تونس بين حماية خطوطها الجوية وثمنها الباهظ على الاقتصاد

فتح انضمام تونس لاتفاقية “السماوات المفتوحة” مع الاتحاد الأوروبي باب الصدام بين الحكومة الساعية لاستقطاب شركات الطيران وتوسيع فرص انتعاش الاقتصاد، وبين النقابات التي ترى أن الخطوة ستنهي هيمنة الخطوط التونسية وتجعلها في مواجهة منافسة شرسة.
الاثنين 2018/03/12
رحلة شاقة إلى سماوات المنافسة المفتوحة

أريانة (تونس)- عكس الموقف الثابت للمسؤولين التونسيين حول اتفاقية السماوات المفتوحة مع الاتحاد الأوروبي، انحياز الحكومة للفرص الكبيرة التي تتيحها لإنعاش الاقتصاد رغم أنها يمكن أن تقذف تحديات كبيرة بوجه شركة الخطوط التونسية الغارقة في المشكلات.

ولدى الحكومة قناعة بأن الاتفاقية ستمكن من جلب المزيد من السياح لتونس وسينعكس ذلك إيجابيا على الاقتصاد من خلال خفض أسعار النقل الجوي وتحسين الخدمات وتوفير فرص عمل جديدة، فضلا عن كونها محفزة للاستثمار.

وتشير التوقعات إلى أن الاتفاقية ستوفر حوالي 8 آلاف فرصة عمل جديدة من خلال ارتفاع حركة الملاحة الجوية، ما يعني تعزيز إيرادات الدولة المالية وتحفيز فرص إنعاش الاقتصاد المتعثر.

خالد الشلي: الاتفاقية تتيح لتونس مواءمة منظومتها الجوية مع المواصفات الأوروبية
خالد الشلي: الاتفاقية تتيح لتونس مواءمة منظومتها الجوية مع المواصفات الأوروبية

لكن تفاؤلها يواجه قلق النقابات من انهيار الناقلة المملوكة للدولة أمام منافسة شركات الطيران الأوروبية منخفضة التكلفة فور دخول الاتفاقية حيز التنفيذ في النصف الثاني من هذا العام.

كما يخشى النقابيون من أن تدفع الاتفاقية السلطات تدريجيا للتفريط في الشركة التي تواجه صعوبات مالية وهيكلية غير مسبوقة منذ عام 2011، رغم أن وزير النقل رضوان عيارة نفى في مقابلة مع وكالة رويترز الشهر الماضي وجود أي نية لخصخصتها مهما كانت الظروف.

ويرى محللون أن ترك الخطوط التونسية في مواجهة المنافسة أمر لا مفر منه وأن مكاسب الاقتصاد ستكون أكبر من الثمن الذي تدفعه الشركة. وأكدوا أن تلـك المنافسة ستكون مفتاح إصلاح الترهل في الخطوط التونسية.

وسعى الاتحاد العام التونسي للشغل، أكبر نقابات البلاد، للضغط على الحكومة للعدول عن القرار الذي اتخذته في مطلع ديسمبر 2017 ونظم احتجاجا لموظفي وعمال الشركة السبت الماضي قرب مقر الخطوط التونسية بمدينة أريانة.

ويقول المحتجون إن هدف تحركهم هو الحفاظ على القطاع العام لأن هناك إشارات تدل على عدم الاهتمام بالخطوط التونسية ولأن وزارة النقل تسرعت في التوقيع على الاتفاقية ولم تهتم لمبدأ المنافسة.

ومن الواضح أن الشركة تنظر للأمر كمشكلة تهدد سيطرتها شبه المطلقة على النقل الجوي من وإلى تونس، بينما ترى السلطات أنها تهدف لفتح المجال أمام ازدهار اقتصاد البلاد.

ويعتقد خبراء أن أزمة الشركة تكمن في السوق المحلية وليس المنافسة، خاصة وأن عددا من شركات الطيران الكبرى أوقفت رحلاتها لتونس منذ الهجمات الإرهابية في 2015 قبل أن تعود في الفترة الماضية، مما يعني استحواذ الخطوط التونسية على تلك الحصة.

وحاولت وزيرة السياحة سلمى اللومي مرارا تبديد القلق الذي يساور موظفي الشركة، بالتأكيد على أنه لا مبرر للتخوف من الاتفاقية، لا سيما وأن كل البلدان المنافسة لتونس تعتمد الإجراء منذ زمن باعتبار ما يقدمه من تسهيلات للسياحة.

وتشغل الناقلة الحكومية قرابة 8200 موظف، وفق بيانات رسمية، وهذه القوة العاملة أثرت بشكل كبير على توازناتها المالية، في ظل أزمة جعلتها تسجل عجزا خلال السنوات السبع الأخيرة.

وحتى يتم إنقاذها، أعلنت وزارة النقل في فبراير الماضي عن ملامح إعادة هيكلة الشركة مع اقتراب دخول اتفاقية السماوات المفتوحة حيز التنفيذ، ما يفسح المجال أمام الناقلة المتعثرة لتعزيز قدرتها التنافسية.

رضوان عيارة: ليست هناك نية لخصخصة الخطوط التونسية وإنما ستتم إعادة هيكلتها
رضوان عيارة: ليست هناك نية لخصخصة الخطوط التونسية وإنما ستتم إعادة هيكلتها

وترتكز الخطط على بلورة استراتيجية تجارية جديدة مع فتح الأجواء مع الاتحاد الأوروبي وتعزيز الأسطول بحلول عام 2021 لتجاوز مشكلة التقادم والنقص في الطائرات والتسريح الطوعي لنحو 1200 موظف.

وقال وزير النقل رضوان عيارة إن “الخطوط التونسية تعتزم تسريح المئات من الموظفين بشكل طوعي سعيا لخفض النفقات ضمن برنامج إصلاحي يشمل أيضا تجديد أسطول الشركة وتحسين الخدمات لإنقاذها من الإفلاس.

وستكون كافة المطارات التونسية، وعددها ثمانية، مفتوحة أمام شركات الطيران الأوروبية في مرحلة أولى ثم الشركات العالمية في مرحلة ثانية، ما عدا مطار تونس قرطاج سيكون خارج هذه الاتفاقية لخمس سنوات ستستغل لملاءمة الخطوط التونسية مع المعايير الأوروبية.

وقال عيارة “سعيا لحماية الخطوط التونسية حتى تكمل برنامجها الإصلاحي فلن يشمل اتفاقية السماوات المفتوحة مطار تونس قرطاج الذي يعد مركزا لكافة رحلات الشركة”.

ووفق بيانات ديوان الطيران المدني والمطارات، فإن مطار قرطاج الدولي لا يزال يتصدر المطارات التونسية الأكثر استقبالا للمسافرين يليه مطار جربة جرجيس الدولي.وأشارت البيانات أيضا إلى أن المطارات السبعة الأخرى التي تشملها الاتفاقية تعاني من عجز مالي بلغ بنهاية العام الماضي 25 مليون دينار (10.3 مليون دولار).

وأكد خالد الشلي رئيس مدير عام ديوان الطيران في تصريحات سابقة أن اتفاقية السماوات المفتوحة ستتيح لتونس تحسين المنظومة الجوية بشكل كبير لتكون ملائمة للمواصفات الأوروبية، عبر رقمنة التجهيزات والخدمات.

وهناك تجارب مقارنة أثبتت التداعيات الإيجابية للاتفاقية على الاقتصاد، وهو ما حصل مع المغرب بالفعل حيث تضاعف عدد السياح القادمين إليه ثلاث مرات منذ انضمامه لاتفاقية السماوات المفتوحة قبل أكثر من عقد.

11