تونس.. بلا وسط ولا يسار

لا يمكن الحديث عن جبهة موحدة تقف في وجه الإسلاميين الذين يتمركزون الآن في موقع الحزب الليبرالي البراغماتي الباحث عن الاعتراف الدولي به كقوة محلية جاهزة للاستخدام والتوظيف بالمرونة الكاملة.
الخميس 2020/10/15
تيار يؤسس لطريق ثالث حقيقي

في البحث عن الخلاص من أزماتها لا تجد تونس سوى واجهة واحدة، وهي واجهة اليمين الليبرالي، على المستوى الاقتصادي. وسياسيا، تقلص التنوع السياسي الممثل لأكثر من 200 حزب إلى نوع واحد هو اليمين الإسلامي ممثلا في حركة النهضة، التي تجد في كل أزمة من تتحالف معه من بقايا الحزب الذي قاد الدولة الوطنية في العقود الأخيرة، وهو حزب ليبرالي بهوية فضفاضة، فهو يمين ووسط وأحيانا يرفع شعارات الطريق الثالث الخاصة بالعدالة الاجتماعية، دون أن يحقق منها سوى بعض الملامح الصغيرة لاستثمارها في المزاد السياسي.

وإذا كانت حركة النهضة قد استمرت في لعب دور المحرك المحوري، فليس لقوة فيها، ولكن لغياب خصوم حقيقيين يمكن أن ينافسوها على كسب ثقة الشارع. مع العلم أنها حركة ليبرالية براغماتية أعلنت منذ 2012 عن تخليها عن مطالب تطبيق الشريعة و”الإسلام هو الحل”، وصارت تحمل نفس جين الليبرالية المشوهة التي تبنتها أحزاب التحرير الوطني في المنطقة.

النهضة تقاتل تحت جبة التاريخ وبأفكار وقيم من خارج مرجعيتها الفكرية.

تونس

كان الأمل معقودا في انتخابات 2014 على بناء مشهد سياسي قائم على التوازن بين الحركة الإسلامية وحزب نداء تونس، الذي أسسه الراحل الباجي قائد السبسي تحت ضغط شعبي من الفئات المتخوفة من صعود الإسلاميين وكسر النمط الاجتماعي القائم على الانفتاح.

لكن هذا الأمل سقط سريعا مع أول اختبار، حين اضطر قائد السبسي إلى التحالف مع النهضة لتكوين حكومة الضرورة، التي فرضتها توازنات البرلمان و”نصائح” جهات خارجية، تريد اختبار قدرة الإسلاميين على تقديم التنازلات. لقد تشظى حزب نداء تونس إلى أجزاء كثيرة، وما يزال هذا التشظي يطارد المنشقين عنه رغم تغير الأسماء والفاعلين، وتغير الشروط في حركة عبثية لا تحقق سوى هدف وحيد هو إظهار أن حزب النهضة هو الحزب الوحيد في البلاد، الذي يمكن للخارج، دولا وجهات مانحة، التعامل معه.

وفيما يميل البعض إلى نظرية المؤامرة ويعتقدون أن النهضة تشتغل على إضعاف خصومها، لكن الواقع يقول إن مجموعات وسط اليمين ليست مجموعات حاملة لبرامج أو أفكار كبرى تمكنها من وضع مقاسات لتحالفاتها والتفريق بين الخصم الثانوي والاستراتيجي، وهذا ما يفسر التجاءها إلى النهضة دائما وهي تعرف أن الحركة الإسلامية هي أكبر مستفيد من حالة التشظي.

قد يكون تلاقي أرواح، فالإسلاميون ووسط اليمين ليبراليون فكرا وسلوكا، وبات واضحا للعيان أنهم الأكثر قدرة وتلونا على مجاراة النموذج الاقتصادي الذي تفرضه الصناديق الدولية المانحة، واستعدادهم لقيادة “الإصلاح الهيكلي”.. لكن الصحيح، أيضا، أن مجموعات وسط اليمين تتشكل الآن في تونس، وفق مصالح أشخاص انتهازيين، يبحثون عن مكاسب سريعة بالتحالف يمينا ويسارا.

يتهم منشقون عن الكتلة الوطنية، وهي منشقة عن حزب “قلب تونس”، النهضة بأنها كانت وراء تفكيك كتلتهم بهدف الاستحواذ عليها وتوسيع التحالف البرلماني الداعم لرئيس الحكومة هشام المشيشي، وهو ادعاء هدفه التبرير والتغطية على سبب العلة الرئيسي، وهو سعي قيادات في هذه الكتلة، قبل التشظي وبعده، إلى تحقيق مكاسب شخصية لم يحصلوا عليها في الحزب الأصلي، الذي صعدوا ضمن شعاراته، ويبحثون عنها لدى مجموعات تناقض الأفكار التي يحملونها.

وتقول تسريبات إن رئيس الحكومة الأسبق مهدي جمعة يعد لتأسيس حزب جديد على أنقاض حزب البديل، وأن الحزب الجديد ستكون مهمته الأولى توحيد “الدساترة” (الذين يحملون أفكار حزب بورقيبة الحزب الدستوري)، وأن الحزب الجديد يحوز على دعم خارجي يهدف إلى بناء قوة وازنة لمواجهة الإسلاميين.

والمفارقة، أن هذا الحزب، الذي يحمل عنوان التوحيد، سيكون هدفه الأول ضرب الحزب الدستوري الحر، الذي تقوده عبير موسي، وتقديم خدمة مجانية لحركة النهضة التي لم تخف انزعاجها من صعود عبير موسي في الأشهر الأخيرة، خاصة بعد نقل المواجهة إلى البرلمان.

كما سيتقاطع الحزب الجديد مع “الجبهة الوسطية”، التي يعمل على تأسيسها الوجه التاريخي اليساري القومي أحمد نجيب الشابي، بالتعاون مع شخصيات عملت في نداء تونس سابقا مثل سلمى اللومي، الوزيرة في عهد قائد السبسي ورضا بالحاج.

وبالنتيجة، لا يمكن الحديث عن جبهة أو قوة مدنية ليبرالية موحدة تقف في وجه الإسلاميين الذين يتمركزون الآن في موقع الحزب الليبرالي البراغماتي الباحث عن الاعتراف الدولي به كقوة محلية جاهزة للاستخدام والتوظيف بالمرونة الكاملة.

ولا يختلف الأمر كثيرا عند الوسط الاجتماعي الذي يعاني من غموض الأفكار والبرامج التي يدافع عنها ممثلوه (أساسا التيار الديمقراطي الذي أسسه الزوجان محمد وسامية عبو، وهو فرع منشق عن حزب الرئيس الأسبق محمد المنصف المرزوقي).

تونس

وأزمة هذا التيار، الذي يراهن كثيرون على أنه يمكن أن يؤسس لطريق ثالث حقيقي خاصة مع تراجع اليسار وانكفائه، هي نوعية الزعامة التي تتصدر المشهد سواء المرزوقي أو محمد عبو، وهي زعامة تقوم على اختزال مسار النضال لأجل العدالة الاجتماعية في القيادة، وهو ما قاد إلى انشقاقات كثيرة، وغياب التقييم، فضلا عن خسارة تحالفات كان يمكن أن تضع أرضية دنيا لكتلة تاريخية من أهم مهامها فرز قوى الثورة الصاعدة، وبينها الإسلاميون، على قاعدة النضال لتغيير الوضع الاجتماعي وفق محرك العدالة الاجتماعية.

ورغم الدور المؤثر لحركة النهضة الإسلامية في عرقلة حكومة الفخفاخ، لكن التيار الديمقراطي الذي كان يقود الحكومة عمليا بأفكاره ومعاركه خاصة الحرب على الفساد كان يمكن أن يزيح الكثير من الأشواك في طريق معركته الأهم، وهي وضع الثورة/ الدولة على طريق العدالة الاجتماعية وتحكيم القانون وتكافؤ الفرص.

لقد كشف الظهور الأخير لمحمد عبو، والذي بدا فيه يائسا ومحبطا، ولجأ فيه لاتهام الشعب بالتقصير والتطبيع مع الفساد، أن أزمة الطريق الثالث، كما اليسار، هي غياب الزعامة الباحثة عن كتلة تقود التغيير بدل رهن التغيير لشخصيات تطبعه بأمزجتها وحساباتها، ولو كانت شخصيات ثائرة ولديها سجل نضال سياسي قوي.

ويحتاج مسار التغيير، وفق ما يشير إلى ذلك أونتوني جيدنز، صاحب “الطريق الثالث”، لأن يراجع الديمقراطيون الاجتماعيون وجهات نظرهم المسبقة باستمرار بصورة أكثر تدقيقا وشمولا مما يفعلونه الآن.

9