تونس انتخبت وبعد

الثلاثاء 2014/10/28
التكافؤ بين الجهات على مستوى التنمية واتخاذ القرار أساس النجاح في المستقبل

تونس - صحيح أن الانتقال السياسي في تونس تم بهدوء تحسدها عليه دول الجوار ودول الربيع ‏العربي الملتهب وصحيح أن تونس عاشت مرحلة مشجعة من التجربة الديمقراطية، لكن ‏ يتعين على تونس أن تتبنى برنامجا إصلاحيا أكثر طموحا من أجل إتمام ثورتها وتلبية تطلعات شعبها وجني ثمار الديمقراطية، حسب الخبير البريطاني أنطوني دوركين.

في الجزء الثاني من مذكرة سياسية أعدها المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية بعنوان “الانتخابات في تونس وتعزيز الديمقراطية”، نشرت “العرب” جزءها الأول في 24/10/2014، العدد: 9717، ص(6)، يقدم أنطوني دوركين قراءة في بعض نقاط الخلل التي يجب على تونس إصلاحها للوصول بمسارها الانتقالي الديمقراطي إلى بر الأمن، ضمن عملية سياسية توافقية، حتى يكون إنجاح المشروع السياسي التونسي مثالا ملهما لدول الشرق الأوسط في اعتماد النظام الديمقراطي.

ولتجنب حدوث أزمة تحتاج تونس، وفق أنطوني دوركين، إلى إعادة هيكلة مؤسساتها بهدف معالجة موضع الضعف والإخفاقات التي ترسخت خلال فترات الحكم الماضي. لكن، هناك خطر يحدق بفترة ما بعد الانتخابات يتمثل في اقتران الحذر السياسي بالمقاومة المؤسساتية لكبح أي مبادرة إصلاحية واسعة النطاق. والمهمة العاجلة لاستعادة الاستقرار في تونس يجب ألا تحجب أهمية التغيير الجذري في العلاقة بين الدولة والشعب.


أين تتشكل عوائق التقدم الديمقراطي؟


حسب العديد من المحللين مازالت الإدارة العمومية في تونس تعاني من نقص المرونة وعدم الخضوع للمساءلة. ودعما لهذا الرأي يقول البنك العالمي في تقرير حديث إن البنية التحتية في السياسة العامة الموروثة عن عهد بن علي تكرس الإقصاء الاجتماعي وتشجع على الفساد.

يرى قطاع واسع من الناس أن تطبيق لامركزية اتخاذ القرار التي أقرها الدستور ضرورية حتى تكون الدولة أكثر تجاوبا مع مطالب المناطق الأكثر حرمانا

ويرى بعض الملاحظين أن الإدارة التونسية تحتاج انطلاقة جديدة ولا يجب أن تكتفي بمحاولات ترقيعية، وكان إلياس الفخفاخ، وزير المالية السابق، قد قال في تصريح له إن البلاد في حاجة إلى ثورة حوكمة وأن تتخلص من الفساد. ويرى قطاع واسع من الناس أن لامركزية اتخاذ القرار التي أقرها الدستور -لكن لم تطبق إلى حد الآن- ضرورية حتى تكون الدولة أكثر تجاوبا مع مطالب المتساكنين في المناطق الأكثر حرمانا.

النقطة الثانية التي تحدث عنها أنطوني دوركين ضمن برنامج الإصلاحات الضرورية في تونس، هي الحاجة إلى إصلاح القطاع الأمني؛ حيث يرى الكثير من الملاحظين أن قوات الأمن كانت في أعقاب الثورة محبطة وسلبية، والآن بعد أن حظيت هذه المصالح الأمنية بمساندة شعبية متجددة لمجابهة الخطر المتزايد للإرهاب بدأت بعض الممارسات القمعية تظهر من جديد مثل استخدام القوة المفرطة وسوء المعاملة عند الاعتقال وحتى التعذيب. وبالتوازي مع المصالح الأمنية يحتاج القضاء التونسي إلى إعادة الهيكلة، حسب المذكّرة الأوروبية، حيث يحتوي الدستور التونسي على بنود قوية تتعلق باستقلالية القضاء، لكن في الوقت نفسه ما يزال أغلب القضاة الذين عينوا في النظام القديم في مناصبهم إذ لم يكن هناك مجهود ممنهج في إصلاح القضاء.

وبرغم العراقيل المحتملة أمام إقرار الإصلاحات يبقى الكثير من الشباب التونسي مهتم ومشارك في الحياة العامة بشغف. وبشيء من الضغط الخارجي وتغيير القيادة داخل الأحزاب من المحتمل أن يستمر الحافز للإصلاح الذي سيكون في كل الأحوال عملية طويلة المدى. ويبقى النشطاء الشبان متفائلين بأنه في ظرف عشر سنوات سيضطلع جيل جديد له طريقة مختلفة في النظر للأشياء بدور سياسي أكثر بروزا. لكن لكي يحدث ذلك يجب أن يتقدم المسار الانتقالي في تونس إلى الأمام.

إلياس الفخفاخ: تونس في حاجة إلى ثورة حوكمة والتخلص من الفساد


كيف يمكن لأوروبا تقديم المساعدة؟


في الجزء الأخير من مذكّرته قدم الخبير البريطاني أنطوني دوركين مجموعة من الأطروحات حول الدور الذي يمكن أن يلعبه الاتحاد الأوروبي، وبشكل خاص الدول التي تربطها علاقة جوار متوسطية أو علاقات اقتصادية وأيضا علاقات تاريخية، في دعم المسار الديمقراطي في تونس.

ويشير الباحث إلى أنه في أعقاب الثورات العربية أعادت أوروبا تشكيل سياساتها نحو جنوب المتوسط للتركيز على دعم الديمقراطية والإصلاح الاقتصادي. في ذلك الوقت كانت أوروبا ترى أن كل بلدان المنطقة مرشحة للإصلاح، لكن الآن يبدو أن تونس هي المنارة الوحيدة للانتقال الديمقراطي وأوروبا مهتمة كثيرا بالحيلولة دون فشل هذه الجهود. ويقول المسؤولون الأوروبيون إنهم مدركون لأهمية تونس ويعملون على بذل أقصى ما في وسعهم لزيادة الدعم لها، لكن ما لم يحدث بشكل واضح هو المراجعة الواسعة لسياسة أوروبا تجاه المنطقة ومكانة تونس فيها.

تستمر أوروبا في مواجهة مشاكلها الاقتصادية الخاصة بها ومحدودية مواردها، لكن نظرا لحجم تونس ليس هناك حاجة إلى أموال ضخمة لإحداث أثر ملحوظ على مستقبل البلاد في هذه الفترة الحرجة. يجب على الاتحاد الأوروبي أن يعتبر تونس شأنا استراتيجيا بصفة خاصة في السنوات القليلة القادمة ويكون مستعدا لاستثمار موارد مهمة ومجهود سياسي في تطويرها.

والأهم من ذلك، على الاتحاد الأوروبي أن يتأكد بأنه لن يغفل عن تونس في وقت يبدو فيه أن الوضع في ليبيا والعراق يستحق الأولوية في الاهتمام.

وعلى المدى البعيد قد يكون تواصل التطور الديمقراطي في تونس ذا أهمية كبيرة لمنطقة البحر المتوسط، لذا على الاتحاد الأوروبي أن يفعل ما بوسعه لدعمه.

7