تونس بلد العجائب

الخميس 2016/10/06

سيذكر التاريخ أن خمس سنوات كانت كافية لفضح مقولة “البلد المتفتح والشعب المتسامح والشباب المتعلم”، التي كرسها الإعلام في تونس وخارجها. وحسبنا أن نتوقف لحظة عند البعض من الأمثلة لنرى الحقيقة عارية.

شباب يقوم بثورة ثم يلوذ بالمنافي بحثا عن أفق أرحب؛ وينادي بالعدل والحرية والكرامة ثم يلتحق بالجهاديين ليقاتل في صفوف من ينكرون هذه القيم، ولا يعترفون حتى بحرمة النفس البشرية. فتيات يزعمن اعتناق الحداثة ويطالبن بالمساواة مع الرجل، ثم يسفحن أنوثتهن في جبهات القتال باسم جهاد النكاح. شعب يدّعي التفتح والتسامح ثم يصوّت للإسلاميين الذين يجرّمون الرأي الآخر بوصفه عصيانا لأولي الأمر، ويثور ضد منظومة فساد ثم يختار فريقا أفظع فسادا، يتاجر في كل شيء، بدءا بالدين.

إعلاميون ورياضيون ومطربون اهتدوا فجأة إلى الصراط القويم فهجروا العلب الليلية، واستعجلوا ظهور سيماء الإيمان على جباههم وذقونهم كي يتقربوا ممن آلت إليهم السلطة لعلهم يفوزون بمنصب. مثقفون تبنوا فكر الأنوار، ثم انقلبوا فجأة لينعتوا السياحةَ بالبغاء، وإضرابَ العمال إفسادا في الأرض يستحق الصلب وتقطيع الأطراف من خلاف.

شعب يرفع الشابي شاعرا قوميا ويفاخر بترديد بيتيه الشهيرين، ثم لا يحرك ساكنا لإنقاذ بيته من الهدم. مُفتٍ يحرّم خروج اليائسين من وعود الحكومات المتعاقبة إلى الشوارع، ويغض الطرف عن ناهبي المال العام في وضح النهار. شرفاء يبلّغون عن الفساد فيعاقبون ويُترك المفسد أو يُرقّى.

بلاد يُنعت أهلها بالتسامح، ثم تتحول إلى أول مصدّر للإرهابيين؛ وتُحسد على تماثل مواطنيها في العرق والمذهب واللغة، ثم تنفصل إلى طائفتين: مسلمة وعلمانية، وإن شئنا الدقة، مؤمنة وكافرة حسب التقسيم المانوي الإخواني. بلاد قيل إن لها بنية تحتية عصرية، ثم عرّت الثورة الحقيقة المرة، فإذا هي وجهٌ يأخذ بأسباب الحداثة، وقَفًا لا يزال يعيش عيشة القرون الوسطى. بلاد أشيد بمشروعها التربوي الحداثي، فإذا هو لا يفرز في عمومه إلا شبيبة متأثرة بالفكر السلفي أو ضحلة التحصيل المعرفي، كما أشيد بشبكتها التعليمية المنتشرة في سائر أنحاء البلاد، والمدارس خارج المدن الكبرى أشبه بأكواخ تنهار عند أول هبّة ريح. نخبة سياسية ترمي الرئيس المخلوع بالجهل، فإذا هي دونه كفاءة في تسيير شؤون البلاد، وتندد بالحكومات الفاشلة ثم لا ترى حرجا في الانضمام إليها.

وأعجب ما في تونس أن ثورة شبابية رضيت بأن يقودها عجوزان، أحدهما ظلاميّ، والثاني يفوق السن التي أزيح فيها بورقيبة بحجة شيخوخته، يسيّران معا دولة تطمع في الاستثمارات الخارجية وتعجز عن استبقاء الموجود.

كاتب من تونس مقيم بباريس

15