تونس بين "معارضة" النداء وحكم النهضة

الحزب الحاكم لا يحكم ولا يفكر، ولا يخطط للاستراتيجيات ولا يطرح البدائل، وإنما فقط يتصدع كيانه ويتشقق بنيانه، تاركا المجال فسيحا لحركة النهضة لكي تعد العدة من أجل تسلم مقاليد الحكم.
الخميس 2018/09/13
نخبة سياسية تتحرك خارج سياقات المصلحة العامة للبلاد والعباد

الوضع في تونس ليس على ما يرام، هذا ما يمكن أن يستنتجه أي متابع لما يدور في البلاد على جميع الصعد، فنحن أمام أزمة مالية واقتصادية طاحنة، وأمام نذر أزمة اجتماعية بدأت تسفر عن بوادرها بالحديث عن إضراب عام قد يقره الاتحاد العام التونسي للشغل قريبا، ونحن أمام أزمة سياسية مستفحلة منذ العام 2011، وعوض أن تجد آفاقا للتجاوز مع مرور الوقت باتت تتجه للاستفحال أكثر نتيجة الصراع على السلطة من قبل قوى متناقضة الرؤى والمواقف والأجندات والأهداف، فلا أحد يفكر في مصلحة البلاد إلا بقدر مصالحه، كما لا أحد يرعى البقرة إلا بقدر ما يتيسّر له من حليبها.

الوضع في تونس اليوم يؤكد أن هناك إرثا ثقافيا موغلا في القدم، لا يمكن تطويعه في إطار المسار الديمقراطي، حيث ورغم الشعارات المرفوعة منذ سنوات، تبقى المصالح الضيقة للشخص أو للمجموعة أهمّ من المصلحة العامة للوطن والمواطن. فحزب حركة نداء تونس الحاكم تحول إلى مرض عضال للساحة السياسية نتيجة إصرار نجل الرئيس على أن يكون وريثا لوالده، ما أدى إلى تصدعه وتحوله من المركز الأول في البرلمان بـ86 مقعدا إلى المركز الثاني بـ45 فقط، وقد يخسر المزيد من المقاعد خلال الأيام والأسابيع القادمة ليترك المجال فسيحا لحركة النهضة، التي ما تحالفت مع حزب إلا وكانت وراء تفتيته، كما حدث بعد انتخابات 2011 مع حزبي المؤتمر من أجل الجمهورية والتكتل الديمقراطي للعمل والحريات.

حركة النهضة لم تعدم وسيلة إلا اعتمدتها لاختراق النداء من الداخل، حيث أقنعت حافظ قائد السبسي أنها سترشحه لخلافة والده في تقاسم السلطة معها وفق اتفاق باريس لصيف 2013 الذي تم تحت غطاء إرادات دولية، ومن هذا المنطلق قدمته لحلفائها الدوليين والإقليميين ليطمئن قلبه، وساعدته على التخلص من القيادات التي قد تنافسه على هذا الهدف، ثم ما إن تصدع نداء تونس، وانهارت قواه، حتى تخلت عنه وانحازت لعدوه اللدود يوسف الشاهد، الشاب الندائي الذي جاء به السبسي الأب لمركز القرار، تنفيذا لتوصية وحده من يعرف مصدرها، وكان يعتقد أنه سيستعمله أداة لتنفيذ مشروعه في الاستحواذ على مقاليد السلطة التنفيذية بأكملها تجاوزا لأحكام الدستور التي تحد من صلاحيات رئيس الدولة، إلا أن الشاب انقلب على عرّابه، وعلى الجناح المناوئ له في الحزب الحاكم، ليجد حركة النهضة تمد إليه ذراعيها ولكن بشروطها، وأولها أن يطيح بمن ترى فيهم أعداء لها في التشكيل الوزاري وفي المؤسسة الأمنية، وقد حدث ذلك بعزل وزير الداخلية السابق وفريقه.

أما الشرط الثاني فهو أن يتعهد الشاهد بعدم الترشح للانتخابات القادمة، وهو ما يطرح أكثر من سؤال عن مفهوم الديمقراطية في نظر الحركة، وعن فهم النخب التونسية للانتخابات وللتداول السلمي على السلطة، وعما إذا بات مفروضا على التونسيين أن يؤتى لهم قبل كل محطة انتخابية برلمانية أو رئاسية بحكومة غير معنية بالمنافسة على أصوات الناخبين، مثل ما حدث قبل انتخابات 2014، ومثلما يراد له أن يحصل قبل انتخابات 2019.

وهكذا فإن الحزب الحاكم لا يحكم، ولا يفكر، ولا يخطط للاستراتيجيات ولا يطرح البدائل، وإنما فقط يتصدع كيانه ويتشقق بنيانه، ويفقد مع كل يوم جديد عددا من قياداته وأنصاره والمتعاطفين معه، تاركا المجال فسيحا لحركة النهضة لكي تعد العدة من أجل تسلم مقاليد الحكم بعد 15 شهرا من الآن.

كان السبسي الأب يطمح منذ أوائل السبعينات إلى الجلوس في كرسي مثله الأعلى الحبيب بورقيبة، وقد رشحته مراكز القرار الأميركي آنذاك ليكون “الحصان الأسود” الذي سيفوز بأول سباق إلى قصر قرطاج بعد عزل أو رحيل “المجاهد الأكبر”، ويبدو أن القدر أراد أن يحقق له هذا الحلم، ولو بعد 40 عاما، فكان أن أسس حزبا من مكونات ذات مرجعيات متناقضة، ليفوز بعد عامين فقط في أول انتخابات تشريعية ورئاسية يشارك فيها، وهو ما جعل الكثيرين من أتباعه يستسهلون الوصول إلى الحكم ويعيشون لذة السلطة، دون التفكير في المحطات القادمة، ولأن الدستور يمنع الرئيس المنتخب من الاستمرار في رئاسة حزبه، فإن نجله كان الأسبق ليسيطر على النداء، والوالد كان داعما لمسيرة الولد، فكانت النتيجة اختلالا في موازين القوى السياسية لفائدة حركة النهضة التي عرفت بدهائها التكتيكي والاستراتيجي وبانضباطها العقائدي كيف تضع قدمها على أول درجات السلم المؤدي إلى التمكين الكامل في تونس، ليس من منطلق القوة الميدانية والقاعدة الشعبية وإنما من ضعف المنافسين الذين كان من السهل التلاعب بهم وبمصالح البلاد من ورائهم.

واليوم عندما يقول نداء تونس إنه سينحو منحى المعارضة، فذلك يعني أنه ترك الحكم للنهضة ليخون إرادة ناخبيه الذين صوتوا له قبل أربع سنوات ليكون على رأس السلطة لا في صفوف المعارضة، ويعني أنه حكم على وزرائه إما بالاستقالة منه أو من الحكومة، وبأنه دخل في مواجهة مع يوسف الشاهد بدل أن تكون مواجهته الحقيقية مع من كان يرى في مشروعهم نقيضا لمشروعه المجتمعي.

الوضع في تونس ليس على ما يرام، ومن الصعب أن يتغير نحو الأفضل في ظل واقع سياسي متأزم تقف وراءه نخبة سياسية تتحرك خارج سياقات المصلحة العامة للبلاد والعباد.

9