تونس بين قرارات الخارج وإكراهات الداخل

تونس ليست فريدة من نوعها في خضوعها للتجاذبات الداخلية والخارجية، فأغلب الدول التي شهدت تحولات سياسية جذرية بغطاء غربي دفعت الثمن من قرارها الوطني.
الخميس 2018/08/16
تونس ليست فريدة من نوعها

لم يعد لأعياد تونس الوطنية معنى، ويمكن استشفاف ذلك من عيدي الجمهورية والاستقلال الأخيرين، فروح الانتماء في تراجع دائم والحسّ الوطني بات شبه مفقود، وخاصة لدى الأجيال الجديدة حتى أن نسبة المقبلين على الخدمة العسكرية باتت لا تتجاوز 1 بالمئة من المدعوين إليها ما جعل وزارة الدفاع ترفع 200 ألف دعوى قضائية ضد المتهرّبين، بينما ترتفع نسبة الرغبة في مغادرة البلاد إلى أكثر من 50 بالمئة، وباتت الهجرة أهم حلم يراود التونسيين بمن فيهم الكفاءات العالية.

يأتي ذلك في ظل الحديث الممل عن الديمقراطية الفريدة في محيطها والاستثناء بين دول الربيع العربي، وفي ظل شعارات لم تعد تقنع حتى رافعيها من الفاعلين السياسيين المستفيدين من المرحلة، ما يشير إلى البون الشاسع بين الوهم الذي تم الترويج له بعد 14 يناير 2011، والواقع الذي تعيشه البلاد اليوم، وهو واقع متأزم سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، تتراجع فيه سيادة الدولة بشكل غير مسبوق، ليصبح القرار بيد قوى خارجية نجحت في اختراق المجتمع عبر أدوات مختلفة منها بعض الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني ووسائل الإعلام وشخصيات سياسية تتلقى الأوامر من عواصم بعينها.

من نوادر المشهد التونسي أن يلوم البعض الرئيس الباجي قائد السبسي على تحالفه مع زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي إثر لقاء باريس في أغسطس 2013، بينما كان ذلك التحالف بقرار أجنبي على أن يتقاسم الرجلان السلطة من خلال حزبيهما نداء تونس والنهضة، وليس خافيا أن واشنطن وبرلين ولندن ساهمت في الوصول إلى ذلك الاتفاق في إطار سعيها لدمج الإسلام السياسي في السلطة، ووفق رئيس حكومة الترويكا الثانية حمادي الجبالي، فإن الأمر يتجاوز الاتفاق الشفهي إلى وثيقة ممضاة بين الرجلين، دفعت آنذاك بحركة النهضة إلى إلغاء شرط السن القصوى للمترشحين للرئاسة من أجل فسح المجال أمام السبسي وإلغاء قانون العزل السياسي الذي كان يستهدف كل من عملوا مع النظام السابق.

عندما يتمرّد رئيس الحكومة يوسف الشاهد على حزبه، وعلى السبسي الذي جاء به إلى صدارة السلطة التنفيذية ويرفض الاستقالة من منصبه، إنما يعتمد في ذلك على قرار أجنبي يبدو الغنوشي أقرب إلى فهمه، وهو قرار مرتبط بالإصلاحات الاقتصادية في البلاد، والتي تقودها عواصم غربية، تبدو لندن في صدارتها، إلى درجة تمويلها في يناير الماضي حملة إعلامية لمواجهة احتجاجات المعارضة على قانون المالية للعام الجاري وقد تم الكشف عن ذلك من خلال تقرير “الغارديان” أوائل يوليو الماضي.

وحتى الإصلاحات الاجتماعية، وما سمّي بملف الحريات الفردية والمساواة، فإنها ليست بعيدة عن الأوامر الغربية، ما يجعل قيادات من النهضة تؤكد احترامها لحقوق المثليين مثلا ولتدعم حقوق المرأة، بعد أن كانت ترفض الترحّم على الحبيب بورقيبة بسبب إصداره قانون الأحوال الشخصية الذي كانت ترى فيه خروجا عن الإسلام.

بمعنى آخر فإن كل القرارات المهمّة في ظل الديمقراطية الوليدة، صارت مرتبطة بالقوى الخارجية، بينما ترتفع بعض الأصوات لتتحدث عن استقلالية مزعومة للقرار الوطني، وهذه الأصوات عادة ما تكون مرتبطة بمصالح اقتصادية مع أطراف خارجية تسيطر على ذلك القرار، لذلك لم يكن غريبا أن يختار الغرب أن يكون التحالف بين حزبين لهما نفس الرؤية الاقتصادية التي تعطي هامشا للفساد يستفيد منها أفراد محسوبون على ما تسمّى بالقوى الديمقراطية المحسوبة بدورها على مراكز القرار الغربي.

الصدام الذي حصل في نداء تونس بين جناحي يوسف الشاهد وحافظ قائد السبسي، يشير إلى قضية أخرى وهي قضية ثقافية بالأساس، فالديمقراطية في مفهومها الأميركي لا تكون خارج اللغة الإنكليزية وهو ما تراه لندن كذلك، ولذلك كان لا بد من اختراق حزب نداء تونس الذي يعتبر نفسه امتدادا للإرث البورقيبي بأحد معانيه وهو الارتباط بالثقافة الفرنسية، من قبل سياسي شاب بدأ حياته العملية في ملعب واشنطن، ليعد وفق وثائق بريطانية تم الكشف عنها مؤخرا بأن يتخذ قرارا بإعلان اللغة الإنكليزية لغة ثانية في البلاد بدل لغة فولتير.

ومن الطبيعي أن يتحالف الشاهد في ذلك مع الإسلاميين المحسوبين على لندن بحكم تاريخهم القديم معها كعاصمة دعم وتبنّ، والذين يتهم نشطاؤهم كلّ من يختلف معهم في الرأي والموقف بأنه عميل لفرنسا، أي بذات التهمة التي لا يزالون يهتكون بها تاريخ بورقيبة، ويصمون بها النخب الحقوقية والسياسية والثقافية الليبرالية واليسارية.

تونس ليست فريدة من نوعها في خضوعها لتلك التجاذبات الداخلية والخارجية، فأغلب الدول التي شهدت ثورات أو تحولات سياسية بغطاء غربي، دفعت الثمن من قرارها الوطني وشهدت انهيارات على جميع الأصعدة، وأولها الصعيد الاقتصادي الذي يؤثر على الاجتماعي، لتكون النتيجة سيطرة على الموقف السياسي واختراقا للهوية الثقافية، فالفقر والحاجة يفرضان الاعتماد على الأجنبي الجاهز لفرض شروطه وتشكيل أدواته المهيّأة لخدمته، وبذلك تتداخل الأزمات لنجد أنفسنا أمام وضع بائس، تتخلله إشادات مصطنعة بفرادة النموذج التونسي، وهي إشادات لا ترسخ الانتماء ولا تكرّس الولاء ولا تعيد الغرقى في مياه المتوسط إلى الحياة ولا تدفع بالشباب إلى أداء الخدمة الوطنية ولا تبعث الأمل في أجيال اختنقت بخيوط الحلم تحت شعارات الديمقراطية الباهتة.

9