"تونس باي نايت" لإلياس بكار.. شاهدنا الليل ولم نر تونس

بعد فيلمه الروائي الطويل “هي وهو” (2004) والوثائقي “كلمة حمرا” (2012) و”أنا فين” (2016)، يواصل المخرج التونسي إلياس بكار تجربته السينمائية في البحث في واقع العلاقات الإنسانية بشريطه الجديد “تونس الليل” الذي انطلق عرضه بالقاعات التونسية.
الجمعة 2017/09/29
ملامح واحدة

تونس – “تونس الليل” أو “Tunis By Night“، هو رابع أفلام المخرج التونسي إلياس بكار، بين طويل وقصير، والذي تدور جميع أحداثه في 48 ساعة.

و”تونس الليل” عنوان برنامج إذاعي مثّل منطلق أحداث الفيلم، برنامج يقدمه الإعلامي يوسف بن يونس والذي تقمص شخصيته الممثل رؤوف بن عمر، لطرح أزمة المثقف في تونس ودوره في بلورة المفاهيم المجتمعية الجديدة بعد المتغيرات التي شهدتها البلاد أثناء شرارة ثورة تونس 17 ديسمبر 2010/ 14 يناير 2011.

وأراد يوسف من خلال حلقته الأخيرة من برنامجه الذي جاوز الربع قرن من البث، وهو الذي سيحال ليلتها على التقاعد الوجوبي، أن يتطرق إلى حادثة الشاب الذي قام بحرق جسده في مدينة سيدي بوزيد (وسط تونس)، إلاّ أن مديره الذي تقمص دوره الممثل المنصف الأزعر، يمنعه من الإشارة إلى الحادثة ويقطع بث برنامجه، وبمجرد خروج يوسف من مقر الإذاعة ليلا يتم إيقافه وإحالته على التحقيق الأمني.

بين ليلة 17 ديسمبر واليوم الذي يليها، تتغيّر حياة يوسف الذي يكتشف أنه أب عاش لنفسه ونرجسيته المهنية وهو الإعلامي اللامع، فعائلته متشرذمة كحال الوطن أيامها، ابن بكر “أمين” (قام بالدور حلمي الدريدي) عاد مطرودا من أميركا بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، وهو الذي له ميولات أيديولوجية إسلامية تتضح من خلال حديثه مع شقيقته الصغرى “عزيزة”، والتي أدت دورها ببراعة أميرة الشبلي، حيث كان يلومها على صعلكتها ومجونها، وهي الفتاة السكيرة والمتمرّدة على الأعراف والتقاليد والعاشقة للموسيقى الصاخبة.

أما الأم “أمل” التي أدت دورها بارتباك أمال الهذيلي، العائدة إلى الشاشة الكبيرة بعد طول انقطاع، فتجد في صلاتها وحجابها ملاذا لها ووقاية من مرضها العضال، فأهملت زوجها وخابت في العناية ببيتها وتربية نجليها.

الفيلم يطرح قضية المثقف ومدى اغترابه وغربته في وطنه بين واجبه المهني الذي يتطلب التعبير عن هموم الناس وحرقة البلد وبين إملاءات الصمت في زمن الجمر، لكن بكار مرّ مرور الكرام في “تونس الليل” على هذا الطرح الإشكالي الهام، فرأينا “الليل” بكابريهاته وحاناته ومعاركه الليلية الجانبية، ولم نر تونس الشارع المحترق ليلة 17 ديسمبر والتي تليها.

بكار أطنب في تصوير مشاهد العلب الليلية والسهرات الخاصة والحانات المكتظة بالزجاجات دون التوغل كثيرا في الاختلاجات

ما يحسب لإلياس بكار في فيلمه الروائي الثاني، تمكّنه من إعادة نجمة سينمائية تونسية متفرّدة إلى عالم الأضواء، وهي التي اختارت الاعتزال بعد أن تحجّبت، ونعني هنا أمال الهذيلي التي أبدعت في “صمت القصور” لمفيدة التلاتلي و”بنت فاميليا” للنوري بوزيد و”صيف حلق الوادي” لفريد بوغدير وغيرها من الأفلام التونسية الفارقة، لكنّها بدت في فيلم “تونس الليل” وكأنها تتلمّس طريق عودتها، فشاهدنا أمال الهذيلي التي أملت شروط مشاركتها في الفيلم على المخرج فجسّدت دورها وهي بالحجاب، ولم نر إدارة بارعة للممثل من قبل بكّار وفق ما تقتضيه صدقيّة المشاهد، وإلاّ كيف نفسّر ظهور أم تتحرّك بين أهلها وذويها وهي بالحجاب؟

ومن السقطات الكبرى للفيلم أيضا مشهد إقفال الابن أمين لدكان الحليّ خاصته، في مشهد ليلي دون أن يضع قفلا حتى، وكأننا في المدينة الفاضلة، وما هي بفاضلة حتما، خاصة وأن البلاد ليلتها كانت على صفيح ساخن.

ورغم هذه الهنات حفل الفيلم بمشاهد مميزة كالحوار الثلاثي بين أمين الابن ورجليْ الأمن، أو مشهد التداعي الحر ليوسف في برنامجه الإذاعي الأخير، كما أتت بعض المشاهد في شكل كتابة مسرحية أكثر منها كتابة سينمائية، وهو ما جعل إيقاع الفيلم بطيئا في جزء كبير منه.

وجاء أداء الممثلين بنسق واحد وملامح واحدة وإن تصاعد الحدث الدرامي، ونتحدّث هنا عن كل من رؤوف بن عمر وأمال الهذيلي وحلمي الدريدي، باستثناء أميرة الشبلي التي كانت اكتشاف الفيلم.

حاول إلياس بكار في فيلمه الذي امتدّ زهاء الساعة ونصف الساعة، أن يرسم بكاميرا ناقلة وناقدة لليليتين ساخنتين من ليالي تونس 2010، وما مرّت به البلاد والعباد من تناقضات صارخة بين مُبال وغير مُهتم، وبين مُتحفّظ ومُتحفّز، وبين عابث وآخر يتحضّر للانقضاض على شرارة الثورة والثروة، لكّنه أطنب في تصوير مشاهد العلب الليلية والسهرات الخاصة والحانات المكتظّة بالزجاجات دون التوغّل كثيرا في الاختلاجات، فأتت بعض المشاهد في الفيلم مستنسخة من الفيلم المغربي “الزين إلي فيك” لنبيل عيّوش وأخرى نسخة طبق الأصل من فيلم “على حلّة عيني” للمخرجة التونسية ليلى بوزيد، وبين هذا وذاك حضرت المدينة العربي كالعادة، والهلع من الختان كما هي عادة كل فيلم تونسي بدعم فرنسي!

وفي المحصلة يمكن الانتهاء إلى أن فيلم “تونس الليل” كان بإمكانه أن يكون فيلما مهما كتابة وطرحا، لو أنّه خرج إلى القاعات قبل أحداث يناير 2011، كشأن فيلم “آخر فيلم” للنوري بوزيد (2006) أو الفيلم المصري “حين ميسرة” لخالد يوسف (2007) اللذين استشرفا بطريقة أو بأخرى أحداث الربيع العربي، أما أن يقول بكار ما قاله الآن، بعد أن قالت الشعوب كلمتها، فقد قتل ريادة المثقف من حيث لا يدري، وهو الذي أراد لفيلمه الانتصار له.

16