاسعة بين القائمات

تتهيأ تونس في السادس من مايو المقبل لتنظيم أول انتخابات بلدية (محلية) بعد ثورة 2011، وعلى أهمية هذا الاستحقاق السياسي في تكريس الديمقراطية المحلية، فإن مرحلة ما قبل الحدث تدارُ بآليات لا صلة لها بالحكم المحلي بكل ما يقتضيه من معايير، بل تعبّر عن سعي لإعادة إنتاج تفاصيل المشهد السياسي الراهن بما يسوده من هيمنة واستقطاب وخطاب سياسي.

التأكيد على أهمية هذا المفصل السياسي الانتخابي في تونس، لا يحجب وجود مفارقات سياسية عميقة، ولا يخفي مراوحة الساحة السياسية لما يعتريها من هنّات: هيمنة الحزبين الكبيرين (النهضة والنداء) على المشهد، استمرار الخطاب السياسي في اجترار ما دأب عليه منذ سنوات الثورة من مخاتلات وتشويه للخصوم، وخلط الأطراف السياسية، جلها أو أغلبها، بين استحقاقات الانتخابات الرئاسية والبرلمانية وبين الانتخابات البلدية في البرامج والوعود، رغم ما يشق العمليتين من فروق واضحة، وأخيرا إمكانية انتظام الانتخابات قبل صدور القانون المنظم لها، أي مجلة الجماعات المحلية التي مازالت حبيسة مداولات مجلس نواب الشعب إلى حد اللحظة، والغريب أن إعلان لجنة التوافقات بمجلس النواب، بأنه ستتم منتصف الأسبوع القادم المصادقة على كامل مشروع قانون مجلة الجماعات المحلية جاء بعد انطلاق الحملة الانتخابية يوم 14 أبريل الجاري.

الانتخابات التي ستجرى في 350 دائرة بلدية في كامل أرجاء البلاد، والتي تقدمت لها أكثر من 2000 قائمة، بين أحزاب وائتلافات وقائمات مستقلة، بيّنت الفوارق الشاسعة بين القائمات، وكشفت أن المشهد السياسي الراهن يعاد إنتاجه واستنساخه في هذا الاستحقاق البلدي. والحال أن اختراع فكرة الانتخابات المحلية نبع من مبدأ سياسي يقوم على التخفيف من المركزية والسعي لتركيز الديمقراطية التشاركية وتوسيع دائرة المشاركة في رسم السياسات العامة. هذه الأبعاد والمبادئ لا يبدو أنها بصدد التحقق في تونس، أولا لأن الحزبين الكبيرين، فقط توصلا إلى التقدم في أغلب الدوائر البلدية في البلاد، ولئن كان هذا مشروعا بالنظر للإمكانيات المادية واللوجيستية للنهضة والنداء، فإن ذلك يمثل أيضا تأكيدا لهيمنتهما على المشهد السياسي الراهن والقادم، الوطني والمحلي، ما يعني تمكنهما من الإمساك بكل تلابيب السلطات في تونس. الوجه الآخر للمفارقة المتصلة بالحكم المحلي الموسوم بالغلبة السياسية، هو أن الكثير من “البرامج الانتخابية” المقدمة لهذا الاستحقاق أخطأت مرماها السياسي، وقدمت مشاريع لا تمت بصلة للديمقراطية المحلية، إذ نقرأ في العديد من البرامج والحملات حديثا عن البطالة والتنمية والفقر والمديونية العامة، وهي برامج يمكن تأصيلها في الانتخابات البرلمانية أو الرئاسية، في حين يفترض أن تركز البرامج الانتخابية المحلية على مشكلات الجهات والبلديات من قبيل النظافة والبيئة والبنية التحتية وغيرها من المشاغل التي تختلف باختلاف الجهات.

الخطير في هذا المسار السياسي الذي ارتفع نسقه هذه الأيام، بإعلان انطلاق الحملة الانتخابية، واتصالا بحرص كل حزب وقائمة على  ضمان النجاح في أكثر ما يمكن من جهة، هو ما ظهر من تباين بين الحملات الانتخابية، والتباين مرده مادي ولوجيستي بالأساس. هنا كانت الغلبة مجددا للحزبين الكبيرين. لكن ما يعزز التخوفات هو لجوء الحزبين إلى الآليات القديمة المتبعة زمن النظام السابق، وهي آليات لا يعوز نداء تونس امتلاكها باعتباره سليل الحزب الدستوري والتجمع المنحل في آن، ولا تعجز حركة النهضة عن امتلاكها أولا لأنها “عززت” صفوفها بالكثير من الوجوه المستقلة والدستورية والتجمعية واستفادت بما تمتلكه من “خبرات”، وثانيا لأنها تتوق إلى الفوز والتواجد في أكثر ما بوسعها من دائرة. وستكون للغلبة السياسية نتائج كثيرة، بدأت تظهر معالمها واضحة، من قبيل عودة المال السياسي إلى التداول في الحملات والمساعدات التي ترافق كل عملية انتخابية، إضافة إلى صعود الولاءات الجهوية والعشائرية، فضلا عما يمكن أن يعتري عملية الاقتراع من فساد مالي وسياسي.

لا شك في أن الانتخابات البلدية في تونس مفصل مهم في إرساء الحكم المحلي والتخفف من مركزية طالما حكمت السياسات العامة للبلاد، لكن ما يسود المشهد حاليا لا يشي بأن المسار يتجه نحو تحقيق وعوده، لأن فاعليه تعمدوا إسقاط العقلية المركزية على التجربة المحلية وفرض الغلبة على توسيع المشاركة. الانتخابات البلدية في تونس، خطوة مهمة في الانتقال الديمقراطي يتم تبديدها بإرادة حزبية لا تبقي ولا تذر. الانتخابات البلدية ابتكار بشري حديث، أبان في تونس عن أخاديد المشهد السياسي.

9