تونس تبدأ رحلة استرجاع أموال الدولة من لوبيات الفساد

أكد محللون أن إعلان تونس الحرب على لوبيات الفساد التي تفاقم نفوذها منذ عام 2011 يمثل خطوة كبيرة نحو تعزيز ثقة المستثمرين. وتوقعوا أن تكشف حملة الاعتقالات عن المتسببين في استنزاف موارد الدولة وانتعاش التهريب والاختلاس والتهرب الضريبي.
الجمعة 2017/05/26
إعادة ترتيب الحسابات

بدأت الحكومة التونسية رحلة وصفها خبراء اقتصاد بـ“الشاقة” للقضاء على لوبيات الفساد والتهريب وتمويل الاحتجاجات، التي دمرت اقتصاد البلاد، في مؤشر يعكس إرادة الدولة الجادة على مكافحة الظاهرة التي تغلغلت في معظم مفاصل الدولة.

ويقول اقتصاديون إن منسوب الفساد الإداري والمالي والتهريب زاد منذ عام 2011 بشكل لم يعد معه يمكن التغاضي عنه باعتباره أحد أبرز العوامل التي تعطل التنمية، مشيرين إلى نقطة مكافحة الفساد التي أعلن عنها رئيس الحكومة يوسف الشاهد أثناء توليه منصبه.

وأوضح خبير الاقتصاد رضا الشكندالي في تصريح لـ“العرب” أن الحملة التي أطلقتها الحكومة على رؤوس الفساد ولوبيات التهريب هي البداية فقط وستكون لها تبعات إيجابية على الاقتصاد المحلي ستظهر مؤشراتها تدريجيا مع مرور الوقت.

رضا الشكندالي: مكافحة الفساد من خلال القضاء على رموزه سوف تحفز الاستثمارات الأجنبية

وقال إن “مكافحة الفساد من خلال القضاء على رموزه تحفز أساسا الاستثمارات الأجنبية، لكن قد تخيف الاستثمارات المحلية بعض الشيء نظرا للضبابية التي تترافق في العادة مع هكذا معارك”.

ويرى الشكندالي أن إعلان الحرب على الفاسدين سيحسن من تمركز تونس لدى وكالات التصنيف الائتماني والمؤسسات المالية الدولية وسيعزز من نظرة المستثمرين لمناخ الأعمال في البلاد.

وفي خطوة هي الأولى من نوعها، اعتقلت السلطات 3 رجال أعمال وموظف جمارك سابقا و3 مهربين منذ الثلاثاء الماضي، لتورطهم في جرائم فساد وتهريب والمساس بأمن الدولة، وفق مصادر رسمية، التي أكدت أن العملية ستتواصل في الفترة القادمة.

وبحسب بيانات هيئة مكافحة الفساد، فإن تونس تفقد قرابة 1.8 مليار دولار سنويا بسبب الفساد المتأتي من التهريب والاختلاس فقط.

ودعت الهيئة في وقت سابق هذا الشهر، لتأسيس غرفة عمليات مشتركة تجمع الإدارة العامة للديوانة (الجمارك) وجهازي الحرس الوطني والشـرطة ووزارات الصناعة والتجارة والفلاحة والبيئة وكل الأطراف المسؤولة عن مكافحة ظاهرتي التهريب والاقتصاد الموازي.

وسجلت الدوائر الاقتصادية الرسمية تحايلا كبيرا على الصفقات والمناقصات التي تطرحها الدولة. وتقول بعض التقارير إن ما تخسره الدولة سنويا من جراء ذلك في حدود 18 بالمئة من حجم تلك الصفقات، وهو ما يثقل الميزانية ويجعل الدولة في عجز دائم.

ويقدر الخبير معز الجودي، رئيس الجمعية التونسية للحوكمة، خسائر تونس جراء سوء الحوكمة والفساد الذي ينخر الاقتصاد، من 3 إلى 4 نقاط مئوية من معدلات النمو سنويا.

وقال الجودي، في تصريح لـ“العرب” إن “الحملة التي أطلقتها الحكومة على رموز الفساد ستعزز الثقة بين المواطن بصفته مستهلكا ومنتجا والدولة التي غابت هيبتها في السنوات الأخيرة”، مشيرا إلى أن الدولة بفعل هذه الخطوة ستستعيد نقاط النمو التي فقدتها.

ويؤكد الخبير أن الاقتصاد الموازي والتهريب سمحا بدخول السلع دون دفع ضرائب للدولة والتي زاحمت “بطريقة غير شريفة مـؤسسات أخرى تطبق القـانون وتـدفع الأداءات”.

معز الجودي: عندما يتم القضاء على الفساد ستستطيع الدولة استعادة موارد لم تتمتع بها سابقا

وقال “عندما يتم القضاء على الفساد ستستطيع الدولة استعادة موارد لم تتمتع بها، وستحسن من قدرة المنافسة وتسيير الأسواق”.

ورغم أن البرلمان، صادق على قانون الاستثمار الجديد العام الماضي، إلا أن البيروقراطية والفساد وغياب الشفافية اللازمة، لا تزال العائق الأبرز أمام دخول العديد من الاستثمارات الخارجية التي تعول عليها تونس لإنعاش اقتصادها المشلول.

ويقول رئيس هيئة مكافحة الفساد شوقي الطبيب إن الفساد شمل جميع أوجه الحياة في تونس، وإن بارونات الفساد اخترقوا القضاء والإعلام ووزارة الداخلية والأحزاب والجمارك وحتى مجلس النواب من أجل الإفلات من المحاسبة.

وتؤكد بحوث ودراسات اقتصادية حول الفساد أجراها خبراء تونسيون في السنوات القليلة الماضية، تأزم العلاقة بين الاستثمار والتنمية من جهة، وكفاءة المؤسسات الحكومية من جهة أخرى، وهو ما أدى إلى تباطؤ النمو.

وتظهر بيانات جمعية المراقبين العموميين بتونس أن نحو89 بالمئة من التونسيين يعزون استفحال الفساد والرشوة إلى غياب الإرادة السياسية. ولفتوا إلى أن الفساد تحول إلى ثقافة وأصبح أسلوب تعامل عاديا ووسيلة لتسهيل الإجراءات الإدارية.

وأشار مسح سنوي حول مناخ الأعمال أصدره المعهد التونسي للقدرة التنافسية والدراسات الكمية العام الماضي، والذي غطى أكثر من ألف مؤسسة خاصة إلى أن ثلث تلك المؤسسات أصبحت مجبرة على دفع رشاوى لقضاء شؤونها.

ورصدت تقارير لمنظمات دولية من بينها منظمة الشفافية الدولية، ارتفاعا ملحوظا لنسـب الفسـاد خـلال السنـوات الأخيرة وزادت خـلال العـامين الماضيين بشكـل أكبـر في ظـل التجاذبات السياسية ومحاولة تشتيت جهود الحكومة ولا سيما في الجانب الاقتصادي.

وتحتل تونس المركز 75 عالميا في مستوى مؤشر معايير الفساد بالقطاع العام لسنة 2016، والمركز السابع عربيا من ضمن 176 دولة، بينما كانت تصنف في المركز 59 في عام 2010، وفق منظمة الشفافية الدولية.

10