تونس: انتخابات في منطقة الخوف

السبت 2014/11/22

عندما يتهيأ موطن أو مواطنة تونسية لغمس إصبعه في حبر الانتخاب، فإنه يؤشر على انطلاق حدث مفصلي مهيب. تونس تصطفي رئيسها للمرة الأولى في تاريخها بمختلف أحقابه. لكن الحدث على أهميته وهيبته، لا يخفي أن الأمر برمته يقعُ في مناخ من الخوف الغامر.

تجري الانتخابات التونسية بشعار عام، لدى أغلب القوى والتيارات والشخصيات السياسية، مفاده ومختصره الخوف من شيء ما أو الخوف من الآخر. الخوف من التغول لدى البعض أو من عودة الحزب القديم، كما الخوف من إعادة إنتاج “الترويكا” (تلك التجربة السياسية الأليمة التي مرت بها تونس)، هنا يُختزَلُ الاستقطاب السياسي الحاد خوفا، وخوفا مضادا، ومن ثمة تخويفا للجميع من الجميع.

هل كان بالإمكان رسم مشهد سياسي تونسي من خارج منطقة الخوف؟ وهل أن واقعا سياسيا يدار بعقلية التخويف من الآخر، هو واقع سليم وسويّ؟ بيّن أن الاستقطاب السياسي الراهن هو نتاج لكل ما أفرزته مرحلة ما بعد الثورة، ولعل بعض تعابيره تعود إلى ما قبل الثورة من إرث مركّب، بل إن الاستقطاب المذكور هو تعبير عن كل القضايا التي تم تأجيلها أو إهمالها أو غض النظر عنها، عنوة وبسابق إضمار سياسي.

حين يبني الرئيس التونسي المؤقت، المنتهية ولايته باللغة القانونية الدستورية، حملته الانتخابية على التخويف من “التغوّل” أو من “عودة النظام القديم”، فإنه وبقدر إهماله للبرامج والرهانات الحقيقية، فإنه يضع نفسه، تماما، في منطقة المسؤول، بصفته السابقة والتي يطمح لاستئنافها، عما فعل وقدّم طيلة فترة رئاسته للحيلولة دون عودة النظام القديم، أليست عودة النظام القديم قرينة على فشل “النظام الجديد” (بأضلاعه العديدة) في تقديم البدائل التي تقطع مع النظام القديم ومناويله التنموية والسياسية؟ ألا تعتبر عودة النظام القديم وما قد يفرزه من “تغول” إدانة عارمة كاملة الأوصاف لفترة حكم الترويكا السابقة، قبل أن تكون تهمة تلصق بطرف أو بآخر (جدير التذكير بأن بعض الأصوات اعتبرت هزيمة النهضة في التشريعية الأخيرة ناتجة عن التحالف بين اليسار ونداء تونس)

في الضفة الأخرى من المشهد، دأبت الحملات الانتخابية المضادة على النهل من المعين نفسه، التخويف من إعادة “ترويكا” جديدة برئيس ترويكي مدعوم من النهضة وأنصارها، يصوتون له بانضباط “طقوسي”. قد يكون الأمر صحيحا، ولكن ألم ينتج خطاب التخويف من الإسلاميين ذاته، في نسخة 2011، صعود الإسلاميين بطريقة تتناقض مع كل القواعد السياسية ومقتضيات المرحلة يومئذ؟

في الحالتين، وسواء اتخذ خطاب التخويف لبوس التوجس من عودة النظام القديم، أو ارتدى جبة التخويف من ترويكا أخرى لا تبقي ولا تذر، فإن الغائب الأبرز هو البرامج والأفكار والتصورات الواقعية لرئيس واقعي لتونس جديدة. في الحالتين، يطنب الفريقين في تلويث المناخ السياسي بضرب من “تخويف الكل من الكل” (على شاكلة المثال الهوبزي)، إلا أنه أيضا يلغي إمكانية وجود خط ثالث، لا يقوم على التخويف ويحترم إصبع الناخب، رديف إدارته الحرة، وصنو حلمه في تونس تسع الجميع.

بين النظام القديم والترويكا المتهاوية (على الأقل بحكم الانتخابات الأخيرة) أخاديد سياسية غائرة، استثمر البعض في حفرها بحثا لنفسه عن موطئ قدم، أو عن أحجية يخفي بها عواره وانعدام بدائل تنفع الناس وتمكث في الأرض، إلا أن النظام القديم (الخائف والمُخوّف منه) ونظام الترويكا (الخائف بدوره والمخوف منه أيضا) كلاهما يؤدي إلى الآخر أولا، وكلاهما يستعيض عن الحلول بالتخويف. وإذا كان الخطاب الأول إمكانية لاستعادة سريعة لنظام بن علي، فإن الخطاب الثاني احتمال لاستحضار عاجل لداعش وما جاورها. ولاشك أن تونس تحتاج نموذجا أفضل من هذا ومن ذاك؛ تحتاج “دولة” بكل ما في الكلمة من مواطنة وقانون.


كاتب صحفي تونسي

9