تونس تبدأ دورة الثورة العربية من جديد

الأحد 2014/02/02
دستور الثورة "الابن الشرعي" لنضالات السنين ضد الاستبداد والفساد

الدستور التونسي الجديد الذي تمخض عن ولادة “توافقية” عسيرة، وتمّت المصادقة عليه يوم الخميس 23 يناير 2014، لم يكن باكورة النصوص الدستورية التونسية، بل سبقته في الولادة والتاريخ تجارب عديدة طبعت التاريخ السياسي الحديث والمعاصر للبلاد.

الدستور الذي رأى النور مطلع 2014 وأشّر لانطلاق “الجمهورية التونسية الثانية” وكان تجربة فريدة في التوصل إلى إرساء حدّ أدنى من التوافق السياسي بين الفرقاء السياسيين، كان المولود الدستوري التونسي الثالث طيلة تاريخها، حيث سبقه إلى الظهور دستور 1861، ودستور دولة الاستقلال الذي أعلنَ في الأول من يونيو 1959.

علاقة البلاد التونسية بالدساتير والنصوص المنظمة للحياة الاجتماعية والسياسية بدأت مع دستور 1861، الذي عُدّ أول دستور عربي وبدأ العمل به يوم 26 أبريل 1861، لكنه كان مسبوقا بنصّ مؤسس شهير، هو قانون “عهد الأمان” الذي صدر في عهد محمد باشا باي (حكم تونس بين 1855 و1859)؛ وعهد الأمان الذي صدر عام 1857 شارك في تأليفه وصياغته المؤرخ والمصلح أحمد بن أبي الضيّاف -أشار إليه في متنه الشهير الموسوم بـ”إتحاف أهل الزمان بأخبار ملوك تونس وعهد الأمان”- وتأثر في إعداده برحلته إلى باريس في شهر ديسمبر 1846 صحبة أحمد باشا باي.

أرسى دستور بورقيبة مقومات دولة حديثة تحترم مواطنيها بغض النظر عن أديانهم ومعتقداتهم، وكرّس إجبارية التعليم ومجانيته، وأمّن الفصل (نظريّا وصوريّا) بين السلطات


في البدء.. كان دستور 1861


عهد الأمان كان بمثابة قانون تضمن 11 فصلا، وأهميته تكمن في أنه أقرّ حرية المعتقد لكل سكان تونس، ونصّ على ضمان الأمن في المال والأجساد لكل سكان الإيالة دون اعتبار الجنس أو اللون أو الدين، وأقرّ أيضا -وهذا الأهمّ- حق الأجانب في شراء الممتلكات والأراضي وأتاح لهم حق ممارسة المهن والصنائع والحرف.

كان عهد الأمان منطلقا قانونيا وإصلاحيا لصدور دستور عام 1861، أي أن الأول مهّد وأسّس للثاني الذي صدر -مثلما أشرنا إلى ذلك- عام 1861 في عهد محمد الصادق باي في سياق جملة من الإصلاحات التربوية والسياسية والعسكرية والإدارية التي تحمّس لها عديد البايات والمسؤولين على غرار أحمد باشا باي ومحمد باشا باي ويمكن أن نورد بعض محاولات إيقاف الانحدار السريع التي بدأت تشهده “الإيالات العثمانية” في المغرب العربي، وتتمثل أساسا في: إنشاء المدرسة الحربية بباردو، وتأسيس المكتبة الأحمدية، وإلغاء الرق عام 1846، وتنظيم التدريس بجامع الزيتونة. لكن الملفت أن كل هذه الإصلاحات كانت مدفوعة برغبتين متناقضتين. الأولى رغبة رواد الإصلاح في تونس أمثال ابن أبي الضياف وخير الدين التونسي فضلا عن بايات تحمّسوا لذلك أو أجبروا على ذلك، أما الرغبة الثانية فقوامها دفع القناصل الأجانب الأوروبيين إلى إجراء “إصلاحات” سياسية وإدارية في بلاد تتهيأ بسرعة آنذاك توفرت فيها كل عناصر “القابلية للاستعمار” على حدّ تعبير مالك ابن نبي.

إذن جاء دستور 1861 في سياق تاريخي موسوم بتسابق الدول الأوروبية على نيل نصيبها من المستعمرات، وكانت الجزائر آنذاك واقعة تحت الاستعمار الفرنسي منذ 1830، وهو ما ضاعف من الأطماع الأوروبية والتنافس المحموم حول تونس، وما يجمعه بقانون عهد الأمان هو أنه أكد أولا ضرورة الالتزام بمقتضيات عهد الأمان -خاصة في ما يتعلق بحقوق الأجانب- وأنه حدث بدوره تحت ضغط وتأثير القناصل والوزراء الأجانب أمثال الوزير ذي الأصول الإيطالية جوزيف راف.

رغم هذه الخلفيات المصاحبة لصياغة دستور 1861 إلا أنه كان نصّا قادرا على إرساء حياة سياسية سليمة، حيث سعى إلى تنظيم الحياة السياسية بتونس انطلاقا من الفصل بين السلطات حيث رسم الحدود بينها لتكون السلطة التنفيذية من مشمولات الباي الذي أصبح مسؤولا عند التجاوزات أمام المجلس الأكبر. أما السلطة التشريعية فهي من مشمولات الباي والمجلس الأكبر الذي يتألف من 60 عضوا، يعين ثلثهم من رجال الدولة والبقية من أعيان البلاد، في حين قامت السلطة القضائية على نواة مشكلة من 10 محاكم ابتدائية بالمدن التونسية الكبرى، وظلت محكمة التعقيب من مشمولات المجلس الأكبر.

ورغم أهمية دستور 1861 إلا أنه لم يخل من النقائص، حيث تمّ إقرار وجوب تعيين أعضاء المجلس الأكبر بدل انتخابهم، وهو ما أفرز لاحقا السيطرة على المجلس من قبل بعض الرموز المتنفذة في الدولة مثل الوزير مصطفى خزندار وأعوانه. وإثر اندلاع الثورة الشعبية لعام 1864 المعروفة بثورة علي بن غذاهم (ثورة ضد السياسة الضريبية للدولة وضد تنامي النفوذ الأجنبي في البلاد) قرّر الصادق باي التراجع عن العمل بدستور 1861.

عهد الأمان ودستور 1861 ورغم ما مثلاه من محاولات مبكرة لتنظيم الحياة السياسية في تونس، وإضفاء عملية تحديث واسعة لم يحولا دون وقوع “المحظور الاستعماري” عام 1881. وهو ما جعل الحياة السياسية -والقانونية والدستورية- تتخذ وجهات أخرى في ظل الاستعمار الفرنسي.

دستور تونس الجديد، ورغم بعض التحفظات التي أبداها بعض خبراء القانون، يظلّ نصا يليق بتجربة ديمقراطية جديدة تخطو خطواتها الأولى


دولة الاستقلال.. دستور وبورقيبة


منذ انطلاق اللحظة الاستعمارية الفرنسية في تونس، كانت الحركة الوطنية التونسية بمختلف مشاربها الفكرية تطوّر مطالبها ونضالها حسب الظروف والمقتضيات السياسية، من إجراء إصلاحات سياسية داخل “الحضن الاستعماري” (مع حركة الشباب التونسي والحزب الدستوري القديم) وصولا إلى رفع شعار الاستقلال (مع الحزب الدستوري الجديد والحركة النقابية)، ومنذ الثلاثينات تطورت المطلبية التونسية من المطالبة بتشريك التونسيين في إدارة شؤون البلاد، إلى المطالبة بتحرير الشعب التونسي والحصول على دستور يضمن سيادة الشعب بواسطة برلمان وطني تونسي. وفي هذا السياق كان مطلب صياغة دستور تونسي أحد أول المطالب الملحة التي شرعت دولة الاستقلال في تنفيذها بمجرد انتهاء الاستعمار في 20 مارس 1956. وهو ما تحقق عبر دستور 1959.

لإعداد دستور 1956 احتاجت تونس آنذاك إلى انتخاب “مجلس قومي تأسيسي” (كان بورقيبة يستعيض عن مصطلح وطني بلفظ قومي في إطار تحمسه لما يسميه الأمة التونسية) وكان انتخاب هذا المجلس في ظرفية مشوبة بمقاطعة اليوسفيين (أنصار صالح بن يوسف خصم بورقيبة اللدود)، ومثلت تلك الانتخابات (تمت 5 أيام بعد إعلان الاستقلال) رغم أنها “عامة ومباشرة وسرية” منطلق الهيمنة البورقيبية على الحياة السياسية التونسية، حيث تقدمت قائمة تمثل الجبهة القومية (تضمّ الحزب الحر الدستوري الجديد والاتحاد العام التونسي للشغل وبقية المنظمات القومية) ضدّ قائمة أخرى تضمّ مستقلين ومرشحين ينتسبون للحزب الشيوعي التونسي، وفازت الجبهة بكل مقاعد المجلس الـ108. وعقد المجلس القومي التأسيسي اجتماعه الأول يوم 8 أبريل 1956 وانتخب الحبيب بورقيبة رئيسا له، ودعي إلى تشكيل أول حكومة بعد الاستقلال، ليخلفه في رئاسة المجلس التأسيسي المناضل جلولي فارس.

وكانت باكورة قرارات المجلس إلغاء الملكية وإعلان الجمهورية يوم 25 يوليو 1957. ثم تفرغ لصياغة الدستور وهي مهمة احتاجت أكثر من ثلاث سنوات حيث صدر الدستور في الأول من يونيو 1959، ومثل حدثا تاريخيا أحدث نقلة في الحياة السياسية التونسية، وكان استجابة لمطالب أجيال من رواد الحركة الوطنية التونسية ووفاء لشهداء يوم 9 أبريل 1938 الذين خرجوا للتظاهر مطالبين ببرلمان تونسي.

لم يخلُ دستور 1959 (على أهميته) أيضا من المؤاخذات، حيث كان كل أعضاء المجلس التأسيسي من المنتمين إلى الحزب الحر الدستوري رغم أنهم ترشحوا على أساس انتمائهم لمنظمات مختلفة، ولذلك خضع المجلس خضوعا تاما لتوجيهات الحبيب بورقيبة. ومع ذلك فإن ما يحسب له أنه أرسى مقومات دولة حديثة، تحترم مواطنيها بغض النظر عن أديانهم ومعتقداتهم، وكرّس إجبارية التعليم ومجانيته، وأمّن الفصل (نظريّا وصوريّا) بين السلطات وغيرها من الفصول والبنود التي صبت كلها في هدف تحديث الدولة التونسية، ويشار هنا إلى قانون مجلة الأحوال الشخصية التي صدرت قبل الدستور، أضْفيَت عليها منزلة دستورية، ونصَّ الدستور على ضرورة احترامها لذلك يدرجها البعض في سياق التجربة الدستورية التونسية. لكن الجهد التشريعي الدؤوب لتحديث الدولة والمؤسسات الذي تجلى في نص دستور الاستقلال، تحوّلت بسرعة إلى نص تراثي محنط، أولا لتتالي التنقيحات التي أفقدت النص الأصليّ روحه ومصداقيته، وثانيا لأن الممارسة السياسية البورقيبية كانت تسير في اتجاه مغاير لما كرّسه الدستور، حيث نجح بورقيبة في بناء نظام رئاسوي قويّ يتعالى غالبا على القوانين والنصوص ويخضع تبعا لذلك كل السلطات لسلطته الممركزة.

هذه المؤاخذات والإخلالات الممارساتية، أنتجت تسارعا في صنع حكم استبدادي كان يلتف باطراد على كل ما قدمه الدستور من إمكانات تحديث وتطوير للحياة والعلاقات السياسية، لذلك كانت السنوات الأخيرة من حكم بورقيبة تمثل سنوات احتضار لباني الدولة “المجاهد الأكبر” وفي الآن نفسه للنص الدستوري الثوري بمنطق تلك الحقبة.


تطلع للديمقراطية بدستور توافقي


تضافر كل تلك العوامل سابقة الذكر، مع مناويل تنمية فاشلة وتوترات اجتماعية متتالية، إضافة إلى تحول “7 نوفمبر 1987" الذي مسّ فقط رأس السلطة دون أن يطال الأمراض البنيوية والهيكلية المزمنة باعتبار أنه حدث من داخل القصر، أدت مجتمعة إلى تكثف أسباب وعوامل تضافرت بدورها لتفرز انطلاق ثورة 17 ديسمبر 2010 التي أنتجت رحيل نظام بن علي وهو ما أعاد إلى الواجهة المطلب القديم بإنشاء “مجلس تأسيسي” ليصوغ نصا دستوريا جديدا يناسب مرحلة ما بعد بورقيبة وبن علي.

شعار إنشاء مجلس تأسيسي لصوغ دستور جديد لم يكن محلّ إجماع كلّ القوى السياسية، بل كان تحديدا مطلبا برز في اعتصام القصبة2 (انطلق في 20 فبراير 2011 للمطالبة برحيل حكومة محمد الغنوشي الثانية وتشكيل مجلس تأسيسي ولم ينفضّ إلا برحيل الحكومة وتكليف الباجي قايد السبسي بتشكيل حكومة جديدة) وكان أيضا مطلبا نادى به المناضل اليساري حمة الهمامي الذي دافع على ضرورة البناء من جديد وعدم الاعتماد على ترميم البنى القديمة للاستبداد.

أدّى الحراك المتسارع تلك الأيام إلى انتخابات 23 أكتوبر 2011 التي أنتجت واقعا سياسيا جديدا كان قوامَه مجلسٌ تأسيسيٌّ (مع حكومة محاصصة حزبية كان قد شكل اختيارها أحد هنات المرحلة) انطلق ببطء شديد في صياغة دستور علق عليه الشعب آمالا كامنة.

تزامنا مع الصراع مع الفرنسيين كان مطلب صياغة دستور تونسي أحد أول المطالب الملحة التي شرعت دولة الاستقلال في تنفيذها بمجرد انتهاء الاستعمار فكان دستور العام 1959

الدستور الذي صودق عليه يوم 25 يناير 2014، كان دستورا توافقيا عسير الولادة، اختصر كل ما ساد الساحة السياسية من حراك وأحداث؛ مظاهرات واحتجاجات واغتيالات وعمليات إرهابية، لكن الفاعلين السياسيين توصلوا في النهاية إلى أنه لا مخرج ولا مفرّ من التوافق والحوار بديلا عن محاولات فرض الأمر الواقع بتعلات الشرعية أو الأغلبية الانتخابية، لكن الفضل يعود إلى منظمات المجتمع المدني في بلورة المنجز الدستوري والسياسي الجديد.

مجتمع مدني مثل قوة ضاغطة طيلة أشهر، وكان صمام أمان حال دون النكوص عن مكاسب سياسية ومجتمعية لم يكن الشعب التونسي بمختلف أطيافه على استعداد للتفريط فيها. مجتمع مدني تصدر الاحتجاجات على اغتيال شكري بلعيد ومحمد البراهمي، وقاد عمليات تصحيح المسار وكان أيضا راعيا للحوار الوطني (نذكّر بأن منظمات الاتحاد العام التونسي للشغل والهيئة الوطنية للمحامين والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان واتحاد الصناعة والتجارة كانت تمثل المنظمات الراعية للحوار الوطني في كل جولاته).

الضغط الذي مارسته المكونات السياسية ومنظمات المجتمع المدني ووسائل الإعلام والمثقفين حال دون سعي حركة النهضة إلى إنجاز دستور يستجيب للتطلعات الإخوانية العارمة، وكان الفصل الأول -وخاصة مسألة دين الدولة- مثلا مثار نقاش حادّ خرج من قبة المجلس التأسيسي إلى الفضاء العام، وكذلك حصل مع بند تجريم التكفير الذي تمّ فرضه بعد مشادات بين نواب الأحزاب اليسارية والتقدمية ونواب النهضة وحلفائها.

دستور تونس الجديد، ورغم بعض التحفظات التي أبداها بعض خبراء القانون، يظلّ نصا يليق بتجربة ديمقراطية جديدة تخطو خطواتها الأولى في تونس، وأقام الدليل على أن التوافق السياسي كفيل بتبديد قسم كبير من الاختلافات الفكرية والإيديولوجية، وأشر أيضا على أن القوى السياسية عندما تلتفت إلى الوطن وتلغي انتماءاتها الثانوية -السياسية أو الدينية- فإنها تتوصل لا محالة إلى البناء على الحدّ الأدنى المشترك.

تاريخ تونس الحديث والمعاصر ارتبط بشكل وثيق بمطلب الدستور، وكان النص القانوني هو الأعلى مطلبا وحلما وأداة تغيير، إلى درجة أنه ارتبط وتماهى طيلة عقود مع النضال الوطني، حيث حملت الأحزاب التي قادت الحركة الوطنية الإشارة إلى الدستور (سواء الحزب الدستوري القديم بقيادة الزيتوني عبدالعزيز الثعالبي أو الحزب الدستوري الجديد بقيادة بورقيبة)، وأصبح المناضل المنتمي لهذه الأحزاب يحمل وصف دستوري، لكن في سنوات الجزر السياسي أصبح وصف “دستوري” يحيل إلى المرتبط بالسلطة والنظام أو المقابل الموضوعي للمعارض.

من دستور 1861 الذي كان رائد الدساتير العربية بما حمله من قوانين ثورية (بعقلية ذلك الزمن) إلى دستور الاستقلال والدولة الوطنية، وصولا إلى دستور الثورة عام 2014 (الذي كاد يستحيل دستورا للنهضة) ارتبط تاريخ تونس بصوغ الدساتير وكان كل دستور يمثل منعرجا حادا في تاريخ البلاد: دستور أدّى بشكل غير مباشر إلى مجيء الاستعمار (هذا لا يعني أنه السبب المباشر)، ودستور ثان دشن حقبة الاستقلال لكنه سرعان ما كرّس الاستبداد الرئاسوي البورقيبي، ودستور جديد ينتظر منه أن يؤسس لدولة المواطنة بديلا عن مخلفات الاستعمار وبقايا الاستبداد ومخاطر أخونة محدقة.

10