تونس تبدأ رحلة تاريخية لإنقاذ الدول العربية

الجمعة 2014/10/31

يمكن ببساطة مقارنة الخطوة العملاقة التي خطتها تونس هذا الأسبوع، بما حدث في أوروبا في بدايات عصر النهضة حين بدأت أوروبا بفصل الدين عن السياسة. ما حدث في تونس، التي سبق لها أن أطلقت شرارة الربيع العربي، يختلف عما حدث في بقية الدول العربية، وهو يعلن أول تحول نوعي، وأول ضوء حقيقي في نهاية النفق الذي أدخلتنا فيه أحزاب الإسلام السياسي.

في تونس تمكنت الأحزاب الإسلامية بقيادة حركة النهضة الإسلامية، من قبضة السلطة في انتخابات سلمية هادئة ودون توترات شديدة، لكن قاعدة الناخبين سرعان ما أدركت الخطأ الذي ارتكبته، فتحولت إلى عرقلة مساعيها لهدم الدولة المدنية الراسخة.

بل إن العزوف الشعبي عن الحركات الإسلامية ورفض المجتمع المدني لها، تمكن من إجبار حركة النهضة على الانسحاب من الحكومة وتشكيل حكومة مؤقتة قبل نحو عام من حلول موعد الانتخابات.

أمام أغلبية شعبية واسعة رافضة لجماعات الإسلام السياسي، لم تجد تلك الجماعات بداً من القبول بإرادة الناخبين والإقرار بهزيمتها، وتهنئة الأحزاب المدنية الفائزة، رغم رغبتها بالتشبث بالسلطة.

قد يقول البعض إن الأحزاب الإسلامية في تونس أثبتت أنها أكثر وعيا من الجماعات الإسلامية في البلدان الأخرى، والأدق أن الإسلام السياسي واحد في جميع دول العالم، لكن المجتمع المدني الراسخ هو الذي أجبرها على ذلك السلوك. الفرق بين أحزاب الإسلام السياسي هو في طبيعة المجتمع الذي يتعاملون معه فقط.

قد يقول البعض إن مصر سبقت تونس في ثورتها العارمة على جماعة الإخوان المسلمين، لكن الفارق واضح، لأن المخاض المصري كان عسيرا وقاسيا ولم يكن دفاعا شعبيا مدنيا خالصا.

ولا أحد ينكر دور المؤسسات وخاصة الجيش في ذلك الحدث المصري، إضافة لارتباك وفوضى السياسات التي اتخذتها جماعة الإخوان المسلمين، ودوافع الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي فرضت على الشعب والمؤسسات إنقاذ الاقتصاد المصري.

ويتضح ذلك في ردة الفعل المصرية الحاسمة التي انتهت بعلاجات قاسية، منها تجريم الإخوان المسلمين واعتبارهم جماعة إرهابية، في حين أن المجتمع المدني التونسي فرض انحسار ظاهرة الإسلام السياسي بهدوء دون تجريمها ومقاتلتها، وهو ما سيتواصل، حتما، حتى اضمحلالها الحتمي في المستقبل.

ظاهرة الإسلام السياسي أثبتت أنها معضلة كبيرة في جميع البلدان الإسلامية، ولم يسبق لأي دولة عربية أو إسلامية أن أقصتها بهذا الهدوء والمدنية التي حدثت في تونس.

قد يذكر البعض تجربة الانتخابات الليبية التي أقصت الإسلاميين من البرلمان، لكن الواقع والصراعات المستمرة في ليبيا تجعلها تجربة مختلفة، لأنها لا تنطلق من مجتمع مدني يمسك بخياراته المطلقة، مثلما حدث في تونس.

حتى البلدان الإسلامية ذات الجذور المدنية الراسخة مثل تركيا، هيمنت عليها الأحزاب الإسلامية حين تقلصت قبضة الجيش على مؤسسات الدولة وأصبحت صناديق الاقتراع بلا حماية عسكرية. وها هي جماعة الإخوان المسلمين ممثلة بحزب العدالة والتنمية تنهش جسد مؤسسات الدولة التركية العلمانية، وتبتلعها شيئا فشيئا.

كل ذلك يجعل التجربة التونسية تجربة فريدة لم يسبق لها مثيل في العالم الإسلامي، وهي تطلق اليوم شرارة كبيرة ستكون لها تداعياتها وتأثيرها في انحسار ظاهرة الإسلام السياسي.

وهي تأتي في وقت حاسم بعد أن أصبح الثمن الذي تدفعه البلدان الإسلامية كارثيا بسبب ظاهرة الإسلام السياسي، بعد سيطرة “داعش” على أكثر من ثلث مساحة العراق، ومثلها في سوريا.

ومثلما امتدت شرارة الثورات من تونس، إلى مصر أولا، فإن ترسيخ الانتقال المدني مرشح مرة أخرى للانتقال إلى مصر، لتكتمل مرحلتها الانتقالية أيضا من خلال الانتخابات البرلمانية في العام المقبل.

وبذلك تكتسب حالة التحول الديمقراطي المدني زخما حاسما، لتكنس جميع الأحزاب الإسلامية من جميع البلدان العربية، وربما تمتد شرارتها إلى تركيا، وربما إلى إيران أيضا.

تونس أطلقت بإكمال تحولها المدني شرارة حاسمة لإنقاذ منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من كارثة أحزاب الإسلام السياسي التي تنذر بتدمير النسيج المدني الاجتماعي لدول المنطقة.


كاتب صحفي عراقي

9